الديمقراطية سلاح ذو حدين قد تقتل وقد تشفي
الديمقراطية سلاح ذو حدين قد تقتل وقد تشفيتدفعنا قراءة الواقع الإسلامي إلي إعادة النظر في برنامجنا السياسي والفكري والاجتماعي. فبعد حماسنا الشديد للديمقراطية صفعتنا التجربة العراقية علي وجوهنا لنستيقظ من أحلام يقظتنا الوردية ونكتشف أنّ تشخيصنا لذلك الواقع كان خاطئاً. فلا المجتمع العراقي أستطاع أن يستوعب أصول الممارسة الديمقراطية، ولا الفكر الديمقراطي، الذي أدعته بعض شخصيات التغيير، استطاع أن يطهّر الشعب العراقي من عدوي التسلّط والديكتاتورية. من جهة ثانية فأنّ غياب السلطة كشف غياب الثقافة، الوضع الذي سمح للميكروثقافات الطائفية والمذهبية والقومية والدينية، المكبوتة والمضطهَدة، لتسود المجتمع العراقي وتتصرف فيه حسب مصالح المجتمع الميكروثقافي، وليس حسب مصالح المجتمع الثقافي. والفرق بين الثقافة والميكروثقافة هو أنّ الأولي تجمع المجتمع وتوحده، في حين أنّ الثانية تجزئ المجتمع وتقسّمه. فالثقافة هو المعصم الذي يجمع الأصابع، بينما الميكروثقافة هي الأصابع دون معصم. من هنا تكون الدعوة للديمقراطية ف! ي مجتمع تغيب عنه الثقافة وتسوده الميكروثقافات هي بمثابة دعوة مريض السكري لتناول الشحوم والدهون، وبعبارة أخري هي دعوة لإنتحار مجتمع!!نعود الآن للعالم الإسلامي ونقارن بين مجتمعاته وبين المجتمع العراقي الذي أخذناه كعيّنة. أليست معظم تلك المجتمعات إذا لم تكن جميعها، تعاني من حضور شديد ومتطرف للميكروثقافات، وغياب شبه كامل للثقافة الإسلامية. ونبدأ من تركيا فاتجاهها الأتاتوركي قطع صلة الوصل الثقافية بين أتراكها وأكرادها، مفسحة المجال للميكروثقافات القومية (الكردية والتركية) بالتضخم علي حساب الثقافة الإسلامية، بل وتجاوزتها لتدخل في صراعات دموية مجهولة المصير. وفي أيران المستقبل يُنذر باصطدام بين الميكروثقافات الطائفية (سنّة وشيعة)، والقومية (فرس وكرد). وفي السودان ميكروثقافات دينية وعرقية، وفي مصر ميكروثقافات سياسية (الحزب الوطني والأخوان المسلمين والجماعة الإسلامية)، وفي المغرب ميكروثقافات العرب والبربر، وفي الجزائر تيار الأصوليين وتيار الحداثويين، وفي باكستان وأفغانستان ميكروثقافات أثنية في ثوب ديني، ويكاد لا يخلو مجتمع إسلامي من هذه الميكروثقافات. وأنبه بشدة إلي أنّ المشكلة بالأساس ليست في الميكروثقافات المتواجدة علي الساحة الإسلامية، وإنما هي في غياب الثقافة الإسلامية، ثقافة (التوحيد والإيمان) التي بمقدورها فقط أن تجمع وتؤلف ما بين قوميات وطوائف وأثنيات وأديان وأحزاب المجتمعات الإسلامية. والله تعالي يقول: ولو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بينهم ولكن الله ألّف بينهم ، ونحن بحاجة لنعيد إدخال (الله) مجدداً في ثقافتنا قبل أن نفكر في إدخال الديمقراطية. فما يجب أن يكون واضحاً هو أنّ قيمة الديمقراطية ليست في ذاتها وإنما في الوسط الاجتماعي الذي ستطبق فيه، فالمنفعة ليست حتمية، ولا سيما في وسط اجتماعي مريض كالوسط الإسلامي. وكأن الديمقراطية عديمة اللون والقيمة وما يعطيها اللون والقيمة هو المجتمع الذي ينقلها لحيّز التطبيق. مسعود حسنصحافي سوري6