المسلمون في الغرب من الغربة الي الاغتراب!
محمد الحبيب الشايبيالمسلمون في الغرب من الغربة الي الاغتراب! ان الجاليات المسلمة المتواجدة بالغرب، وان اختلفت اصولها، فهي تكاد تتحد في علة الاقامة، وهي طلب الملاذ الآمن، واللجوء بشكل عام. وان اختلفت اسباب اختيارهم للغرب.فمنهم من اختار منفاه ومنهم من فر بحياته بحثا عن الأمن وبعيدا عن غطرسة الانظمة العربية الفاسدة، ومنهم من لاذ بالفرار من سجونها وجلاديها، ومنهم من أتي بحثا عن اللقمة التي عسرت علي فيه في وطنه، ومنهم من اجبره الاستعمار الاجنبي المقيت، سواء كان مباشرا كالاستعمار الصهيوني لأراضينا الفلسطينية والسورية واللبنانية، او غير مباشر عن طريق السفارات التي تدير قطب رحي السياسات العربية المتخاذلة دونما تمييز الا ما رحم ربي.ومن هؤلاء من أتي لدنيا يصيبها، فلما ضاقت عليه الارض بما رحبت، لم يجد له ملاذا، ولا مناص من العودة والتشبث بالجذور، لان ظاهرة الاستقامة في الغرب لمن لم تعرف له استقامة في وطنه، تكاد تكون هي القاعدة وما شذ عنها الا قليل.لا يستطيع المسلم في الغرب ان ينكر ان للغرب افضال! ولو قيد انملة، والفضل يعود الي المناخ المتاح، والذي يكاد يكون منعدما في سائر الدول العربية والاسلامية، هذا المناخ الديمقراطي الذي يعيشه الغرب يوجز بكل بساطته في معاني نعلمها جميعا وترددها كل الافواه، ولكن يصعب امتلاكها والتفقه فيها والعمل بها، الا إن سُخر الجو الملائم لها واساسها: هو الوعي وكنهها: هو العدل والعدل في ارضينا قد فاقت شكواه ما وصفه شوقي في احدي قصائده، شكواه الي الجن واستضحاكه للموتي، لتسع شكواه السماوات والاراضين.وقد اسس ابن خلدون العمران علي اساس العدل، ويعد العدل كنتيجة وليس وسيلة فقط، لانه يترجم مسارا انسانيا يحذو حذو ايتاء كل ذي حق، حقه دونما حيف وزيف او اكراه او تغرير او اسراف او محاباة، ولذلك كان رمز العدل عند الغرب إمرأة معصبة العينين لا تقيم وزنا للامير ولا تبخس اشياء المساكين.اما عندنا فالعدل ميت قبل ان يولد، ولا يحق لنا الحديث عنه، لان ذلك يعد ضربا من السفسطة، ولا يجوز الحديث عن شيء حكمه: معدوم.ولست ههنا متيما بالغرب حتي اصف الا محاسنه، ولكن محاسنه قد غلبت مساوءه، ويعتبر لنا مدرسة في هذا المجال وحري بنا ان ننهل منها المنافع ونترك الخبيث. مع مراعاة خصوصياتنا التي يجب الانطلاق منها.هذا العدل الذي اصبح تقليدا وميزة اساسية في ديار الغرب، علي الاقل تجاه الغربيين انفسهم وتجاه غيرهم حتي مدي غير بعيد، نتج عنه كل المعاني التي نفتقدها في اوطاننا ومنها الامن، والتعليم كحق مقدس والمسكن اللائق والحق في التداوي المجاني للمعوزين الي غير ذلك من الحقوق المقدسة، وان الاطناب في هذا الجانب العمراني وأساسه في الغرب، فلأنه عندنا مفقود.. مفقود، ويجد المسلم نفسه في الغرب امام هذا المفقود عندنا، في حسرة علي وطنه المهدور وعالمه المشلول حتي علي التلفظ بأداة النفي، لا ، للتعبير عن رفضه.وازاء التغييرات التي طرأت منذ اوائل التسعينات في ما يخص الرأي العام الغربي من منح مجمل اصواته الي الاحزاب اليمينية التي يعلو نجمها يوما بعد يوم، بداية بـ جون ماري لوبين من ذي قبل بفرنسا و هايدر بالنمسا ومرورا بـ بلوخير بسويسرا الذي استطاع في السنوات الاخيرة ان يمرر ترسانة قانونية تحد من توافد المهاجرين ودعوتهم احيانا الي الرحيل بشتي الطرق، الي ان وصل الامر الي تمرير القانون الاخير بتاريخ 24 ايلول (سبتمبر) 2006، والذي يحد من عدد طالبي اللجوء الجدد وهذا ما يتعارض مع المواثيق الدولية المبرمة من طرف سويسرا ذاتها ويتضارب ايضا مع المعاهدة الدولية الخاصة باللاجئين المبرمة بين سويسرا في 1951 والأمم المتحدة، ووقوفا عند ساركوزي بفرنسا.. وصولا الي مرافئ بلير الذي تعامل مع المسملين في بريطانيا بكل قساوة.الا ان المنعرج التاريخي الذي لا يتنازع فيه اثنان كان وبدون منازع احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، التي اعدت للاطاحة بكل الامتيازات التي يتمتع بها المهاجرون وعلي وجه التخصيص: المسلمون، وخاصة الخاصة هم من العنصر العربي الذين اضحوا يشكلون اشكالا في الغرب ولا يعد هذا الوصف اطنابا.فجاءت الذريعة الكبري للتصدي لهؤلاء في الغرب، ألا وهي: القضاء علي الارهاب ، فأصبح الارهاب كما يراه الغرب: كل ما يمت بصلة الي الاسلام او يكاد يكون المرادف الأوحد للاسلام وهذه عين الحقيقة.وان سجلت الكلمة حضورها اكثر استعمالا بامريكا وبريطانيا، فان الدول الغربية الاخري لم تبخل بأي جهد في فرض الحصار علي المسلمين في الغرب علي مستوي كل الاصعدة وخاصة علي صعيد مطالب التشغيل، فأصبح العنصر المسلم والعربي خاصة غير مرغوب فيه مهما كان نوع العمل، حتي البدني منه، رغم ان الاعمال التي تستهدف الابرياء في الغرب مدانة بشدة عند اغلب اوساط الرأي العربي والاسلامي، فان الغرب يعتبرنا كلنا يابس او مجملنا، ليس فينا من اخضر، فهيأ ويهيئ للقضاء علي القحط الذي اصابه.الاحزاب اليمينية علا نجمها وأفل نجم التسامح، واستغلت هذه الاسباب للتضييق علي المهاجرين وذوي الاصول المسلمة، وغلقت الأبواب امام طلبة العلم وتراجعت فرص الانتدابات للشغل لهذه الشريحة مع مراعاة تفاوت درجات هذا الاقصاء من طرف الدول الغربية، حتي اصبح يشار الي المسلمين في بعض الاحيان بالبنان جهرة، فلولا كثرة العدد لرحلوا الي معاقلهم التي تحدروا منها. فما يعبر عنه بـ الاندماج ، علي القادمين الجدد، يكاد يكون عسيرا من هذه الجالية التي تدفع الثمن باهظا، حتي اصبح المسلم مستهدفا، يستباح دمه علي الملأ، وتفتيشه في الساحات العامة والتحري عنه لانه مشتبه فيه، حتي لا نقل مدان، ما لم يثبت العكس!كما يشكو بعض المتواجدين في الغرب، البعد عن بعضهم البعض، وعدم توفر مؤسسات قادرة علي استيعابهم والاصغاء اليهم، وهذه الظاهرة تبدو جلية بسويسرا وتتفاوت درجتها في بلدان اخري، حتي تتضاءل في اماكن اخري كما هو الحال في بريطانيا حيث حطت اكثر العقول العربية والاسلامية رحالها.وعدم التنبه الي هذه الهوة التي هي آخذة في التفتق، بين المسلمين انفسهم، فلا سبيل الي هؤلاء الا التعاضد والتآزر واثبات العكس للغرب، علي اننا اصحاب حضارات وورثة علم ومعرفة وابناء علماء ومناطقة واصحاب كلمة في صنع التاريخ الانساني بالايجاب، وهو رهان نحدث به انفسنا ونهيئ له ابناءنا، بالاندماج الايجابي والمشاركة الفعالة حتي نؤسس لبنات مستقبل انور، ونحارب الانطواء علي الذات، فكثرة المشاغل ومشاكل الحياة والبعد عن الوطن وفقدان السند العائلي يورط المسلم في الغرب، فتسقط عندئذ مقولة التوطين، فتكون هجرته هجرتين، هجرة لوطنه وهجرة لأبناء فصيلته، فيحل الاغتراب محل الغربة.هذه بعض الاعباء او اهمها، كان علينا لزاما ان نقف عندها ولا نكتفي فقط باللوم علي هذه الشريحة المتواجدة بالغرب ونصب عليها جام غضبنا، وهذا ليس من قبيل سد الذرائع او التثبيط، بل علي العكس، هي محاولة متواضعة لتحليل ما هو كائن، واستنهاض للهمم، ومزيد الاحاطة بوضعية المسلمين بالغرب.أي نعم، هنالك تقصير من طرف الجالية المسلمة بالغرب ولكن للمناصفة، لا يجب التغافل عن هذه المصاعب الجمة التي يلاقيها المسلمون في الغرب في اوائل القرن الواحد والعشرين، فان كان العلم كما يقال: مسيح القرن العشرين ، فماذا عساهم يطلقون علي القرن الواحد والعشرين؟ہ باحث من تونس يقيم في سويسرا8