أدونيس يختتم زيارته للقاهرة وسط احتفاء وشتائم ويقول: الثقافة العربية باعدت بين الشعر والفكر!
محمود قرنيأدونيس يختتم زيارته للقاهرة وسط احتفاء وشتائم ويقول: الثقافة العربية باعدت بين الشعر والفكر!القاهرة ـ القدس العربي اختتم الشاعر السوري الكبير أدونيس رحلته الي القاهرة بمحاضرة وحفل توقيع موسع للطبعة الشعبية التي أصدرتها الهيئة العامة لقصور الثقافة من مختارات الشعر العربي التي قدمها أدونيس قبل أكثر من أربعين عاما.شهدت قاعة المؤتمرات الرئيسية بالمجلس الأعلي لثقافة وقائع المحاضرة التي لم تخل من نقاش معمق ومشاحنات وشتائم مبطنة، نالها أدونيس وتلقاها بثقة المجربين، هذا فضلا عن التحفظات التي بدت أكثر موضوعية لأطروحات أدونيس الفكرية والفلسفية، والتي قدمها أكثر من متداخل في سياق المحاضرة وتعقيبا علي أبرز أفكارها.في البداية قدم الدكتور عماد أبو غازي نائب الأمين العام للمجلس الأعلي للثقافة لوقائع المحاضرة مقدما تحية حارة لأدونيس، ثم تحدث الدكتور أحمد مجاهد مدير عام النشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة مقدما، بدوره، شكرا خاصا لأدونيس، لموافقته علي نشر مختاراته من الشعر العربي في طبعة شعبية، وأعلن عن اتفاق أبرمه مع أدونيس لاصدار طبعة شعبية أخري من أعماله الشعرية الكاملة تتبناها الهيئة العامة لقصور الثقافة.بعد ذلك قدم الدكتور أحمد درويش مقرر لجنة الدراسات الأدبية بالمجلس الأعلي للثقافة، أدونيس مشيرا الي أهمية مشروعيه الشعري والنقدي لا سيما وأنهما في حالة دائمة من التوالد والتجدد وقال: أدونيس لم يولد مرة واحدة، بل هو ميلاد دائم، ولا زال يولد من جديد، فهو ليس ابن مدينته فحسب، لكن مسقط رأسه يتوزع علي العديد من العواصم، وأشياء كثيرة تركها وراءه تؤكد الأبعاد الانسانية لابداعه وأفكاره، فهو واحد من الذين جددوا تراثنا الأدبي، وواحد ممن قتلوا التراث بحثا، وقدم درسا لم يستفد منه كثيرون ممن أتوا بعده، هؤلاء الذين رفضوا التراث قبل أن يقرأوه.بعد ذلك تحدث أدونيس مستعيدا المحاور الأساسية التي شغلت محاضراته بمكتبة الاسكندرية، مؤكدا أن رأسه ليس مشغولا سوي بالقضايا العربية المعقدة والملتبسة والتي لا يملك حيالها حلولا نهائية، وأوجز أدونيس محاور حديثه في أربع نقاط.أما الأولي فجاءت حول العلاقة بين الكاتب وكتبه، وتمثلت في السؤال الذي كان مطروحا كمحور أساسي لاحدي محاضرات مكتبة الاسكندرية وهو اذا ما أتيح لأدونيس أن يعيد كتابه الثابت والمتحول هل كان سيكتبه بالطريقة ذاتها، وهو سؤال يري أدونيس أنه كان يجب أن يصاغ كالتالي: هل يحق لكاتب أن يعيد صياغة كتاب من كتبه في تواريخ سابقة؟!يجيب أدونيس بالقول: نعم كنت سأستوفي قضايا لم تأخذ مكانها الطبيعي في البحث منها الربط وثيقا بين قضايا التراث والحداثة بشكل أوسع وأعمق.كنت سأقف طويلا أمام النص القرآني باعتباره نصا جامعا لكل الثقافات التي سبقته، وستكون مسألة اللغة في قلب هذا التحليل، فكيف للغة وثنية أن ينطلق بها المطلق الالهي وكيف تحولت المعرفة الي ماض، وكيف أصبحت تاريخا، وكنت سأقف طويلا أمام النظام في الخلافة الاسلامية وكيف تحولت العلاقة الي نظام سياسي، وكيف تحول النظام الي غاية في ذاتها حولت الانسان الي مجرد أداة.أما المحور الثاني الذي تحدث فيه أدونيس، فكان يرتبط بديوان الشعر العربي، ويقول هنا: أردت أن أقدم الشعراء القدامي لشعراء الحداثة فوجدتني أخوض معركتين الأولي ما أسميه معركتي الذاتية وهي غير الفردية وغير الأنانية، ويضيف أدونيس: لقد ألححت علي ابراز الذاتية في هذا الشعر واستبعدت ما فيها من صوت القبيلة والسياسة والنظام وكان يبدو لي في تلك الفترة كأننا من المحيط الي الخليج مجرد موضوع بلا ذاتية، لهذا لم نكن نوعا بقدر ما كنا كماً، وقال أدونيس ان وصف الشعر في لحظة من لحظاته بأنه جاهلي يجب أن نسقطه كليا، ويري أنه يتعذر علينا أن نكون حديثين الا بارتباطنا بذاتية هذا الشعر وذاتية تلك اللغة، فالشاعر ليس زياً للحداثة تصنعه ثم تلتهمه، لقد كان الشعر سائرا في طريق واسع من الأدلجة.ويضيف أدونيس ان المعركة الثانية في هذا الخضم هي معركة الذائقة التي كانت مشحونة بجماليات القديم، لذلك كانت ذائقة مسطحة تعمل ضد العمق وتركن فقط الي المشاهدة أو السماع عاملة علي تحويل القصيدة الي أغنية لا تحتمل أي نوع من الاستبصار. ويردف أدونيس: ان تاريخنا الشعري شهد تراكما واسعا منذ الخمسينيات، ورغم معرفتنا الواسعة بالشعر في هذه الحقبة الا أنها ـ مع ذلك ـ تبدو أكثر المراحل جهلا بالشعر. ان صورة البصر الآن تلعب دورها في الغاء صورة البصيرة.أما فيما يتعلق بعلاقة الشعر بالفكر فقال أدونيس: تتمحور العلاقة بين الشعر والفكر في الثقافة العربية كحالة من حالات الاقصاء وذلك خلافا لجميع التقاليد المتعارف عليها في الثقافة العالمية، وخلافا لما جاء عليه الشعر العربي نفسه، واستعاد أدونيس عددا من الصور التي عمقت هذا الاقصاء بين الشعر والفكر ومنها ـ علي سبيل المثال ـ الفقه الاسلامي الذي تخلف كثيرا عن الطفرات المعرفية الكونية فابن تيمية مثلا يعتقد أن الدين ألغي مجهولات، وهذا يتناقض كلية مع الشعر، فالشعر يكتشف الحقيقة من خلال التجربة، وثقافة الشاعر في عمومها متناقضة، وتنهض علي أن الحقيقة ليست مكتشفة، لكن الرؤية الدينية محدودة ومحددة والشعر متحرك أبدا والقصيدة سؤال مطروح علي العالم، ويردف أدونيس مؤكدا: ان الشعر لا يمكنه الافصاح عن مجهول العالم الا اذا كشف عن مجهولات اللغة.وفي هذا الاطار يري أدونيس أن المجاز فكر خالص بقدر ما هو فن خالص، أما عن الهوية في الشعر فيراها تتحقق بالشرائط الانسانية العامة، وبهذا المعني لا يمكن للشعر أن يكون فئويا أو طائفيا أو عقائديا، وأخذ مثالا الدولة اللبنانية قائلا عنها: انها بلد يتكون من مواطنين من مختلف المدارج ويقومون بالواجبات ذاتها لكن ليس لهم الحقوق ذاتها، وهنا يبدو الدين عنصر ظلم واضطهاد وبالتالي لا يمكن الا أن يكون عنصر تخلف، فاذا كانت قيمة الانسان تتحدد بانتمائه الي طائفة انتفت فكرة المواطنة لذلك فان اناسا بعينهم مرذولون في لبنان عن غيرهم في بلد آخر، أمام استحالة الديمقراطية والمواطنة.ويضيف أدونيس أن الهوية في بعدها التاريخي تلتمس جانبا مهماً في الشعر، فمثلا اذا كان هارون الرشيد شخصا عظيما الا أن عصره بقي بأعمال الشعراء والفنانين والمؤرخين والمفكرين أما ما عدا ذلك فقد أصبح تاريخا، لذلك فان تماثلات الهوية تبدو في الابداع وليس في دواوين السياسة.وعن محددات الهوية يطرح أدونيس عددا من التساؤلات حول علاقة الهوية بالدين واللغة ويقول: اذا كانت اللغة والدين لا يمكنهما تحديد الهوية، اذن فما الذي يحددها؟ ويجيب: انها لا تحدد، فهي مشروع مفتوح ومتواصل، فالانسان يأتي أولا قبل الدولة والوطن والدين، والهوية تذكرنا بقول هيراقليطي: أنت لن تعبر النهر ذاته مرتين ، وهو ما يؤكد أن الهوية لا تلتمس في مشترك عام، انما هي في الخاص الابداعي. ثم يتساءل أدونيس عن الكيفية التي يؤسس بها الشاعر هويته، ويقول انها تتأسس في سؤاله: كيف أكتب نفسي أو كيف أكتب مجتمعي الذي أنتمي اليه؟فالشاعر عندما يكتب نفسه لا بد أن يخرج من سلطة الأب ليس باعتبارها سلطة، ولكن باعتبارها ذاتا، وذلك حتي تسير الكتابة في اتجاه الافصاح عن الهوية.بعد ذلك تم فتح باب المناقشة فتحدث الدكتور محمود الربيعي مشيدا بتجربة أدونيس ومعترفا بأنه رجل كلاسيكي لكنه يطلب من أدونيس شيئا غريبا في قوله: ليرحم أدونيس أتباعه من الجاهلين ويقول لهم مرة أخري ان الحداثة لا بد أن تكون مغروسة الساقين والقدمين في التراث، أما الدكتور حسن حنفي فسأل أدونيس عن المناهج التي أتبعها في كتبه وقد أراد الاشارة الي شيء من التناقض في استخدامات تلك المناهج، كما أشار الي أن فكرة الثابت والمتحول موجودة في كل الحضارات، وأن هذا التبادل يقوم علي الاقصاء أو التكامل، أما الشاعر محمد ابراهيم أبو سنة فقد استهجن في غضب واضح ومؤسف لمن في مثل سنه ربط أدونيس بين الفكر والشعر وكان يقصد الي التقليل من شأن تجربته ووصمه بالذهنية والافتعال، دفاعا عن أطياف رومانسيته الغابرة، أما الشاعر حسن طلب فقد قال ان الأفكار العميقة وحدها هي التي تثير الرغبة في الحوار أو الخلاف مثلما يحدث دائما في طرح أدونيس، وتوقف طلب عند بعض النقاط التي طرحها أدونيس قائلا: عندما ننظر الي تاريخ الشعر العربي بشيء من التعميم رغم ضرورته مثل ان الثقافة العربية هي الوحيدة التي ينفصل فيها الشعر عن الفكر فهذا ليس دقيقا، كذلك تحدث طلب عن صعوبة تحديد الهوية حسبما ذكر أدونيس وقال ان الهوية يمكنها أن تحدد لكن المشكلة أن تحديدها يتم من أجل تثبيتها.كذلك تلقي أدونيس بعض الأسئلة التي وردت بدون توقيعات، وهي في الاجمال أسئلة مثيرة للغضب والحنق مثل علاقة أدونيس بايران، وكذلك علاقته بالتشيع ورأيه في كتاب أدونيس منتحلا لكاظم جهاد، وكانت أطرف اجابته حول هذا السؤال أن قال: أعتذر وأعترف بالتقصير لأنني لم أقرأ الكتاب.0