تدافع هذه الورقة عن الأطروحة التالية: في صالح تطور الديمقراطية بالمغرب وجود النهج الديموقراطي والعدل والإحسان دون أن يشاركا في الانتخابات. إليكم الأسباب: 1 ـ من أجل موقف وفكرة، يقف المتطرفون في وجه العاصفة دون حساب الربح والخسارة، لذا تنتفي فيهم الانتهازية عادة فيصعب ابتزازهم أو شراؤهم. 2 ـ يملك المتطرفون هامش المزايدة والمناورة والسير علي الحافة وحتي القدرة علي دفع الوضع إلي مرحلة كسر الأواني. )العنف، العصيان، الإضراب، الإضراب عن الطعام، التهديد بحرق الأجسام، الصلاة في الشواطئ..).3 ـ يشترطون علي المخزن إدخال الجمل في سم الخياط ليتفاهموا معه أو يقبلوا به علي الأقل… مما يضطره للبحث عن محاورين غيرهم. 4 ـ وبهذا الشكل فإن دور المتطرفين في المشهد هو دفع الأطراف الأساسية ـ المشرعنة أو الشرعية (حسب موقع القارئ) ـ للتفاهم بغرض قطع الطريق علي هؤلاء المتطرفين أنفسهم. ويتأسس هذا التفاهم، الذي يقوده المخزن، علي توازن حذق بين المشرعنين والمتطرفين، وقد تم ذلك علي مرحلتين بعد الاستقلال، تمثلت المرحلة الأولي في التلويح بالديمقراطة لحزب الإتحاد الاشتراكي ومن يدور في فلكه، وفي نفس الوقت إنزال قمع ماحق باليسار الجذري. وتتمثل المرحلة الحالية في شرعنة الإسلاميين المعتدلين (العدالة والتنمية) واحتوائهم في مقابل محاربة الإسلاميين المتشددين (العدل والإحسان والسلفية الجهادية)، وهو ما يشجع الأوائل علي تلطيف خطابهم تجنبا لكل المخاطر. لقد تعود المعتدلون المشرعنون أن يأكلوا الثوم بفم المتطرفين!! النقطة الجوهرية في كل هذه السياسة التي يتبعها المخزن هي منع تحالف ـ بل حتي تقارب ـ المشرعنين والمتطرفين بأي ثمن، لذا لن يستطيع أحد تخمين تبعات تحالف حزب العدالة والتنمية المشرعن وجماعة العدل والإحسان المتطرفة في انتخابات 2007. ويتم منع هذا التحالف عن طريق التلويح بالعصا للمتطرفين والجزرة للمشرعنين، وتتمثل هذه الجزرة في مواقع في السلطة وتمويل ملتو وتحقيق مطالب شعبية شاحبة… هكذا يتضح أن وجود المتطرفين ـ يساريين وإسلاميين ـ يدفع المخزن للتفاهم مع المعتدلين بشروط لا بأس بها، أما إن ضعف المتطرفون فإن المخزن يستفرد بالأحزاب الشرعية ويملي عليها خياراته، من هذا المنطلق، فمن واجب الأحزاب المشرعنة ـ التي أضعف الوسط الرخو الذي تشكلت فيه عزيمتها وقواعدها ـ أن تدافع عن نصف وجود للمتطرفين لتحسين شروط التفاوض لديها خاصة وأن حسن الموقف التفاوضي ـ لدي الأحزاب ـ رهين بتعدد الخيارات )خيار التعاون مع المخزن أو خيار التقارب مع المتطرفين(. في مثل هذا الظرف، أي عندما تظهر للمخزن احتمالات تحالف خصومه وما يترتب عن ذلك من مخاطر، فإن المؤسسة المخزنية تعمد إلي تهدئة الخصم عبر عرض التعاون معه، وهو ما أفرز التناوب التوافقي. مع الأسف فإن شروط هذا التعاون لم تكن عادلة، لأن الكتلة لم تأخذ بعين الاعتبار صوت الغاضبين علي يسارها. بعد 2002، لم يتغير شكل التناوب في المغرب، لم يغد تناوبا تعاقديا، لم يعد تناوبا حتي، أولا بســـبب المسألة الدستورية، ثانيا لأن دار المخزن تفضل الطبخة، والتعبير لعبد الهادي بوطالب، ابن الدار.
رغم كل النواقص فإن التعاون/التناوب قد مكن أولا من تغيير الأجواء السياسية، ثانيا من تحسين صورة المغرب في الخارج، ثالثا من ظهــور المزيد من الفرز في الحقل السياسي. فقبل التناوب، كان اليسار الجذري وقود حروب الإتحاد الاشتراكي، كانوا ينشطون نقابته وأنشطته، بعد التناوب اضطر هذا اليسار ليستقل بموقفه و يلطفه وهو يدرك عمق التحولات الجارية في ميزان القوي، وهذا جزء من المراجعة التي تفرضها لحظة الخيبة.
محمد بنعزيزالمغرب6