أدونيس.. وفك الالتباس بما هو مُلْبِس

حجم الخط
0

أدونيس.. وفك الالتباس بما هو مُلْبِس

محمد عبدالعالأدونيس.. وفك الالتباس بما هو مُلْبِسكتب أدونيس كتابه (الثابت والمتحول) في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، ولا شك أن الكتاب قد أثار مجموعة من القضايا المحورية في الثقافة العربية، وفي ندوته بمكتبة الاسكندرية التي تستضيفه لمدة عشرة أيام من خلال برنامج الباحث المقيم، ومن خلال محاضرته الأولي عرض أدونيس طرق معالجته ومبادئه في مناقشة قضايا التراث والحداثة في الثقافة العربية، وطرح في محاضرته مجموعة من القضايا التي من الممكن تداركها علي كتابه (الثابت والمتحول)، ولكنه لم يتنازل أو يعدل ويناقش أفكاره بقدر ما كان يبحث عن دلائل وتحليل لما يعضد موقفه وفكره، واذا كان رأيه يجنح الي أن التجديد يقوم علي أمرين: أولا: اكتشاف واعادة تشكيل اللغة الشعرية علي المستويين الفني والفكري، ثانيا: انفتاح أفق جديد لأساليب التفكير وبالتالي للبحث والنقد ؛ فان ذلك كله يحتاج الي تفكيك التاريخ بوصفه مجموعة من الأحداث (السياسية والدينية والثقافية) المنتهية جزئيا، اذ أنه علي الرغم من انتهائها فان أسبابها ما زالت عالقة وموجودة (حضورا وفعالية). واذا كان القرآن نص ثقافي ـ كما أشار أدونيس ـ، وليس محض نص مقدس، وعلي الرغم من ذلك، فانه لم يتم مناقشته غير دينيا، حتي ان كل محاولة للكشف عن جوانب أخري غير الشعائر كانت غير ذات جدوي، وكانت دوما تصطدم بالطوق الذي يفرضونه علي الدين، فعلي المستوي الفكري والفلسفي نجد فكرة (خلق القرآن)، وعلي المستوي اللغوي (نجد قضية الاعجاز)، ومن ثم فلم يستطع المسلمون أن يقفوا أمام هذا النص الا كمصدر للفتاوي، وككتاب فقهي وتعليمي، وليس ككتاب مصدر للالهام والفكر والابداع.ولا جدال في أن النص القرآني نص ديني وثقافي في آن، ولكن ثمة فارق في آليات التعامل معه بين كافة المسلمين، وهذا يفرض علينا عندما نقف علي النص القرآني أن نقف علي علاقاته مع النصوص المقدسة الأخري، كذلك الوقوف عليه باعتباره نصا ليس منفصلا عما قبله من ثقافات ـ وليس كما يري أدونيس بوصفه نصا جامعا لما قبله من ثقافات ـ، لأن محض الاشارة الي ثقافات قبله لا تعني أنه كان جامعا لها، حتي وان كانت هذه الاشارات تستحضر الخطاب الثقافي، فان حضورها يبقي محدودا بسياق الاشارة وسياق النص، فهو ليس حضورا متكاملا.أيضا الوقوف علي النص القرآني بوصفه نصا متجاوز للزمنية، وكذلك الوقوف طويلا أمام تفكيك اللغة الوثنية، واعادة بنائها مرة أخري ينطق بها وحي الهي ينقض بها تلك الوثنية، ثم تتحول الي لغة الهية. وقد أشار أدونيس الي انتقال النص القرآني من الشفاهية الي الكتابة، فاعتبر أن وجود النص في صورة مادية قد جعل من هذا النص المرئي سلطة تمارسها المؤسسة الدينية علي الأفراد المنضوين تحتها، ولكن لم يوضح أدونيس هل كان يقصد المفهوم الحديث للكتابة باعتبارها اعادة بناء للنص ومدخلا لفتح دلالته أم أن التحول هنا كان محض تحول في قناة الاتصال، وفي طريقة تلقي النص. وفي حديثه عن كتاب (ديوان الشعر العربي) أوضح أدونيس أن الغاية التي دفعته الي وضع مختارات للشعر العربي كانت هي تجاوز كل من القديم والحديث في آن، لكتابة ما ينتمي اليه بوصفه فردا يعيش فرديته، وانتماءه اليها، والي عالمه في آن، بيد أن مفهوم الزمن الذي يدخل في مصطلحي (القديم والحديث) يبدو كمثل كرة تتدحرج في الفضاء ـ علي حد تعبير ـ أدونيس ـ فلا شيء يتغير، واذا لم يتغير الزمن فكيف لنا أن نصف ما نكتبه بأنه شعر حديث، وهو ـ أي الزمن ـ النظام الذي من خلاله يتغير العالم، والحقيقة أن العالم يتغير في اطار زمني، يتغير داخل مظلة نظام الزمن، ولا يمكن بأي حال أن يكون للنظام سلطة علي الفعل الواقع تحته طالما كانت الغاية هي ذلك الفعل، وليس هذا النظام، لذا فاذا كان مصدر الالتباس بين القديم والحديث لم يكن كامنا في الشكل وتغيراته، لأن هذا المبدأ سيجعل من القديم محض وثيقة وينفي عنه الابداع، لذا فان هذا المعيار مرتبط بما هو خارج الزمن وخارج الفن في آن، وهو ما وجده أدونيس في كتابات النفري التي أزالت هذا الالتباس في أن الشعر هو الشعر فلا معيار !!!، ولعلنا لا نبالغ أن اكتفاء أدونيس بهذا التعبير وهذا التوضيح قد فض الالتباس بما هو مُلْبِس. أما في حديثه عن حداثتنا التي لم تحسم صراعاتها بعد، فقد تجاهل أدونيس ما تراءي من استفسارات حول وضعية الحداثة الآن، فبعد صراعها مع ما هو ثابت في المجتمع فانها قد استطاعت الدخول نسبيا في اطار المؤسسات، وهل كان دخولها لمؤسسات النظام انتصارا لها علي هذه البني السياسية والثقافية المتخلفة، أم كان نجاحا من المؤسسة في احتواء المراوغة الدلالية للحداثة، فأخذت منها ظاهر الحداثة لتكتسب هي الأخري ثوبا حداثيا مع جوهر متخلف، وأعطت تلك الأخيرة شرعية الوجود المؤسساتي، وما هي الضوابط التي دخلت علي أساسها للمؤسسة، هل كان دخولها مبادرة منها فاستخدمت المؤسسة لتحقيق غايات التواجد، وهل محض التواجد هو جوهر الحداثة أم أن المؤسسة كانت هي المبادرة؟؟!! لا شك أن أدونيس قد طرح في محاضرتيه ما هو جديد، وكان هذا الجديد واقعا تحت تأثير فكره حول الانسان والعالم والوجود، فكان محض تأكيد لما قاله من قبل ولكن عن طريق مجموعة من القضايا الجديدة والمحاور البحثية التي طرحها لا ليعدل ويضيف وانما ليؤكد علي ما قاله من قبل. ناقد مصري معيد بكلية الآداب ـ جامعة المنوفية0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية