عرقنة لبنان ولبننة العراق!

حجم الخط
0

زهير اندراوس

احمد الجلبي، هو من ابرز العملاء العراقيين، الذين وصلوا الي بلاد الرافدين بعد احتلالها من قبل الأمريكيين والبريطانيين، وكبقية العملاء الذين خانوا وطنهم وشعبهم وأمتهم، اختفي عن المشهد السياسي، بعد أن توصل الغزاة الأجانب الي نتيجة بان دوره انتهي. الجلبي ليس العميل الأول، وبطبيعة الحال ليس الأخير، الذي فضّل الغربي علي العربي، فوجد نفسه في مكان ما علي هامش مزابل التاريخ، وما أكثرها في المحميات الأمريكية المشوهة، المسماة: الدول العربية.

لا نريد في هذه العجالة سبر أغوار ظاهرة العمالة، التي باتت من اخطر الأمراض المتفشية في العالم العربي، ولكن نري انه من الضرورة بمكان التطرق الي جريمة اغتيال وزير الصناعة اللبناني، بيار الجميل، الذي كان من معارضي النظام السوري. من هنا فان الادانة، قبل التحقيق والاتهام، جاهزة، والممثلون حسب الترتيب غير الأبجدي يعتلون الخشبة: الزعيم السني، الشيخ سعد الدين الحريري، والزعيم الدرزي، وليد بك جنبلاط، والزعيم الماروني، الدكتور سمير جعجع، ويؤدون الدور ببراعة لا يحسدون عليها: سورية هي المسؤولة عن الاغتيالات السياسية في لبنان. هكذا ببساطة يجرمون هذه الدولة العربية، لان المعادلة اليوم في لبنان يمكن تحديدها كالتالي: المؤيد لسورية هو ارهابي، والمعارض لسورية يتحول بقدرة قادر الي ديمقراطي وليبرالي ووطني. الأمر شبه المؤكد أن عدة جهات ستحاول تجيير عملية الاغتيال لاختراق الصف المسيحي، وانهاء ظاهرة ميشيل عون غير المسبوقة، فلم يحدث في تاريخ لبنان، أن حظي زعيم لبناني مسيحي بشعبية في الشارعين العربي واللبناني، ومن قبل مختلف الطوائف مثله. بالاضافة الي ذلك ستعمل هذه التيارات علي اعادة تقسيم الشارع اللبناني وفق المعايير الطائفية القديمة، أي معسكر مسيحي متطرف مقابل معسكر مسلم متطرف.

من ناحية أخري، لا يمكن قراءة جريمة الاغتيال من منظار الشأن اللبناني الداخلي فقط، بل يجب النظر الي البعد الاقليمي لها، وطرح السؤال المباشر: ماذا استفادت سورية من تصفية الجميل؟ أو هل هناك جهات لبنانية ودولية تلعب علي الساحة خفية وعلانية، قد سجلت النقاط لصالحها كاستحقاق من الجريمة السياسية؟ مسألة التوقيت في العلاقات الدولية مهمة للغاية، ولا يخفي علي احد انه في الفترة الأخيرة، سجل تقارب كبير بين النظام الحاكم في دمشق وبين الادارة الأمريكية، وذلك علي ضوء تورط الرئيس المهزوم جورج بوش في الوحل العراقي. البيت الأبيض توصل الي قناعة بان ما يسمي بالدول العربية المعتدلة: العربية السعودية ومصر والأردن، لم تتمكن من تهدئة الأوضاع في العراق النازف، ومساعدة الغزاة في لجم المقاومة العراقية الباسلة، فقررت واشنطن أن تبحث عن لاعب آخر لسد الفراغ فوجدته مع أوراقه في سورية. وبدأت الأنباء منذ عدة أسابيع تتحدث عن مفاوضات سرية بين واشنطن ودمشق، ثم تحولت الي علنية، بعد اجتماع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم. فسورية بحاجة الي اعادة ترتيب أوراقها مع أمريكا لتخفيف الضغوطات عليها، وأمريكا بحاجة ماسة لسورية لاغلاق الحدود السورية ـ العراقية، أي أن تقاطع المصالح بين الدولتين بات واضحا: تخفيف الضغوطات مقابل اغلاق الحدود ومنع المقاومين العرب من الوصول الي العراق. النظام السوري، الذي يتقن جيدا امساك الأوراق قريبا جدا الي صدره، وجد الفرصة السانحة لاستغلال الوضع الجديد، فوافق علي الطلب الأمريكي باعادة العلاقات مع العراق. وكانت زيارة وزير الخارجية السوري الي بغداد بعد ثلاث سنوات ونصف السنة من الاحتلال تتويجاُ لهذه السياسة الجديدة. واللافت أن جريمة اغتيال الجميل وقعت بعد يوم واحد من هذه الزيارة التاريخية، وعشية عقد المؤتمر الثلاثي: العراقي ـ الايراني ـ السوري.

سورية دفعت الفاتورة لأمريكا وانتظرت الحصول علي الثمن. والثمن باعتقادنا كان أيضا احياء المفاوضات علي المسار السوري ـ الاسرائيلي واستعادة هضبة الجولان المحتلة بالطرق السلمية وتجنيب المنطقة دوامة عنف جديدة. وجاءت الجريمة البشعة وخلطت الأوراق المرتبة، وتمكن مقترفوها من اعادة سورية الي دائرة الضوء. من هنا يمكننا الاستنتاج بأنه لا توجد أية مصلحة لسورية في عملية الاغتيال، بل بالعكس فان أعداء لبنان من الداخل والخارج قدموا الجميل ضحية أخري لخدمة مصالحهم الداخلية والاقليمية.

علاوة علي ذلك، فان الرئيس بوش، الذي هزم في الانتخابات الأخيرة عندما قال له الشعب انه يعارض الحرب علي العراق، توصل الي نتيجة مع حفنة المحافظين الجدد الذين ما زالوا يقررون في السياسة الأمريكية، بان توجيه ضربة عسكرية لاحباط المشروع النووي الايراني، هو أمر مستحيل، وبالتالي بدأ يبحث عن طرق أخري لحل الأزمة مع طهران بالطرق الدبلوماسية، فأطلت علينا فرنسا وأقحمت الايرانيين في عملية اغتيال الجميل. والا كيف يمكن تفسير النشر في صحيفة هآرتس الاسرائيلية (الاثنين 20/11/2006) بان بوش قال للرئيس شيراك، بحسب مصادر سياسية فرنسية، بان اسرائيل ستضرب ايران، التي لا توجد لها مصلحة في اغتيال الجميل.

لذلك ستبقي الجريمة ضد مجهول، ولكن الحرب الأهلية اللبنانية الجديدة قادمة لا محالة، وهذه الحرب تصب في مصلحة أعداء لبنان والأمة العربية، فمن هم؟ مجرد سؤال!

ہ رئيس تحرير صحيفة كل العرب الصادرة في الناصرة8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية