عمان ـ “القدس العربي”:
لا يتحرك الشيخ حارث الضاري المرجع الاساسي للمعادلة السنية في العراق في فضاء عندما يقرر الاقامة مؤقتا في عمان التي دخلت بقوة لمساعدة الرجل عندما اصدرت حكومة المالكي بحقه مذكرة التوقيف الشهيرة.
وعمان طوال الاسبوع الماضي كانت لسبب او لآخر مصدرا ومصنعا للحدث وللاتصال فهي تستقبل في غضون يومين مقبلين قمما علي مستوي الزعماء واتصالات علي ارفع المستويات لها علاقة حصريا بالملفين العراقي والفلسطيني.
واستقبالات العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني للقادة والزعماء والاقوياء في معادلات الحكم تعزز انطباع المراقبين بان شيئا ما يحصل او يترتب وان عمان الان في وسط هذا الشيء، فالقصر الملكي لم يكتف باستقبال حارث الضاري فقط ولكنه احتضنه ووفر له اقامة مستمرة منذ نحو اسبوعين كما استقبل اللاعب المركزي الآن في السعودية وهو مسؤول مجلس الامن السفير السعودي الشهير سابقا في واشنطن الأمير بندر.
وفي غضون الساعات المقبلة ثمة استقبالات اكثر اهمية فالرئيس جورج بوش سيصل في زيارة رسمية وكذلك رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وخلال وجودهما سيحضر الرئيس الفلسطيني محمود عباس وعلي هامش اللقاءات والاتصالات السابقة واللاحقة تقاطر الي عمان العشرات من الجنرالات والخبراء والمسؤولين الأمنيين الذين يرتبون حلقات الحوار.
وهذا المشهد الاردني الحواري بامتياز اصبح بحاجة الي تحليل وتوثيق وكذلك الي قراءة متأنية فقبل هذه الاستقبالات فهمت نخبة من الاعلاميين والكتاب في القصر الملكي بان الاردن مفوض باسم السعودية والامارات حصريا في الحديث تحديدا عن الملف الفلسطيني وعملية السلام، والمستويات المصرية أمنيا وسياسيا شريكة لكل هذا الفعل وفي وقت متأخر دخلت الكويت علي بعض مفاصل حلقات الحوار في المسألتين العراقية والفلسطينية.
ويبدو ان كل هذه الحركة الاتصالية تزامنت مع التطورات الاخيرة في المنطقة ابتداء من الحرب الاهلية في العراق وانتهاء بالتحول المضاد للوجود الامريكي علي صعيد المقاومة مرورا بالانفراج الحاصل علي الصعيد الفلسطيني وبالمقترحات المفاجئة التي قدمها ويقدمها ايهود اولمرت.
وذلك يعني بان الفرصة متاحة للغرق في التفاصيل فالمنطقة كما يشعر المراقب المحلي الاردني بصورة سلسلة متتالية من الاجراءات والترتيبات ذات الطابع الاقليمي خصوصا بعدما بدأت حكومة المالكي في بغداد بالانهيار وبعد ان اعلنت عمان انها لا تتحدث منفردة وباسمها فقط في المسألة الفلسطينية في لغة لم تكن مسبوقة في الواقع.
ويبدو ان هوامش هذا المشهد تشهد تحولات وتسريبات لا يمكن تجاهلها فالأسرة الاعلامية تتناقل معلومات عن طائرات امريكية نقلت جنرالات سابقين في الجيش العراقي واقيمت معهم حوارات في الاردن باعتبارهم قادة للجيش المحتل ضمن معادلة اجتثاث البعث، وثمة حركة نشطة داخل الاردن الآن للقيادات السنية العراقية ولبعض اركان حزب البعث الموجودين في عمان وفي العواصم المجاورة.
ولم يعد سرا ان وجود عسكريين قدامي في الجيش العراقي مع سياسيين وحزبيين بعثيين ومع الشيخ حارث الضاري مستجدات مثيرة في البعد الزمني، ولم يعد سرا ان هذه المستجدات قد لا تخرج اهدافها المركزية عن اولا: السعي لتجنب حرب اهلية واسعة تؤذي الجميع في المنطقة، وثانيا: السعي للاعتراف بان قرار حل الجيش العراقي السابق كان أسوأ قرارات الورطة الامريكية في العراق.
وتوازنات عمان او مؤسستها السياسية والامنية هنا مثيرة للدهشة فقد حصلت بجهد خاص علي (انتباه الكويت)، وتمكنت بجهد اكثر خصوصية من اشراك مؤسسة الجامعة العربية ومن البقاء تحت ظل الشقيقة الكبري وتمكنت ايضا من ايجاد طريقة نقل الآراء والتقديرات والاستماع لطرفي المعادلة العراقية ممثلين بالمالكي والضاري معا.
وفوق ذلك ثمة من يؤكد وجود تنسيق رفيع المستوي مع الجنرال عمر سليمان واتصالات تهدئة وتليين مع قادة حماس وتنسيقات دبلوماسية لا يستهان بها مع اللجنة الرباعية الدولية ومحاولات بناء قد تنتهي كما تصور الكاتب الصحافي النبيه فهد الخيطان برباعية عربية موازية تضم الاردن ومصر والسعودية والامارات.
ومن غير المنطقي القول بان كل هذه الحركة والتقاطعات لن تنتهي بوجود خريطة عمل او برنامج عمل في الاتجاهين العراقي والفلسطيني خصوصا وان العامل العراقي اصبح بعد التطورات الاخيرة عاملا ضاغطا علي احتمالات نجاح المبادرة السياسية في فلسطين خصوصا ايضا ان عمان أخذت بالاعتبار العامل الايراني، فقد ارسل القصر الملكي الاردني قبل يومين فقط رسالة تهنئة للرئاسة الايرانية بمناسبة احد الاعياد الوطنية الايرانية وهذه الرسالة نشرت في الصحف المحلية بعد المدلولات الجديدة التي ظهرت في خطاب خالد مشعل في القاهرة.
ومن غير المنطقي ايضا القول بان هذه الترتيبات المكثفة لن تنتهي علي اقل تعديل بانفراجات تؤجل المواجهات المفتوحة في ظل ما اتفق علي تسميته بالمأزق الامريكي في العراق، وهو مأزق تحول الي رئاسي امريكي ودفع بالنتيجة بالرئيس جورج بوش لزيارة عمان وقضاء يومين فيها يفترض ان يتخللهما الكثير من النشاطات ومن بينها لقاء المالكي وبحث ملف عملية السلام والادلاء باحاديث صحافية مرتين علي الاقل.
وفي حالة وجود رغبة في تحليل المشهد يمكن التحدث عن محاولات جريئة هذه المرة وسريعة الي حد ما لاحتواء الحرب الاهلية في العراق ولإيجاد صيغة يمكن التوافق عليها للعودة الي المفاوضات في فلسطين وهذه الخيارات تشكل مرحليا استراتيجية اردنية مركزية مدعومة بقوة من السعودية ومن دولة خليجية اخري قوية هي الامارات ومدعومة بكل الاحوال من مصر كدولة مركز وثقل عربي واقليمي.
الهدف من خلايا النشاط هذه يمكن استنتاجه لكن نسبة النجاح في اي مبادرات لصالح الانفراج لا تحددها في الواقع مستويات النشاط وهوية النشطاء بل تحددها مستويات التقاطع بين اصحاب المبادرات وبين المجتمعات والشعوب في المنطقة وعلي اقل تقدير من الواضح ان المؤسسة السياسية الاردنية تفهم وتعي ذلك جيدا.