أحمد بنميمون
اذا كنت قد استنتجت أن القصيدة التقليدية قد مضي زمانها، فلا ينبغي من بعد هذا الاستنتاج الايحاء بألا حل لمسألة التلقي الا بالرجوع الي النوع الذي صورت أن قارئ الشعر لا يزال يستريح اليه ويتواصل معه، وهو القصيدة التقليدية (التي سميتها بالعمودية) ـ فدون الاستغناء عن أجوبة نظرية التلقي وما تستلزمه من علاقة جدلية بين ما يتوقعه القارئ، وما تفترضه التجربة المقروءة من تفعيلات لدلالات النص، بالاضافة الي كل ما جاء به واضعو هذه النظرية في تحليل شروط الاستجابة لأفق انتظار القارئ، في حال الثقافات لها حق التحدث عن قارئ فعلي وآخر مفترض ـ فان الحل في اعتقادي، في حال ثقافتنا العربية، يتحقق مع انخراط الشاعر باعتباره مثقفا مسؤولا، في ثقافة المقاومة التي تسعي من بين ما تسعي اليه، الي أن ترفع من مستوي القراء علي شتي الأصعدة، فمخاطبة القارئ المثقف ليست كمخاطبة قارئ لا يهتم بأمور التلقي الفني، ثم انه اذا كانت الممارسة الفنية شرطا في الانسان المتحضر الذي لا يمكن أن يعيش بدونها، متذوقا قارئا، أو منتجا مبدعا، فانه لا بأس أن تختلف درجـــة الاقبال علي القراءة وتذوق الفنون، لذلك فانه لا يعيب أي فرد ألا يكـــون قارئا للشعر أو مقبلا علي الفنون، ولكن يعيبه ألا يكون قارئا باطلاق، فمأساة مجتمعاتـــــنا يا أخي أنها مجتمــــــعات لم تؤسس بعد لعادة القراءة بين جماهيرها، ووسط لا يقرأ لا يمكن أن يكون ميدانا لدراســـة الاقبال علي هذا الشكل الفني في الشعر أو غيره، لذلك فلا يمكن داخل مجتمع منحط أن نقيس بدرجة اقباله أو انصرافه عن القراءة، مصير هذا الشكل أو ذاك، أو الحكم علي الشعر الحديث أو التقليدي من خلاله، وما يهب الكتاب والمبدعـــــــين في مجتمعاتنا المنحطة بعض العزاء أن أدب هذه المجتمــــــعات لا يكون أدبا منحطا بالضـــــرورة، ونحن لا نذكر الانحـــــــــطاط تشفيا أو جلدا للذات، ولكن لأن كلمة الانحطـــــــــاط تلخص واقعنا علي مستويات كثيرة منها المستوي الأدبي والفني، وبنــــــاء علي هذا فان الاختيارات الشكلية لدي شعرائنا ســـــواء في هذا النوع أو ذاك من الشعر، هي اختيارات صائبة شـــــرعية، فليس في الابهام حجة لرفضها، ولا في الوضوح دليل كاف علي صلاحيتها، ففي الفن يا صديقي، لو أن المقياس هو درجة اقبال القارئ أو رفضه، لكنا بقينا علي ما وجدنا عليه آباءنا، ولكن لأن ثلة قليلة من الشعراء، كانت دائما تكتفي أيضا بمجموعة قليلة من القراء النوعيين ليجترحوا الجديد الذي تميز ظهوره في كل الثقافات بمن يرفع عقيـــــرته بالصراخ رافضا اياه، ولك في الفنون التشكيلية حين اختار رواد من فنانيها التجريد في العصر الحديث شاهدا عن رفض دعاة الوضوح لمنجزاتها، وما قيل عن علاقــــــة اللوحة بذيل الحمار، هذا في الوقــــــت الذي لا ينكر الا جاهل الدور العظيم في تطوير الهندسة والمعمار والصناعات الذي قامت به الفنون التشكيــــــلية، وكــــــذلك في الشعر فمن النقاد من رأي في غمــــــوض بعض نماذجه تعبيرا عن فاعلية شعــــرية شرط ألا يكون الأمر مجرد ابهام وألغاز وتعمية، وتلاعب باللغة، هذا التلاعب الذي قد يكون مقبولا اذا كان من ورائه محاولـــــة لخلخلة العقول، وما أجدر ثقافتنا بشاعر يخلخل العقول يلعب باللغة التي أساءت اليها هالة القداسة التي أحاطها بها الفكر الأصولي، فلننـــــاد باسقاط القــــــداسة عن كل مقدس، في ماضي ثقافتنا وحاضرها، كائنا ما كان، اذا كنا نريد نهضة حقيقية، وما أجدر آدابنا بشعراء كثيرين من نوعية: أدونيس ودرويش وسعدي يوسف، علي سبيل المثال لا الحصر، رغم كل ما قيل عن غموض أشعارهم، وليس ذلك بصحيح، وانما كانت تلك حجة المعترضين علي التجديد، اليوم كما في كل العصور.
كاتب من المغرب