حضور متكرر للوجه من مرجعيات الحضارات العراقية القديمة

حجم الخط
0

ندوة نقدية ومعرض استعادي في ذكري اسماعيل الترك في عمان:

عمان ـ “القدس العربي” ـ من اياد كنعان: ولد الفنان العراقي اسماعيل فتاح الترك في البصرة عام 1934، درس الرسم في معهد الفنون الجميلة في بغداد، قبل انتقاله الي ايطاليا ودراسته لفن النحت، الذي شكل جانبا اساسيا من مجمل اعماله الفنية، تتلمذ علي يد العمالقة من الفنانين العراقيين امثال جواد سليم، فائق حسن، وحافظ الدروبي، وشكل مع آخرين جيل المخضرمين في الفن العراقي.

اسماعيل فتاح صاحب (نصب الشهيد) في بغداد، الذي اعتبره المعماري د. احسان فتحي واحدا من اهم النصب التذكارية في العالم، والذي قال فيه الفنان الانكليزي آرميتاج: (لم اتنفس الصعداء كما تنفسته وانا اشاهد نصب الشهيد)، في حين اعتبره اسماعيل فتاح نفسه، ذروة نتاجه الفني، وبداية تحرره الابداعي، والمنعطف الاخطر في مسيرته الفنية.

ودعنا اسماعيل فتاح عام 2004، ذلك الفنان الاشكالي في حياته الخاصة، كما هو في اعماله الفنية، هو ابن البصرة، عاشق السماء في طفولته، التي عاشها بين البصرة والناصرية، ثم بغداد التي ابتدأ فيها اولي خطواته في عالم الفن، اظهر تميزا وموهبة مبكرتين، وحظي بعناية فنانين كبار امثال النحات جواد سليم الذي سانده في حصوله علي بعثة دراسية الي ايطاليا، تلك الحادثة التي سيبقي اسماعيل فتاح يتذكرها طوال حياته.

عن حياته ومجمل نتاجه الفني، تحدث في الندوة التي اقيمت علي هامش معرضه الاستعادي بغاليري رؤي في عمان كل من السيد ليث فتاح الترك (شقيق الفنان)، المعماري د.

احسان فتحي (العراق)، الفنان والناقد حسين دعسة (الاردن)، والفنان والناقد محمد العامري (الاردن)، كان ذلك في ندوة نقدية استهلت بكلمة المعماري الكبير د. احسان فتحي، التي خصصها للحديث عن (نصب الشهيد)، ومما جاء فيها: .. ان نصب الشهيد هو عمل فني مبدع يستحق كل التقدير. وحتي من الناحية الرمزية او التاريخية، فإنه لا يمجد شخصاً معيناً وبالتالي فإنه يستحق الحفاظ عليه بل تطويره كي يأخذ مفاهيم جديدة تؤكد علي تضحيات جميع المناضلين العراقيين من جميع الأطياف السياسية، وفي كافة الفترات التاريخية التي مر بها العراق المعاصر. برأيي يجب ان يصبح هذا النصب المؤثر، رمزاً لجميع الذين سقطوا في الحروب، وجميع الذين ناضلوا وعذبوا وماتوا في السجون او المقابر الجماعية. لقد ضحي الشعب العراقي بكافة قومياته وأطيافه، بشكل وقدر لم يسبق له مثيل في التاريخ المعاصر، لذلك يجب ان نحافظ عليه بكل ما أوتينا بشجاعة وقوة.

في حين تناول السيد ليث فتاح الترك، جانبا مهما من حياة اسماعيل فتاح، متحدثا عن طفولته وشبابه المبكر، مستهلا كلمته التي حملت عنوان (اخي اسماعيل) بالقول: ((… ان عمل اسماعيل أثّر في معاصريه وسوف يمتد لأجيال لاحقة، والسر في ذلك هو فن اسماعيل وكما هو فن الفنان الكبير جواد سليم لهما جذور في التاريخ العراقي من فن سومري، بابلي، آشوري، عربي اسلامي. ببساطة هذا هو السر… فهو يأتي بالمحلي ويسحبه في أعماقه السحيقة ويصهره ليكون فناً معاصراً وابن الحاضر.

ومما جاء في كلمته ايضا: .. إن طفولة اسماعيل غنية مفعمة بالحيوية، هي الحيوية التي لم تتوقف حتي اللحظات الأخيرة من حياته وهو يودع هذا العالم. كان ولعه بتربية الطيور لا يضاهي، حتي أنه نافس المحترفين من (المطيرجية) وهو ابن الثالثة عشرة… لا بل إنه كان يسحب طيورهم الي برجه وهي شطارة محترف.

عرف أنسال الطيور وأنواعها وميزاتها، وكانت العائلة تبدي صبرها الشديد علي المشاكل التي تأتي من ذلك، ولا عجب اذن أن يكون آخر عمل له هو تخطيط لحمامه.. . وتابع السيد ليث الترك الحديث عن اسماعيل فتاح، عندما انتقلت عائلة اسماعيل الي الناصرية عام 1950، وانفتاح اسماعيل علي اهتمامات اخري مثل الادب والشعر والسياسة والرياضة ايضا مثل كرة القدم والملاكمة، التي مني بها شر هزيمة علي يد احد ابناء مدينته القديمة البصرة.

اما بدايات مرحلة النضج فتمثلت، كما ذكر السيد ليث، في انتقال العائلة الي بغداد، والتحاق اسماعيل بمعهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1954، وتتلمذه علي يد الاساتذة الاكبار امثال جواد سليم، وفائق حسن وحافظ الدروبي، ثم تابع حديثه عن سفره الي ايطاليا، حيث انه: لم ينسَ ذلك الدّين الذي حمله اياه الفنان الكبير جواد سليم، وكان يُردد طوال حياته مآثر الفنان جواد عليه، ومنها حبه لاسماعيل وترشيحه لزمالة الي ايطاليا، حتي انه أخذ بيده الي وزارة المعارف، وأوصي مدير البعثات به، حيث لم يكن هناك مقعد شاغر سوي مقعد لدراسة السيراميك في ايطاليا، وقد قُبل بها… كان اسماعيل يعتبر هذه الالتفاتة من لدن جواد لا تقدر بثمن.

ثم انتقل ليث للحديث عن فترة الستينات والسبعينات، التي اعتبرها الاغني في حياة اسماعيل فتاح، حيث انه انجز فيها مجموعة من الاعمال النصبية، بالاضافة الي عدد من الاعمال الجدارية الهامة، الموزعة علي بعض المؤسسات في بغداد، ثم اختتم حديثه عن نصب الشهيد الذي انجزه اسماعيل عام 1983، مشيرا الي ان ينابيع تلك الفكرة انطلقت من:

أولاً: تطلعه الي السماء منذ طفولته، والقصص التي كانت ترويها والدته عن انفتاح السماء ليلة القدر.

ثانياً: مشاهدته لكثير من النصب المنجزة في العالم التي تتصدي لهذا الموضوع وغيره.

ثالثاً: تأثير التراث العراقي علي بصره وحسه ورؤيته.

رابعاً: اهتمامه بفكرة الفنان خالد الرحال.

خامساً: اهتمامه بالفكرة وجذورها الفلسفية. واختتم حديثه بالقول: إلي هذا الانسان، الي اسماعيل، شكرنا واعجابنا واحترامنا للهدية التي أهداها للعراق والانسان، الا وهي ابداعه الفني المتوج بنصب الشهيد.

اما الفنان والناقد محمد العامري فقدم ورقة بعنوان (الوجه والمرآة ـ القناع والحقيقة)، متناولا مفردتي الوجه والقناع في اعمال اسماعيل الترك ومما جاء فيها: .. ما الذي اراد قوله فتاح حين كان يقبض علي الريشة، او حين كان يعبث بمخلوقاته الطينية، هل كان يختبر احلامه بمعزل عما يقوله الاخرون في التجربة، ام كان يبحث في آلامه الخاصة مضللا رفاقه بالضحكات العالية.

ان الترك واحد من الذين كانوا يمارسون سلوك اللوحة في كل اللحظات، فلم تكن لوحته الا صورة مقتطعة من حياته اليومية، لذلك كان يري في تلك الوجوه صورة له في حالة الوحدة والحزن، وفي لحظة العشق والفراق…… انه اسماعيل فتاح الذي شكل حاضنة من نوع اخر للاجيال العراقية القادمة لما تحمله تلك الحاضنة من رمزية وحيوية وتحرر.

ومما جاء فيها ايضا: .. فحين النظر الي مفردة الوجه الذي يتكرر في جل اعماله سواء كان محمولا علي الجسد الانساني او حين يتمرأي وحيدا في مربع اللوحة نري ان الوجه الذي يتمثله الترك في صياغاته الفنية، وجه له مرجعيات اسطورية تنتمي في مناخها الي حضارتين حضارة سومر والانباط حيث يتبدي وجه الالهة النبطية العزي في بنائية الوجه من حيث الاختزال ورصد الهامش البصري الذي يحيط الوجه نفسه بل الذهاب الي تأطير الوجه بخطوط جاءت لتشكل اطارا حاصرا للوجه الذي يتمثل فكرة الايقونة.

فكان لهذا الوجه الحضور الاكبر في اعماله والتي جاءت عبر تحولات في الصياغة والاجتهاد دون الخروج عن الاطار العام لمرجعية الوجه نفسه، الوجوه التي جاءت في مكان مواجه للمشاهد وقلما اجد علي سبيل المثال رسما لبروفيل لدي الترك بل ظل يكرس ذلك الوجه المواجه للمشاهد، وتفعيل العلاقة العاطفية بينه وبين من يشاهده من خلال حالة تعبيرية حرة تحققت عبر قوة العينين وانفتاحهما المبالغ فيه، حيث اعطت تلك العيون المفتوحة صفة التحديق بالاخر ليصبح الانف هامشا وتصبح مساحة الوجه مساحة للتجريد اللوني وممارسة الحرية في الدخول الي تلك المساحة والخروج منها، كما لو ان الوجه قد اصبح الباليت التي يمزج الوانه من خلالها لذلك اكتسبت تلك المساحات، اقصد الوجه، قيما لونية وتعبيرية مهمة جعلت من تلك الوجوه علامة تخص الترك.

واختتم العامري ورقته بالقول: ان وجوه الترك كانت تمثل حالات ما بعد الشوزيفرينيا ومناخاتها النفسية ونستطيع ان نقبض علي تلك الحالات في اكثر من موقع في حالة الوجوه الجمعية والوحيدة والمختبئة والمكسوة والعارية وصولا الي القبض علي الوجه في حالة الجنس.

وجوه استطاعت ان تمثل مرآة الحالات المتعددة التي يمر بها الكائن الانساني في لحظات الخوف والعشق والعري، وجوه تخاف وتعشق وتتعب وتواجه وتجبن وتختبئ كما لو انها باروميتر لحالة الشخص الواحد الذي اختزل الجمع في جملة واحدة. اما الفنان والناقد حسين دعسة فقدم ورقة بعنوان: الشاعرية في الابداع التمثيلي عند الفنان اسماعيل فتاح، استهلها بالقول: كان طفلاً يشق معالم نظره في أرجاء البصرة؛ تلك المدينة وعالمها الشاعري- الاجتماعي الملهم. كان ذلك في عام 1941، عندما شاهد إسماعيل فتاح الترك أول حالة وفاة تسمو عن الموت المعتاد، الي الشهادة!! عن هذا الطفل الذي شاهد الشهيد… وعن صفو الحالة التي ارتقت الي مجموعة من الهواجس والتداعيات الإبداعية.. قال ذاته بعد تحول الحلم الي رؤي، والرؤي الي مكان شاعري علي هيئة عمل فني ابداعي انبثق من اللوحة والمحفورة… والتمثال… الي ذلك القبر الذي حمل سر المبدع وشاعريته العميقة، التي وصفها قائلاً: يومها 1941 رأيت شهيداً يحملونه في أحد شوارع البصرة، كانت هذه أول مرة أري إنساناً يموت وكان المنظر ملهماً وترك تأثيراً عميقاً في نفسي، وظل موضوع الشهيد يرافقني ويلح عليّ، بل إنه سيطر علي الجزء الأعظم من مسيرتي الفنية، مشيرا الي ان: متابعة اعمال اسماعيل فتاع تحيلنا الي ثلاث قراءات محتملة لوعي شاعرية الفنان النحات والغرافيكي وقبل ذلك الإنسان.

ـ القراءة الأولي: شاعر اللون الوحيد.

ـ القراءة الثانية: شاعر الغرافيك المعاصر.

ـ القراءة الثالثة: شاعر النحت الإشكالي. مقرّا في نفس الوقت بأن: … هذه (الرؤية النقدية) مجرد محاولة لفهم صراع الخير والشر الحياة والموت والخوف والنشوة، الثنائيات والثلاثيات، المجسمات وفراغيات الشكل… الخ من محيط الرؤي: رؤي الفنان الشاعر، الذي تشابك مع الحياة الثقافية العربية المعاصرة، سواء في العراق او غير بلد.. وصولاً الي انطلاقته المهمة بعد نكسة 1967، ومنذ ذلك التاريخ، وجد الفنان حريته في التعبير عن عمله الفني والموقف من الظرف ولعلها النظرية التي حفظ سرها أقرب من أحاط بالفنان اسماعيل فتاح الترك، خصوصاً بعد انجاز نصب الشهيد عام 1983، وهو العام الذي وضع فيه الفنان الشاعر خارج منطقة الخوف علي الذات: لقد عدت الي ذاتي، وبدأ شغفي وولعي بالحياة، بمفرداتها الاقرب الي نفسي، يزيح عن طريقي هاجس الموت والتفكير به… ثم كتب دعسة مستشهدا بمقولة للسيدة سعاد عيساوي الحوراني: .. .. قال النحات العراقي اسماعيل فتاح الترك أنه بمعزل عن نصب الشهيد في بغداد، فإن اعماله النصبية الاخري كالرصافي، وأبي نواس، والكاظمي، والواسطي، لا تدفعه الي التفاؤل او الفخر.. بل العكس تماماً، إنها تسبب لي الاحباط، فهي أعمال ذات منحي عام، ليس من روحي شيء يذكر منها، لقد كانت قيداً، أما نصب الشهيد فقد منحني حرية جلبت معها تحولاً كبيراً في حياتي الفنية.

وقبل مرحلة التأمل.. علينا سؤال مرحلي مهم: ماذا عن أعمال الترك النحتية الأخيرة التي جاءت نحو المشهدية والبانورامية، ومقولة للناقدة العراقية مي مظفر:(كان آخر ما شاهدت له من نحت، مجموعة اشخاص عماله بالألوان (…) وكان ما يزال يعمل علي تكوينها في دولة قطر لمشروع لم يستطع الانتهاء من تنفيذه بعد أن داهمه المرض الخبيث)، الي ان كتب دعسة:(اسماعيل فتاح عالم من الحب… علّم الحب، فنان ما زلنا نجهله كما جهلنا، فلماذا ظلمنا روحه التي تحوم حولنا في هذه القاعة؟).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية