الصفعــة

حجم الخط
0

الصفعــة

بشير زعبيهالصفعــةلم ندرك نحن الذين كنا داخل المقهي أن ما سمعناه هو بالفعل صفعة.. وتحديدا علي جانب وجه الرجل المحاذي لنا تماما وهو لا زال في نصف انحناءة مديرا رأسه قليلا ناحيتنا كأنه يهيء الجانب الآخر من وجهه لمثلها.. في هذه اللحظة سال خيط دم منحدرا من زاوية الفم عند الجانب الذي اكتسي حمرة كادت تذوب فيها حمرة الدم الذي واصل انحداره نحو أسفل الذقن..بقي الرجل حينا علي وضعه ذاك وهو يسمع سيلا من الشتائم تصدر عن رجل آخر مقابلا له في وضع الجلوس أو كمن يتهيأ للجلوس أو للوقوف وكأنه يسمع تعليمات مكررة ليس أمامها الا الطاعة.. هنا أدركنا أن الصوت الرهيب الذي أجبر الجميع علي الالتفات الفجائي بعيون باحثة هو صوت صفعة وجهها هذا الرجل الجالس عند المنضدة المحاذية لنا الي الرجل المنحني بأعلي جسده نحوه.. كان صوت الصفعة حادا حتي طغي علي ضجيج المقهي المعتاد.. ما أعطي الحادث غرابة أكثر هو استكانة الرجل المصفوع وبقاؤه ساكنا في نصف انحناءته دون تأوه أو حراك حتي أوقف الرجل الآخر سيل شتائمه آخذا وضع الجلوس الكامل ساندا ظهره قليلا الي الوراء علي كرسيه ملوحا في حركة معتادة بقبضة اليد اليسري نحو النادل المشدوه بدوره والذي هز رأسه مستجيبا ثم اختفي بسرعة ليعود بالسرعة نفسها حاملا اليه نارا للنارجيلة.تراجع الرجل خطوتين الي الوراء مبقيا علي وضعه ذاك ثم استدار منسحبا من المكان منكس الرأس.. للحظة انتابني شعور بالحنق علي الرجلين معا.. هذا المتعجرف الذي يجلس في بلادة نافثا دخان نارجيلته نحو السقف وكأن شيئا لم يحدث وذاك المستكين الذي انسحب جارا وراءه الاهانة وحيرة الجالسين دون أية ردة فعل تحسس هؤلاء بأنه قد أهين وانه يرفض هذه الاهانة..ولسبب ما ربما هو تعاطف غريزي، انتابتني وربما آخرين أيضا من حولي حالة غضب رأيت خلالها أنني قادر الآن أن أتوجه مندفعا نحو ذلك الحقير وأصفعه علي الفور وأشتمه بل أركله وأتف عليه دون حاجة للسؤال لماذا يصفع الرجل هكذا ويهينه أو لماذا يسكت الآخر ويتقبل الاهانة بمثل ذلك الذل وينسحب.. لكن ذلك لم يحدث.. فقط ابتلعت حنقي وحاولت أن أعبر عن غضبي واحتجاجي وأنا في مكاني بهز رأسي ناحيتي اليمين والشمال و لم أفلح أيضا فقد تبين لي أن ذلك الاحساس كان زائفا وأن الحقيقي هو شعور بالجبن والعجز لاحظته أيضا في وجوه من تسني لي رؤيتهم من حولي..نهضت تحركني نية مزدوجة ..أولا الهروب من الموقف ومن المكان، ثانيا فضول اللحاق بالرجل ومعرفة ما الذي سيفعله خارجا.. شجعني أنه لم يبتعد كثيرا اذ كان متجها نحو سيارة سوداء اللون تنسدل علي نوافذها من الداخل وزجاجها الخلفي ستائر حاجبة للرؤية.. اقتربت منه وسألته بلهجة ودود متعاطفة ان كان في امكاني مساعدته وحرصت علي أن أبين له انني أعني ما أقول.. التفت نحوي نصف التفاتة دون أن يتكلم لاحظت خلالها أثر الدم المنحدر من زاوية الفم وقد مسح بشكل عشوائي ثم أكمل الخطوات القصيرة التي تفصله عن السيارة.. وقبل أن يهم بفتح بابها الأمامي انهال برأسه علي السيارة وصار ينطح سقفها مرات متلاحقة ثم فتح الباب وفجأة أخذ يصرخ وهو يلوم نفسه ويحملها مسؤولية ما حدث بل ما يحدث معه دائما اذ استذكر وبصوت عال وقائع مشابهة تكررت فيها الاهانة وتكرر معها هذا الموقف السلبي من قبله.. روي في حمي صراخه أنه ولسنوات عديدة كان الخادم المطيع.. الصبور.. الساكت عن كل شيء.. لا يري ولا يسمع فقط الا ما يقول ويأمر به هذا السيد فلماذا يستعبده ويصر علي تقزيمه واذلاله؟.. دلف بنصفه الأعلي داخل السيارة ناحية باب السائق مادا ذراعه باتجاه شيء ما بدا أنه يعرف مكانه ثم سحب نفسه خارج السيارة وقد دس الشيء في جيبه دون أن ينقطع عن الكلام لكن بنبرة مختلفة وكأنه يخاطب نفسه بل انني تصورت أنه يخاطبني وهو يقسم أنها ستكون المرة الأخيرة التي يسمح فيها بمثل هذه الاهانة ويعلن أن قدرته علي التحمل قد تلاشت، وسيثبت لذلك الوغد أنه قادر علي وضع حد لمسلسل الذل هذا وقد اتخذ قراره الآن.. وها هو يتجه عائدا الي المقهي وأنا وراءه أسمعه وأعود خلفه دون أن يعيرني اهتماما كأنني ظل أو شبح لا يراه.. وسخرت من نفسي قليلا وأنا أعيد مشهد ركضي خلفه عندما خرج من المقهي والآن حين أتبعه عائدا اليها.. لكن ذلك الاحساس الزائف عاد ليحول هذه السخرية الي مشروع بطولة.. لذلك قلت له ولا أدري ان كان يسمعني.. نعم ولن تكون وحدك.. أدخل فقط وستري..وعندما دخلت وراءه وأصبحت وسط المقهي خيل اليّ للحظة أنني هو وسأتجه حالا نحو ذلك السافل الذي استقر في جلسته.. يد تحمل كأس الشاي وأخري تشهر خرطوم النارجيلة وكأن ما حدث قد مضي عليه دهر.. غير أنني في الواقع اتجهت بسرعة نحو مقعدي أري من هناك مشهد الرجل وهو في طريقه الي المنضدة المجاورة في حالة بين الحماس والارتباك.. عيناه الآن علي الرجل الذي اذله أمام الملأ قبل دقائق..واذ صار قبالته مباشرة دس يده في جيب سترته وحاول أن يقول شيئا لكنه تلعثم وخرج كلامه تأتأة.. لا بد أنه كان سيعيد ما ردده صارخا منذ حين وسيعلمه علي مرأي و مسمع الجميع أنه لن يتيح له الفرصة منذ هذه اللحظة لتكرار هذا المسلك المهين وأن كل شيء بينهما قد انتهي.. وبسرعة ووسط الرؤوس التي تحلقت حوله وتوتري أنا الأقرب الي الرجلين أخرج يده من جيبه واذا به يحمل مسدسا وفي وقت واحد يطلق صرخة ويطلق معها النار ..لكن باتجاه رأسه هو، فيسقط راكعا عند قدمي صاحب السيارة السوداء ثم يميل ببطء الي الوراء ويقع ملقي علي ظهره فاردا ذراعيه بعينين مفتوحتين ونظرة خلتها وأنا في ذهول وشيء من الرعب المباغت أنها مصوبة اليّ. كاتب من ليبيا يقيم في القاهرة0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية