الاقتراب من النار

حجم الخط
0

الاقتراب من النار

الياس خوريالاقتراب من النارالتانيت الذهبي الذي ناله فيلم نوري بوزيد آخر فيلم في ايام قرطاج السينمائية كان مستحقا. فلقد اقترب المخرج التونسي الكبير من كرة النار وامسك بها، مقدما المقاربة السينمائية العربية الأولي لظاهرة الانتحاريين الأصوليين. صحيح ان هاني ابو اسعد سبق له ان اقترب من المسألة نفسها في فيلمه الجنة الآن ، غير ان المخرج الفلسطيني وضع العمليات الانتحارية في اطار الصراع الوطني الفلسطيني، متجنبا الغوص في الظاهرة الأصولية، بحيث بدا عنوان الجنة الآن ، وكأنه استحضار لدلالات اصولية، التفت بنية الفيلم من حولها، ولم تقترب من الشعائرية الدينية التي ترافق العمليات الانتحارية.في الفيلم الفلسطيني نجد الاسباب السياسية ـ الاجتماعية، بينما لا يحتل الجانب الديني سوي الهامش الصغير بحيث لا يري، فالعملية الانتحارية ترتبط بتهمة الخيانة التي طاولت والد الاستشهادي، كأن موت الابن يأتي من اجل ان يمحو خيانة الاب. الابناء يموتون اليوم من اجل ان يفتدوا الآباء. والانتحار الاستشهادي هو الوسيلة من اجل محو الدم بالدم. الفيلم يحمل دلالتين: واقعية ورمزية، ويمزجهما في اطار حكاية شيقة ومتماسكة، غير انه يقفز من فوق السؤال الديني والمبني الثقافي الأصولي الذي اجتاح شبان الاحياء الشعبية في العالمين العربي والاسلامي.والواقع، ان الثقافة العربية والاسلامية لا تزال عاجزة عن الاقتراب من مسألة نمو التيار الأصولي، فباستثناء الهجاء الفج الذي افتتحه سلمان رشدي وتناسل في الادب المكتوب باللغات الاجنبية، فإن اغلب الروائيين لم يقتربوا من هذا السؤال الكبير. كما ان التيارات الاصولية لم تستولد ادبها، بل هي لا تعير الأدب ادني اهتمام. اذ تستعير ثقافتها من المبني الفقهي، ولا تبحث عن تعبير ادبي او فني يتجاوز اللغة التلفزيونية التعبوية الفجة.قد نجد في هذا الغياب مؤشرا علي ظرفية الاجتياح الديني الفقهي للحياة السياسية والاجتماعية، فالعجز عن تغيير المبني الثقافي في روافده العميقة التي يصنعها الأدب، دليل علي ان المشروع برمته لا يزال في اطار رد الفعل، وان لا افق له، علي المدي التاريخي. من هنا، ربما، يأتي كسل الثقافة العلمانية في تعاطيها مع المسألة او في اقترابها منها.هنا ايضا لا بد من الاشارة الي رواية عمارة يعقوبيان ، لعلاء الأسواني والي الفيلم الذي بني علي الرواية، لنكتشف ايضا ان التعاطي مع المسألة لا يزال خارجيا، ولم يصل الي تحليلها في العمق.غير ان الكسل قد يخفي جهلا عميقا بالظاهرة. فالظاهرة الأصولية نمت في العتمة التي صنعتها الأنظمة الديكتاتورية، واستخدمت في الكثير من المرات كأداة، السادات استخدمها لسحق المعارضة اليسارية في مصر، وامريكا عممتها في سياق الحرب الباردة في افغانستان، والي آخره… الي ان استقلت الظاهرة وتحولت اليوم الي قوي اساسية: القاعدة، حزب الله في لبنان، حماس في فلسطين، وحركات اصولية غامضة الملامح في العراق، هذا من دون ان نتحدث عن النظام الاسلامي في ايران. الثقافة العربية الحديثة منذ ان نجح النظام الناصري في تطويع جناحها الراديكالي اليساري، لم تعد تعرف ان تقرأ في العتمة. صارت اسيرة اضواء العلاقة بالسلطة، ولولا العمل الروائي الرائد للمصري عبدالحكيم قاسم، المهدي لجاز لنا القول ان هناك ما يشبه الاجماع الثقافي علي الكسل والجهل.لا احد يذكر اليوم رواية عبدالحكيم قاسم، او يناقشها، مثلما لم يحفل احد بالجنازة الفضائحية لكبير الروائيين العرب نجيب محفوظ، فنحن نكتفي من الخسائر بعدها، ونكتفي من الكتابة برثاء الذات.فضيلة المخرج التونسي انه اقترب من الظاهرة، وحاول ان يطرح المسألة من داخلها. وهو في ذلك يقترب من تجربة تونسية اخري، هي مسرحية خمسون ، لجليلة بكار والفاضل الجعايبي، التي لم يتسن للجمهور التونسي مشاهدتها بسبب الرقابة! فشاهدها الجمهور الفرنسي علي مسرح الاوديون في باريس، علي امل ان تعرض قريبا في بيروت. المفارقة ليست في طليعية المسرح والسينما في تونس، وهذه مسألة باتت احدي مسلمات الثقافة العربية الحديثة، ولا الرقابة التي منعت العرض المسرحي وتهدد بقطع مشاهد من الفيلم، فهذه صارت من ثوابت النظام العربي، المسألة هي لماذا تحضر التجربة وان في صيغ اولية في المسرح والسينما وتغيب عن الأدب؟نعود الي رجلة بهتة، بطل فيلم نوري بو زيد، لا لنكتشف مشاهد سينمائية لا تنسي، كالمشهد الذي يلبس فيه بهتة، الممثل لطفي عبدللي، ثياب رجل شرطة ويكشف لعبة القمع بأسلوب ساحر وساخر، او كمشهد الصراع بين المخرج والممثل، بل لنذهب الي داخل عوالم اللغة الأصولية، ولو بتبسيطية احيانا، من اجل كسر الصمت الذي يحوط بالظاهرة.بهتة في قبضة الاسلاميين، لكن انتحاره العبثي في نهاية الفيلم، يأتي ليعلن الضيق بالايديولوجيا الشمولية، راسما المسافة بين حب الحياة واليأس منها، وبين الدعوة الي تقديس الموت.قمع البوليس يحتل مساحة الفيلم بأسرها، كأن آخر فيلم يدعونا الي اكتشاف الظاهرة، لا في لغتها فقط، بل في وصفها تعبيرا عن خواء اللغة السائدة وموتها.محاولة نوري بوزيد بداية، فيها الكثير من وعد البدايات وجمالها، غير ان اهميتها الكبري انها تقرع باب العلاقة بين الفن والواقع الاجتماعي، وتعيد شيئا من النصاب الي المبني الثقافي العربي. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية