تجربة في الشقاء الطائر: العراق من تحتنا ومن فوقنا الله والي جانبي ملاك

حجم الخط
0

تجربة في الشقاء الطائر: العراق من تحتنا ومن فوقنا الله والي جانبي ملاك

فاروق يوسفتجربة في الشقاء الطائر: العراق من تحتنا ومن فوقنا الله والي جانبي ملاككانت الخارطة الضوئية الصغيرة علي ظهر الكرسي الذي أمامي. لم يكن خط الرحلة بين امستردام ودبي واضحا. الاصح أنني كنت أفكر بالوقت. لكل واحد منا ساعة رملية، وفي الاعماق يرقد جرس. كانت الخارطة تعتم وتضيء والي جانبي الأيسر جلست فتاة، لم أتبين ملامحها، غير أنها تتكلم الانكليزية بلكنة آسيوية. ملمس ثيابها يشي بأناقتها وصوتها مبتسم. حين أقمت في الدوحة قبل سنوات سحرتني رقة الفلبينيات وشفافية بشرتهن ونصاعة وجوههن وفي السويد أسرني مرح التايلنديات الهادئ، الذي هو مزيج من الخفر والاستفهام والتهذيب والاحترام اما الهنديات فقد رأيت فيهن في المكانين مثالا متقشفا لجمال لا يزول اثره بيسر. استسلمت رفيقة رحلتي للنوم بهناءة مبالغ بها ما أن استقرت الطائرة في سيرها فتذكرت كاواباتا وماركيز وأمجد ناصر. بين النجوم، في عتمة الطائرة، لا أمل لي بالفرار إلا عن طريق لعبة لطالما مارستها: أغمض عيني علي واقعة عاطفية عشتها لأستعيد لذائذها الراقدة في مكان خفي من جسدي. كانت تلك اللعبة هي نوع من كتابة نص لا يقرأ. جمل بصرية تأتي وأخري تذهب. وما بين الذهاب والاياب يطل سؤال واحد لا سواه، صار رفيقي في كل رحلة منذ أن غادرت العراق بشكل نهائي: إلي أين؟ كل مسافة اقطعها هي أرض غربة مضافة تبعدني عن ذلك المكان الذي اتخذ هيئة المعني المطلق لمفهوم البيت: بيتي في بغداد هو المكان الوحيد في العالم الذي يمكن أن انسبه الي. منذ أن غادرته سكنت بيوتا كثيرة لم يحظ أي واحد منها ببركة الياء الملحقة به. لم أجرؤ يوما علي القول: انني ذاهب الي بيتي. بل كنت أردد دائما: انني ذاهب الي البيت. 2أغبط الذين ينامون في السفر. واذا ما كان سفري ليليا فان العتمة خارج الطائرة تزيد من شعوري بالوحدة. الفتاة الآسيوية نامت بعد عدد من الكلمات المتقاطعة التي تبادلناها. كنت مضطرا الي الاعتذار عن سحبي لحزام الامان من تحتها وكانت مضطرة لسؤالي عن الموقع الذي يتم من خلاله تشغيل الموسيقي. ولا شيء آخر. ذهبت الفتاة الي غيابها وأعفتني من التفكير بها جماليا. في تلك اللحظة قفز الي ذاكرتي مشهد الاثاري الراحل وليد الجادر. في عام 1990 كنا معا في طائرة واحدة متجهة من الدار البيضاء الي عمان وفاجأني الجادر بانه حمل معه قنينة ويسكي وكيسا كبيرا مليئا بالفستق السوداني غير المقشر. يومها عرفت أن الجادر هو مثلي لا ينام في السفر ولأن السفرة كانت طويلة فقد قرر أن يكون تقشير الفستق هو وسيلته لقضاء الوقت. لا أدري كم شربنا ولا أدري كم قشرنا من الفستق لكنني أتذكر الان أن شيئا من النوم تسلل الينا بعد أن ضحكنا كثيرا. كانت الخزفيات التي حملها معه من المغرب هي مصدر كل تلك الجمل التأويلية التي قلناها. وهي جمل فنطازية تمزج الحسي بالخيالي بطريقة يبدو معها العالم مرئيا من خلال عيني طفل. وهو ما كأنه الجادر أكثر مني. كل جزء من سلوكه كان يشي ببغداديته النادرة التي صرنا نفقدها تدريجيا. أجمل الاموات هم اولئك الذين تترك ذكراهم ابتسامة لا تمحي. وليد كان منهم، إلي جانب جبرا ابراهيم جبرا وغالب هلسا وشاكر حسن آل سعيد ومحمد القيسي وممدوح عدوان وصاحب الشاهر ومحمد شكري وحسين الحسيني ومحمد شمسي وموسي كريدي وليلي العطار. ولكن رعد عبد القادر يلقي بي في غابة أخري. الشاعر الذي مات بعد أن أوهمني بان هناك أمتارا جديدة ستضيفها قدماه للأرض. لم يكن أمامي وأنا المسهد سوي النظر الي الخارطة. 3لمحت مدنا المانية ومن دولة الجيك رايت برنو فصرت اتخيل شكل تلك الفتاة التشيكية التي جرتني وراءها مستسلما من صوفيا الي مدينتها قبل ربع قرن لأقيم هناك ثلاثة أيام وأنا لا افهم شيئا مما يقال من حولي، ومن العاصمة الهنغارية انتقل خط الطائرة علي الخارطة الي مدن في تركيا. كنت أتذكر المتنبي وهو يقول: كم سألنا ونحن أدري بنجد. وهو عينه سؤال الخارطة. فليست هناك مصائد ولا مكائد ولا أفخاخ. هي حكاية معادة. وفجأة برز علي الخارطة اسم اربكني: موصل. ما معني هذا؟ لقد دخلت الطائرة الاجواء العراقية. صارت اسماء المدن العراقية تتري. فجأة تخليت عن حيادي البصري. انا في فضاء وطني. فوق الارض التي اتمني لو قبلت ترابها. وقد يمنعني الغيم وبعد المسافة من رؤية ذلك المكان الوحيد في العالم الذي ينتسب الي، بيتي. يا لشقائي، وأنا أمر بوطني محلقا. لا فرصة لي بالهبوط. كانت دموعي قد وهبت الخارطة شفافية جعلتني أشعر أنني أنظر من خلال الضباب. كان العراق تحت فيما الله يرعانا من عليائه والي جانبي فتاة آسيوية نائمة تحلم بلقاء عائلتها بعد ساعات. وحين تحركت الفتاة وشعرت أنها قد استيقظت قلت لها بحماسة مجنون: انه وطني. ردت علي بابتسامة بلهاء: وطنك. فكرهتها. جملتها كانت ملفقة فلم تهبني شيئا من العزاء. لم تشاركني أساي. الغبية كدت أقول لنفسي لولا أنني تذكرت أن لغزا حائرا كالعراق يمكنه أن يخترع لابنائه تجارب شقاء لم يمر بها أحد من قبلهم. لم تتوقف دموعي إلا حين قرأت كلمة : فلوجة. ولا أدري لماذا وضعت علي الخارطة والطائرة لا تمر بسمائها ولا هي من المدن الكبيرة التي لا يمكن اغفال المرور من قربها. ولكن مصمم الخارطة كان مخلصا لفطنته. الفلوجة بعد كل ما فعله المحتل الامريكي بها وبعد كل ما جسدته من وعي مقاوم هي ابنة التاريخ. المدينة التي لا يمكن قراءة تاريخ العراق المعاصر من غير المرور بها. المرور بها هو نوع من الحج. لقد رأيت الفلوجة من الجو يقول المسافر فينظر الآخرون اليه بشيء من الانبهار. 4ساعة أو أكثر وأنا أحلق فوق العراق. لقد رأيت بلادي كما لم أرها من قبل. ولم أكن لأتخيل يوما ما أنني سأراها مقيدا بكرسي في طائرة، والي جانبي تجلس فاتنة، تخيلت في لحظة أنها قد اتخذت هيئة عدو. بلادي هناك وأنا أقيم في لا مكان مرتجل، غايته الوصول إلي أي مكان آخر، ينأي بي عن وطني. يهم المسافة أن ابتعد. يهمها أن أكون ضحيتها ونتاجها وفريستها. ولكنني حين قرأت اسم بغداد علي الخارطة الصغيرة صرت امزج الموتي بالاحياء، المقاهي بالشوارع، الحارات بالأسواق، المساجد بالكنائس، حسين مردان بمحمد مهدي البصير، مالك المطلبي بمصطفي جواد، الاعظمية بعقد النصاري، ساعة الطيران بالوزيرية، السراي بمقبرة الانكليز، كعك السيد بالمصور الأهلي، حافظ القاضي بجقمقجي، جواد سليم بالحلاج، سجائر بغداد بسامي مهدي، سليمة مراد بسينما روكسي، الشواكة بطه باقر، خالد الرحال بالعلاوي. كانت لدي تلاقيات لم أعد أتذكرها حضرت بعصفها لكي تكون بديلا عن دموعي. يا لسعادتي بهذا الوطن الغائب. أنا اراه من فوق، هي فرصة له لكي يري واحدا من ابنائه محلقا بين الملائكة. قلت الوطن هو الآخر يشفق علي . ليته يفعل ذلك دائما. العراق بالنسبة لي كان هو الآخر دائما. ما من خطوة القيتها علي الأرض إلا وكان قياسها قربها أو بعدها عن العراق. من الطائرة كان العراق شيئا آخر.شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية