منتجب صقر
من يخرج من منطقة الشرق الأوسط ليعيش زمنا في دولة غربية مثل فرنسا أو بريطانيا يطلع علي ثقافة جديدة تذهله وتخطف قلبه لقدرتها علي الجمع بين ثقافات متعددة دون أن تطغي علي المعطي الحضاري الذي يميزها عن تلك الروافد الثقافية. يمر المواطن العربي بمراحل متعددة في تلك البلدان الغربية مهما كان وضعه الاجتماعي ففي أشهره الأولي يمر بمرحلة الانبهار علي كافة المستويات. يتجلي هذا الأمر بممارسات عدة فيبدأ منذ أيامه الأولي بالاطلاع علي كل ما هو جديد كالأحياء الجميلة والمراكز الثقافية وكل ما لم يره في وطنه الأم.
هذه المرحلة مهمة كونها تنســــج بداية العلاقة بينه وبين المدينة التي يستقر فيها ولو لمدة محدودة من الزمن. بعد هذه المرحلة من الانبهار يمر بما يمكن أن نسميه مرحلة التساؤل وهنا فان هذا العربي يعود لذاته ولـ الأنا التي جاءت معه من بلده فيبدأ بطرح أسئلة كثيرة قد لا يجد لها أجوبة في المستقبل القريب لكن مرحلة التفكير هذه مهمة جدا فهي قد تحدد معالم المرحلة المقبلة التي تلي انبهاره بمدينته الجديدة.
من جملة هذه التساؤلات تظهر المقارنة بين ما يراه من معطيات الحضارة التي استطاع التأقلم معها والواقع الذي أتي منه. كثيرة هي المعطيات الحضارية التي يتفاعل العربي معها بسهولة في بلاد الغربة تصبح جزءا من تفاصيل حياته اليومية المألوفة مثل مترو الأنفاق وبطاقة الضمان الصحي وسهولة انتشار المعلومات سواء من قبل المراكز الحكومية المنتشرة بوفرة في كل حي أو علي الانترنت التي يمكن بفضلها أن يحجز بطاقة القطار الذي سيسير الي مدينة أخري بعد ساعة من الزمن… وكل ما هنالك من وسائل حضارية تسهل حياته وتختصر الزمن وتجعل من يومه حافلا بالأشياء الجديدة التي كان يحلم بها في بلده الأم. المرحلة الثالثة التي تمثل تتويجا لكل ما سبق هي مرحلة التفاعل مع هذه الحضارة الجديدة، فهذه الكلمة تحمل وجوهاً عديدة لا يمكن حصرها بشرح واحد فالتفاعل نسبي يعود الي قدرات الشخص وامكاناته المختلفة التي لا تشبه بالضرورة امكانيات الآخرين. فالتفاعل قد يدفعه للعمل في بلاد الغربة أو الدراسة، بل ان بعض الأشخاص يبرعون بمجالات مختلفة ويتميزون عن نظرائهم الأوروبيين وهناك أمثلة كثيرة لأشخاص أصبحوا رمزا لبلادهم أينما وجدوا. غير أن هذه المرحلة الثالثة قد يكون لها انعكاسات مغايرة أو سلبية عند البعض خصوصا هؤلاء الذين لم يستطيعوا التأقلم مع الغرب ولو بأبسط الأمور كالتمكن من لغة البلد الاجنبي الذي يقطنون فيه.
يكتفي هؤلاء الأشخاص بالالتفاف علي بعضهم البعض ويحصرون تعاملهم مع أبناء جاليتهم وهنا فان الكثير منهم يرون الغرب بنظرة شرقية فالاستقرار فيه لا يشكل لهم نمط حياة جديدة وانما انتقالا من مدينة الي أخري ربما بمعطيات جديدة وأناس آخرين ولغة مختلفة قد لا تؤثر علي سلوكهم أو أسلوب حياتهم. في الجهة المقابلة هناك أشخاص لا يمرون بالمراحل الثلاث السابقة أبدا ويبدو وجودهم في الغرب كأنه انتقال الي فضاء وزمان مختلف عن الزمن والفضاء الأصليين اللذين لا يفارقان مخيلتهم في كل لحظة يغلقون فيها عيونهم ويتراءي لهم سراب البلد الأم.
لا يهدف هذا العرض أبدا الي نقد حياة الأشخاص الذين يعيشون علي الطريقة الغربية أو علي الحياة التي ألفوها في بلدههم، أبدا فكل انسان حر في اختيار أسلوب حياته. انما السؤال الكبير الذي يتبادر للذهن بالنسبة لمن يأمل بتحسن ولو يسير لأحوال أقرانه في بلده الأم والذين يشغلون فكره شاء أم أبي، يكمن هذا السؤال بماهية الحل الذي يمكن أن يتصوره أو يأمل به الانسان العربي الذي يطلع علي حضارة جديدة والغرب ويكون مؤهلا ربما للمساهمة بهذا التحسن لدي العودة الي بلاده.
ليس بالضرورة أن تنحصر ارادة العمل والتغيير نحو الأفضل في الأشخاص الذين يخرجون من بلادهم ويعودون اليها فهناك أمثلة كثيرة لأشخاص أثروا في حياة شعبهم دون أن تطأ أقدامهم بلدانا أخري. هذا التساؤل يمكن أن يشمل المغترب والمقيم في بلده علي حد سواء. هناك في منطقة متنازع عليها كبلادنا العربية التي تقع في قلب العالم والتي تزخر بتراثها الحضاري ومواردها الطبيعية يتساءل المرء هل يمكن أن يكون الحل ثقافيا؟ أي هل يمكن للعملية الثقافية أن تخرج مجتمعنا من مشاكله اللامنتهية؟
ربما يتساءل القارئ عن حجم كلمة الثقافة في هذا السياق وما المقصود بهذا الطرح الثقافي وعلاقته بما يهمنا من مشاكل تمس واقعنا اليومي، وعلي ذلك فان التوجه الثقافي يمكن أن يشمل الاهتمام بالعملية الثقافية بكل جوانبها ابتداء بالمدرسة والأسرة والتوعية وكل وسائل نشر المعلومات حتي تصبح هذه الممارسات الثقافية جزءا من يوميات كل مواطن كما هي الحالة في الغرب وليست ترفا تتمتع به طبقة برجوازية دون غيرها أو بعض المهتمين ممن قد لا تسمح لهم ظروفهم المعيشية في أغلب الأحيان بارتياد المعالم الثقافية في بلدهم كالمسارح والمعارض والحفلات الموسيقية وغير ذلك من تظاهرات ثقافية متنوعة.
ربما يتساءل أحدهم علي من تقع مسؤولية نشر الثقافة؟ هل علي المواطن العادي الذي تغرقه همومه اليومية في جملة من التفاصيل الخارجة عن ارادته فتحوله الي مراقب خارجي غير قادر علي اللحاق بركب الثقافة بوجوهها المتعددة أم علي الحكومة التي تملك كل المقومات المادية والادارية والاعلامية التي يمكن أن تنزل بالثقافة الي الشارع والمنزل؟ كانت تلك الأسئلة محور نقاشات عديدة أجريتها مع بعض الأصدقاء العرب الذين يتابعون دراساتهم العليا في فرنسا وكانت الردود متباينة فهناك من اقترح حلولا تقنية ودينية لمجتمعنا وهناك من رأي أن الوضع الاقتصادي أهم من أي شيء آخر، بعضهم قال انه لا يوجد حل سريع حتي ولو كان ثقافيا فالحلول التي تخص تطور المجتمعات تأخذ وقتا طويلا… هنالك من رأي أنه لا يوجد أي حل لتحسن المجتمع لا ثقافي ولا اقتصادي ولا… حتي أنه قال لي: مشكلتك أنك متفائل كثيرا ومشكلتي هو أن تشاؤمي غير كاف… . وما زلت أطرح هذا السؤال علي كل من أصادفه في طريقي: هل الحل ثقافي أم ماذا… ؟ كاتب من سورية يقيم في فرنسا