قراصنة الكاريبي وذئاب المتوسط
صبحي حديديقراصنة الكاريبي وذئاب المتوسطفي مقابل، وعلي نقيض، مفهوم محور الشر الذي اجترحه الرئيس الأمريكي جورج بوش مطلع العام 2002، والمؤلف من كوريا الشمالية وإيران والعراق آنذاك، يقترح الكاتب الباكستاني ـ البريطاني طارق علي محور الأمل ، الذي يراه قائماً أيضاً علي ثلاث ركائز: كوبا وفنزويلا وبوليفيا، تحت زعامات فيديل كاسترو وهوغو شافيز وإيفو موراليس علي التوالي. هذا هو موضوع كتابه الجديد (يصدر في لندن هذه الايام عن دار Versoفي 224 صفحة) الذي يحمل العنوان الاستفزازي التالي: قراصنة الكاريبي: محور الأمل ، في محاكاة ذات مغزي للفيلم الأمريكي الرائج هذه الأيام، والمعروف باسم قراصنة الكاريبي . ولكي يذهب علي خطوة أبعد في النقض، الساخر هذه المرة، لعله هو الذي أوصي الناشر أن يكون تصميم الكتاب بمثابة تقليد معلَن لملصق الفيلم إياه: العنوان مطبوع علي لفافة ورق قديم، ووجوه القراصنة الثلاثة (كاسترو، شافيز، موراليس) ظاهرة في الجزء الأعلي، تماماً كما هي حال جوني ديب وأورلاندو بلوم وكيرا نايتلي في ملصق الفيلم!لماذا القراصنة، قد يتساءل المرء؟ لأنهم ببساطة أبطال أزمنة خلت الآن وحلت محلها أزمنة بديلة أو مضادة لأخلاقيات البطولة تلك، ولأن القراصنة كانوا ثوار تلك الأيام ضد المراكز الإمبراطورية الكبري والقوي العظمي، ولأنهم كانوا يستردون من القوي الغني بعض الثروات التي ينهبها دون وجه حق أو يحتكرها ويتنعم بها علي حساب الفقراء. هم كذلك أسطورة تشحذ المخيلة المعاصرة في كل ما يتصل بحس المغامرة في إطار عام، وفي حس المقاومة ضد الطغيان السياسي والجبروت العسكري بصفة خاصة. باختصار، القراصنة كما يصفهم علي: بحارة أبطال، وأسواط تلسع الطغاة وأهل الجشع، وحماة الحرية الشجعان … لكن الكتاب، إلي طرافته هذه التي تخص الشكل، يناقش علي نحو بالغ الجدية مختلف الأسباب السياسية والإيديولوجية والثقافية التي وقفت وتقف وراء صعود هذا اليسار الجديد في أمريكا اللاتينية، وآفاق انتشار أو انحسار الظاهرة وما إذا كانت تياراً جارفاً أم محض موجة عابرة، وعواقبها المحلية والقارية والكونية في ما يخص سلسلة اعتبارات جوهرية ذات طابع كوني: سياسات الولايات المتحدة، والغرب إجمالاً، تجاه الجنوب وما كان يُعرف باسم العالم الثالث ؛ وصعود، أو بالأحري إعادة إنتاج، الإمبراطوريات الإستعمارية، وإحياء أخلاقيات الانتداب والوصاية؛ والخلفيات الإقتصادية ـ السياسية لما يحلو للغرب أن يطلق عليه تسمية صدام الحضارات … والحال أن هذا الكتاب الجديد يستأنف القضايا التي درج طارق علي علي مناقشتها في العقد الأخير، وبينها كتابه صدام الأصوليات: الحملات الصليبية، الجهاديون، الحداثة ، وكتابه الآخر بوش في بابل: إعادة استعمار العراق ، وكذلك عمله الشهير سنوات قتال الشوارع: سيرة ذاتية للستينيات الذي يظل الاستعادة النوستالجية الأشمل لشخصية المؤلف بوصفه يسارياً تروتسكياً راديكالياً. وهذا المآل بالذات يبدو مدهشاً بعض الشيء، وإنْ كان يندرج دون عناء في ما تسميه الأدبيات اليسارية خيانة الطبقة ، بالنظر إلي أن علي ترعرع وسط مظاهر الرفاه والبذخ التي كانت تطبع بيت الأسرة الفخم الضخم في لاهور، الأمر الذي لم يمنع الأب من أن يكون رئيس تحرير الصحيفة الاشتراكية Pakistan Times، أو الأم من أن تبكي بحرقة ساعة بلغها نبأ وفاة جوزيف ستالين.كان طارق وقتها في العاشرة، يكبر مع الأفكار الإشتراكية التي تمتزج بين حين وآخر بمسحة ليبرالية غربية يحملها صديق الأسرة، ذو الفقار علي بوتو. بعد أربع سنوات سوف يقود مظاهرة طلابية سارت في لاهور احتجاجاً علي الحكم بالإعدام علي رجل أمريكي أسود اتُهم بسرقة دولار واحد، والأرجح أن هذه هي المظاهرة التي ستقوده إلي سلسلة متعاقبة من المظاهرات في الباكستان، ثم لاحقاً في لندن وأوكسفورد حيث ترأس اتحاد الطلاب، فيشكل رويداً رويداً ما أسمته بريطانيا ظاهرة طارق علي . تروتسكي مشاغب، تختلط في رطانته الماركسية طوباوية آسيوية ـ إسلامية، وعبث طليعي مميز في النبرة والصوت، أفقد حزب العمال البريطاني جناحاً يسارياً عريضاً ضم خيرة الكوادر الشبابية المثقفة.الرجل تغير بالطبع هذه الأيام، وسبحان مَن لا يتغير! إنه رئيس تحرير New Left Review، الدورية اليسارية الأبرز والأكثر رصانة، ولكن طارق الأحمر صار طارق علي فقط، بالمحيا الأرستقراطي اللطيف، بهدوء الناظر إلي التاريخ من علو عين النسر، اليساري الرزين المتحلل من عنفوان الصبا والكثير من أمراض اليسار الطفــــولي، المثقل بانكسارات الحاضر، ولكن المفعم بالأمل في أن الأيام حـــبلي بانتصارات الشعوب هنا وهناك، وحيثما هيمنت الامبراطورية الأمريكية أو غزت بلداً أو وأدت ثورة أو اغتالت مناضلاً. ولعل التاريخ أنصف آماله، التي اتخذ بعضها صفة النبوءات في الواقع، هو الذي راهن في ذروة الحقبة الريغانية ـ الثاتشرية علي أن اليسار قادم في معظم الديمقراطيات الغربية، وفي أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا أيضاً. وفي ما يخص يسار العالم العربي، وطبعته البرجوازية الصغيرة تحـــديداً، غني عــــن القول إن أحلام الرجل انكسرت علي نحو دراماتيكي، ولكن الخيبة لم تمنعه من أن يظل مدافعاً ثابتاً عن القضايا العربية والحق الفلسطيني خصوصاً.وهكذا، مَن يلومه إذا عقد الأمل علي قراصنة البحر الكاريبي الثلاثة، وليس علي أي من قراصنة البحر الأبيض المتوسط؟ ثم مَن يدري… لعله لا يحتسبهم البتة في مقام القراصنة الشرفاء، بل في الخانة الوحيدة اللائقة بهم: ذئاب الاستبداد، وقطط النهب السمان!0