من واجب اسرائيل تقديم المساعدة للبنان.. وبدء المفاوضات مع سورية
مقتل وزير الصناعة اللبناني، بيار الجميل، يضع معادلة القوي الهشة اللبنانية من جديد أمام امتحان صعب، ذلك لأننا نتحدث من جديد عن جريمة قتل سياسي ـ ومثلها كان الكثير منذ وجود الدولة اللبنانية، إلا أن التخوف هو من احتمالية أن تكون كل عملية قتل اضافية ستُقرب لبنان أكثر فأكثر الي تجدد الحرب الأهلية التي ستخرج عن نطاق السيطرة.
لقد وقعت جريمة القتل في الوقت الذي كانت فيه حكومة فؤاد السنيورة في وضع كانت ستفقد فيه سيطرتها علي الاحتفاظ بصلاحياتها، وبذلك تنجم عنه أجواء فراغ سياسي ـ مثل الذي يوجد حاليا في مناطق السلطة الفلسطينية وفي العراق. إن المثلثين المغلقين، المذكورين، يُظهران بوضوح وبجدية انه في حالة وجود فراغ سياسي ليس موجودا علي الصورة الحقيقية، بل ان جهات وقوي متطرفة وارهابية هي التي تحاول بوجوده القفز الي مكان السلطة المنهارة.
ان لبنان ليس دولة كهذه حتي الآن، فهو لديه مؤسسات سلطة حاكمة وقوي سياسية تمتلك قوة كبيرة، التي تُعرف بفهمها ووعيها للقيم الديمقراطية، وتريد الاستمرار بالتمسك بها حتي تتمكن من إحداث التغيير. بل ربما تكون هي نموذجا فريدا من نوعه في الشرق الاوسط، فالدولة تعطي وبمبادرتها حقوقا متساوية لجميع أبناء الطوائف والأديان، وبذلك فهي تستطيع أن تكون نموذجا جيدا للمحاكاة.
كذلك، فان ردود فعل الجمهور المدني الواسع وفي الشارع حول مقتل الجميل، والتي تحاول بكل قوتها منع حدوث ردود فعل عنيفة، لا تدل علي مدي الخوف من التردي الي الحرب الأهلية فقط، بل الي التطلع الي منعها ومنع حدوثها بكل ثمن. لذلك، يمكن الاعتقاد انه علي الرغم من عملية القتل الأخيرة، وبعد مرور 15 عاما منذ انتهاء الحرب الأهلية، قد تم بناء وإرساء مؤسسات السلطة القوية فيها، وأن الاستعداد للمزيد من الخطوات الديمقراطية والاستعداد للتعاون القوي بين الطوائف والحركات السياسية.
ان الدليل علي ذلك هو ان جميع القوي السياسية اللبنانية ليست مستعدة لتقبل المزيد من اعمال القتل كطريقة واسلوب مشروع لتحقيق المكاسب السياسية، ولكن لبنان، كما يبدو، لا يستطيع الوقوف وحده صامدا في هذا الاتجاه، وأنه بحاجة الي المزيد من الدعم الدولي الفعال. وقد أوضح رئيس الوزراء السنيورة يوم أمس الاول نوعية المساعدة الدولية المطلوبة: تشكيل محكمة قضائية دولية يمكنها الاسراع في محاكمة قتلة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وامكانية التحقيق في مقتل آخرين. السنيورة يعتقد أن التردد في تشكيل هذه المحكمة الدولية هو الذي شجع علي مقتل الجميل، واعتقادهم بأن كل شيء ممكن.
أما الجماعة الدولية التي أصبحت توظف الكثير من القوي والجهود لكي تحاول إشاعة الطمأنة ونشر الهدوء في لبنان في أعقاب الحرب اللبنانية، لا يمكنها البقاء صامتة وهادئة أمام مثل هذا الطلب. كذلك فانه لا يمكن لاسرائيل إظهار عدم الاهتمام وعدم القلق، إزاء ما يحدث في لبنان وإزاء هذه التطورات فيه: بالأساس ليس لانها لا تستطيع إحداث تغييرات سياسية في دولة مجاورة، ومن ثم اعادة تأجيج بؤرة حرب مرة اخري معها. بل من الأفضل اقامة جدار فاصل وعال ومغلق ما بين الاهتمام المقلق بما يجري في لبنان وبين التدخل في شؤونه الداخلية. هذه لحظة حاسمة، حيث أن من واجب اسرائيل تقديم المساعدة للبنان لكي تهدئ من أعصابه وتوتره. وهذه تتمثل في وقف الطلعات الجوية الدورية في الأجواء اللبنانية، وكذلك الاعلان عن استعدادها للتباحث في موضوع الانسحاب من مزارع شبعا، بل ربما ايضا الاعلان عن الاستعداد للتباحث حتي مع الرئيس بشار الأسد حول المسيرة السياسية والتسوية التي يمكن ان تشكل دعما وإسهاما في تقليل وخفض احتمالية اندلاع المزيد من التطورات السلبية في لبنان.
أسرة التحرير(هآرتس) 23/11/2006