استطاعت اكتشاف 73 مقاما موسيقياً ولا تجد الدعم الكافي لاستمرارها
الناصرة ـ “القدس العربي” من مهند صلاحات: فرقة تراثية فلسطينية، نبتت كزهرة برية في ارض الناصرة حيث عاش السيد المسيح عليه السلام، وحملت اسم زهرة شقائق النعمان التي تزين جبال فلسطين في الربيع، تعزف اللحن التراثي والمقامة العربية الأصيلة لتعيد للمدينة هويتها ووجهها العربي الأصيل علي الرغم من الضغط التي تمارسه قوات الاحتلال أمام أي محاولة نهضوية ثقافية في المدينة شأنها شأن بقية مدن فلسطين المحتلة عام 1948م، تجوب الفرقة الأراضي الفلسطينية تعزف اللحن الفلسطيني الأصيل، التقيتُ برئيس الفرقة الأستاذ حاتم عرابي في مدينة الناصرة وأجريت معه الحوار التالي: ما هي هوية فرقة شقائق النعمان، ومن أين أتت فكرة تأسيسها؟ شقائق النعمان: هي زهر بري تزدان به تلال الجليل كلما هلَّ آذار، وهي في ألوانها زينة فعلاً، فحمرتها تقارب طهر دماء الشهداء، وحلاوة احمرار أخاديد الطفولة في ربيعها، وكان لتعداد ألوانها تقارب من غناء تراثنا بالألوان والصور والألحان فكان أسمها تعبيراً عنها وعنا المؤسسين والأعضاء. كنت بكل تواضعي وراء فكرة بناء الفرقة، وكانت الأحلام تسمو فوق الطموح انطلاقاً من قوة الايمان بصدقها ونبل رسالتها، فرحت انسجم عملاً وأملاََ ببنائها، واستطعت بفضل رجل كريم بعيد الرؤيا ساعده منصبه كرئيس المجلس المحلي اكسال السيد محمد شلبي فعرضت عليه الفكرة، فشجعها ورحب بها ودعمها من خلال تخصيص ميزانية تصرف في سبيل انشاء الفرقة، واحتضن الأعضاء بكاملهم في قلبه، وكان ما خصصه من ميزانية بالكاد تكفينا وعلي كل الأحوال لم يكن طموحنا المال بقدر ما كان الهدف بناء الفرقة، وكان في هذا شريكي صاحب فضل عظيم في هذه الناحية، فلم يكن يزعجه لو دفع القليل الذي كان يصرف له كراتب في سبيل تأمين احتياجات الفرقة حيثما تعذر ذلك، وكثيراً ما تقدم يعرض راتبه في سبيل دفع الفرقة للأمام، فهو الذي يقاسمني التعب الجهد الحلم والأمل ولم يزل، فكل لحظة نجاح للفرقه له نصفها، وكلما حاولت تحمل الفشل لوحدي سارع قبلي يحمله، انه الصديق خضر شاما.
كان عام ميلاد الفكرة وبدء العمل علي انشائها سنة 1996، حيث جمعت الصدف بيني وبين خضر شاما، وكان تسارع العمل في البناء أشبه بثورة تحمس لها كل من شارك بها، فتم في السنة الأولي بناء فرقة دبكة شعبية، وفريق للمسرح، وفرقة موسيقية معاً، وتم عرض أول عمل في السنة التالية مباشرة، وتضافرت جهود كثيرة متنوعة ساعدت في انجاح أول انتاج لشقائق النعمان باسم: حوش أبو علي، وتم عرضها علي عدة مسارح محلية. أما عن كيفية تشكل الفكرة فهذه حكاية تعود في خصوصيتها لطفولتي التي عشت، حيث خيم عليها السؤال حول حقيقة هويتي الثقافية وما يميزها عن الآخرين، حيث تنازعتها المناهج الدراسية أيام الدراسة من جهة، والموروث الثقافي الذي اكتسبته من جدي وأمي من جهة أخري، حيث كانا علي طرفي نقيض، فالمناهج الدراسية التي تلقاها هنا في المدرسة تمجد الاحتلال لفلسطين وتصفه تحريراً لها، بينما الموروث الثقافي معروف للجميع، وطالما راقني ذلك الصوت الحنون لأمي وهي تحاول أن تنوم أحد اخوتي الصغار وكأنها تزرع بذور ذلك الموروث عميقا في نفسي، وكان الطبع غالبا للتطبع كعادته في كل الأحوال، فارتددت لهويتي التي أعتز وافخر بها، ونميتها بالدراسة والمطالعة الي أبعد ما استطعت، ولما كانت الأغنية تستهويني كان طبيعياً أن أكتبها وأن أبحث عمن يلحنها ويغنيها. علي هذا التقينا أنا و خضر شاما، وأنجزنا بناء الفرقة الموسيقية والمسرحية وفرقة الدبكة الشعبية، ولما ضاقت بنا الميزانية التي خصصها المجلس المحلي صرنا نختصر من أجل نصرة الأغنية، وبقيت الفرقة الموسيقية وعدد لا بأس به من الأغاني التي تم لنا انتاجها تحمل ألواناً عديدة من جوانب حياتنا كأفراد في مجتمع، نعبر عن هموم هذا المجتمع وهمومنا فيه، أما وقد ازدادت الأوضاع الاقتصادية سوءاً في المجلس المحلي وما عاد بمقدوره دفع تلك الرواتب الرمزية، فقد حكم علي الفرقة بالتوقف عن نشاطاتها بعدما استطعنا انتاج أكثر من عشرين أغنية متنوعة المجالات والرسالات والصور، ولم نزل حتي اليوم نعاني من هذه الأوضاع. ما هي ابرز المعوقات التي تواجهها الفرقة في رحلة حفاظها علي التراث، وكيف يمكن أن تصور المعاناة التي تواجهها الفرقة من حيث مكانها الحالي؟ المعوقات التي واجهتنا وتواجهنا كثيرة منها: 1 ـ انعدام الميزانية بسبب انعدام الايمان بالرسالة ذاتها، بما تفرضه ضروريات الحياة اليومية، فببساطة توجهنا لجهات لجمع تبرعات من أجل دعم الفرقة فوجدنا أنفسنا نطلب ما هو ليس ضرورياً لجدول الأفضليات عند المتبرعين، فطبيعي أن يتبرع الفرد في سبيل دعم الانتفاضة بدلاً من التبرع لانتاج أغنية، الأمر الذي يدعونا للخجل في طلب الدعم من أي جهة رسمية أو غير رسمية.2 ـ الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تواجه المجالس المحلية هنا في فلسطين، حيث بالكاد تستطيع دفع رواتب موظفيها.3 ـ قلة السبل للوصول الي جهات تهتم بالموضوع عربياً وعالمياً خصوصاً وأن أعمالنا التي أنتجناها لم نستطع توثيقها بمستوي يليق لعرضه عالمياً من حيث جودة التسجيلات، خصوصاً وأنها كانت تُسجل مباشرة من الحفلات التي أقمناها هنا وهناك.4 ـ استحالة الوصول الي وسائل الاعلام، لأننا علي الصعيد المحلي نقدم فناً فلسطينياً ملتزماً، ولأسباب سياسية نُمنع من الظهور في وسائل الاعلام المحلية، وعلي صعيد العالم العربي نحن نقدم فناً غير مطلوب في السوق التجارية، فنحن نقدم الأغنية التراثية والأغنية الملتزمة ولم نفكر لحظة بانتاج الأغنية التجارية الاستهلاكية فهدفنا في النهاية حمل رسالة واثبات هوية. كيف تواجه الفرقة مسألة غياب الدعم، وماذا حلّ بها بعد غياب الدعم؟ بعد غياب الدعم تفككـــت الفرقة، وبقينا خضر وأنا نحمل فكرتها في قلوبنا، فخضر يدّرس الموسيقي العربية في المعهد العالي للفنون في الناصرة، ويدّرس لطلابه مقطــــوعات من موسيقانا التي انتجناها، وأنا لا زلت أبحث عمن يقدم الدعم المادي لاعادة احياء الفـــــرقة من جديد، ولا زلنا نلتقي دورياً ننـــــاقش بعض أمور الفرقة حتي بعد تفككها، أو نلحن أغنية جديدة، أملاً منا بميــلاد جديد للفرقة، أما خضر فقد استطاع طوال السنتين الماضيتين من تدريب عدد لا بأس به من العازفين الجدد الذين يستطيعون في ظرف أقل من شهر علي الظهور علي المسرح في باقة من شقائق النعمان تحمل جديدنا وقديمنا بألوانه وجمالياته التي نعشقها ولكننا بغياب الدعم المطلوب لا نستطيع أن نتوجه لعازفين بشكل جدي من أجل ممارسة نشاط الفرقة بغياب دعوة لعرض علي الأقل. ما هي أهم منجزات الفرقة الحالية؟ علي الصعيد العام للفرقة وعلي الصعيد الفردي؟ تتلخص انجازات الفرقة في انتاج ما يزيد علي الخمس والعشرين أغنية تتفرد بموضوعاتها عن سواها، فالمغنون من الشباب الهواة والصبايا، حتي أننا نعتز بأننا أشركنا طفلة لم تتعدي التسع سنوات من عمرها في أغنيتين خاصتين بها، واستطعنا أن نقدم أكثر من مغنٍ ومغنية في عدد لا بأس به من الألوان الغنائية والصور الشعرية بقوالب راقية موسيقيا وأدبياً، أما علي الصعيد الفردي فقد طورت موهبتي الكتابية وكتبت جديداً ما كنت لأصله في السابق، واستطاع خضر شاما من اكتشاف 73 مقاما موسيقيا لم تكتشف بعد وهي كنزنا الثمين، حقاً كما انه مَنهَجَ طرقا لتدريس الارتجال علي المقامات الموسيقية الشرقية لعازفين غير شرقيين، وهذه سابقة موسيقية لم يسبقه اليها أحد. ما هي طبيعة الكلمات والألحان والمقامات التي تستخدمها الفرقة في تلحين أغانيها؟ تميزت كل أغنية بخصوصية عن سواها في كون الكلمة فيها أعطت للحن روحاً مختلفة وغذته بروحها، فانطلقت الألحان تردد النغمات من وحيها، وهكذا جعلت كل أغنية تحكي عالماً مختلفـا عن الأخري بكلامها ولحنها وتوزيع الموسيقي، فيها كله بني علي وعيٍ ودراسةٍ مستفيضةٍ في عالمِ المقاماتِ العربية فقط، فتجد روح التراث مثلاً في أغنية الغربال وروح خيال الشرق في أنا ما خنت وعبق الطفولة الدافق في عصفور وزخم الحصاد في الحصادين ولكل مقال مقام. فرقة صابرين الفلسطينية، استطاعت أن تشق طريقها الي العالمية، كيف لفرقتكم أن تشق طريقها علي هذا النحو؟ پلاقت صابرين الدعم المناسب في الوقت الذي احتاجته، علاوة علي كونها فرقة مرنة نسبياً في كون أعضائها هم أنفـــــسهم الفريق الموسيقي علي المســرح، فهم العازفون، ومنهم المغنون، وهم الكتّاب والملحنون وأصحاب الفكرة، بخلاف فرقتنا، فنحن كاتب وملحن فقط، ونحتاج الكثير من المهارات كعازفين ومغنين ومسوقين، فكان أكثر سهولة علي صابرين الظهور علي المسرح علي الأقل مقارنة بنا، فهم فريق متكامل من حيث صاحب الفكرة والانتاج، أما نحن فالأمر مختلف، فمسألة الحفاظ علي نشاط الفرقة كفرقة نحتاج لميزانيات تمكننا من ذلك، أما بالنسبة للظهور علي المسرح نحتاج في الوقت الراهن الي دعوة من جهة ما، فكما سبق وأسلفت: قام خضر بتدريب كادر من العازفين علي أعمال الفرقة بحيث نكون جاهزين فيما لو طُلِبَ منا ذلك. 2