ستة أحداث ودلالاتها
علي محمد فخروستة أحداث ودلالاتها خلال فترة شهر واحد جرت انتخابات ناجحة في البحرين وموريتانيا، وقرّرت جبهة المعارضة في لبنان النزول الي الشارع لاسقاط حكومة اعتبرتها غير دستورية، واتخذت حركة كفاية في مصر قراراً بتجييش الشارع ضد ما اعتبرته محاولات لتوريث الحكم، وهدد مرتضي الصدر بالانسحاب من الحكومة والبرلمان في العراق ان اجتمع رئيس الوزراء بالرئيس الأمريكي، وجرت مشاورات واسعة بين جميع الفصائل الفلسطينية لتكوين حكومة وحدة وطنية ممثلة للكل المجتمع. لسنا هنا في معرض التعرض للجوانب الايجابية أو السلبية، للصح أو الخطأ للحقيقي أو المظهري بالنسبة لهذا الحدث أو ذاك، وانما لرصد بعض الاستنتاجات التي تشير اليها تلك الأحداث مجتمعة:أولاً: ان ماجري كان حصيلة تفاعلات سياسية مجتمعية ذاتية تراكم بعضها عبر السنين كنتيجة لنضالات وتضحيات شعبية هائلة من أجل الانتقال الي المجتمع الديمقراطي. من هذا المنطلق فاننا نشهد في الحقيقة تحولات في سيرورة الديمقراطية السياسية في أرض العرب نحو الأحسن حتي ولو حكمنا علي بعضها بالمحدودية والتواضع. دعنا نذكر أنفسنا بقول سنكلير لويس من أنه بصورة عامة، وبالرغم من بعض الاستثناءات المشينة، تمنح الديمقراطية الانسان كرامة شخصية لم ينلها قط وبالنسبة لنا نحن العرب دعنا لا ننسي قط من أن كل خطوة الي الأمام، مهما كانت صغيرة، نحو ممارسة الديمقراطية سترمم في الشخصية العربية جزءا من كرامتها وانسانيتها التي أهدرت واستبيحت عبر القرون من قبل قوي ممارسي الاستبداد. فالديمقراطية تحتاج الي بشر كرامتهم الانسانية مصانة، لا الي بشر ينخر نفوسهم الخوف والاستعداد لكل أنواع العبودية.ثانيا: ان كل ماحدث كان نتاجاً ذاتياً طبيعياً داخلياً لا فضل في تحققه للادعاءات الغربية، وعلي الأخص الأمريكية من أن التقدم في مسيرة الديمقراطية في المنطقة العربية راجع لضغوط الغرب علي أنظمة الحكم لاجراء الاصلاحات الديمقراطية. والواقع أن العكس هو الصحيح. فالمقاومات الباسلة ضد المشروع الأمريكي الصهيوني وضد رجوع الاستعمار الي وطن العرب قد أرخت القبضة الحديدية لليمين الأصولي الأمريكي علي الحياة الأمريكية نفسها والذي انعكس في نتائج الانتخابات النصفية الأخيرة، وفرضت كذلك اجراء حوارات المراجعة للأهداف الاستراتيجة في داخل المجتمع الأمريكي والتي ما كان لها أن تظهر علي السطح لولا بطولات المقاومة والممانعة في هذه الأمة. ولأن هذه الأحداث ذاتية ونتيجة تفاعلات تاريخية في الأقطار الستة فان تأثيرها علي بقية الأقطار العربية في المستقبل القريب سيكون محسوساً. فالانتصارات الصغيرة ستتراكم لتفجر انتصارات كبري طال أمد انتظارها من قبل الجميع.ثالثاً: ان التشخيص الموضوعي لكل من تلك الأحداث يظهركم هي عميقة ومتجذرة مختلف الولاءات الفرعية في أرض العرب. في بعض الأقطار كانت الطائفية، وفي البعض الآخر كانت القبلية والعائلية هي التي تحكم تلك الممارسات. وهذا أمر طبيعي في وطن لم تستطع مجتمعاته بعد من نقل المشروع النهضوي العربي والمشروع الحداثي الاسلامي من مرحلة الفكر والخطاب والمناقشات الي مرحلة تكوين تيار عام يتبني المشروعين ويدافع عنهما.رابعا: مهما اكبر بعضنا تلك الأحداث ورأي فيها ارهاصات قادمة فانها ستبقي أحداثاً متفرٍّقة وغير مترابطة لأنها لاتندرج في داخل تيار أو حركة جامعة. ولأنها كذلك فهي معرضة للانتكاسات أو للانحراف والذوبان في مستنقع التخلف العربي العام. من هنا الأهمية القصوي لأن لا تقعدنا تلك البشائر الديمقراطية المتواضعة عن الاستمرار، وبشكل متواز، في بناء ماهو قادر علي الاستفادة من تلك الانتصارات الصغيرة لتحقيق انتصارات أكبر وأكثر دواما توصل الي الوحدة والنهضة والحداثة والتقدم. دعنا نوازن بين نشوة الحاضر، وهي نشوة الظمآن الذي بل ريقه، وبين أحلام المستقبل بينابيعه ومياهه المتدفقة. فالطريق طويل ووعر، ويحتاج السير فيه الي بصيص من الأمل.9