فوضي في مواجهة فوضي
فوضي في مواجهة فوضي ظلت لجان التحقيق والبحث عن أسلحة الدمار الشامل، الدولية تكيد للعراقيين عقدا ونيف. جابت فرقها بلاد الرافدين طولا وعرضا، ودخلت الثكنات والجامعات والدوائر الرسمية والمقرات الحكومية، وفُتحت لها أبواب القصور وغرف نوم الحكام، ومثل أمامها كل من رغبت في أستجوابه، وتحققت من محتويات المخازن وأتلفت منها بصورة كيفية ماشاءت، ودخلت المصانع والمعامل وأغلقت بعضها منعا لانتاج حرّمته اعتباطا.كان العراقيون، طيلة هذه المدة يحبسون أنفاسهم بانتظار ما سوف تتضمنه تقارير لجان التحقيق والتفتيش. يعيشون علي وقع تواترها، يحاصرهم الموت، مواد مشعة، احتوتها ذخائر، ترسّبت في ماء النهر، وقصف جوي أستهدف محطات تكرير المياه ومولدات الطاقة الكهربائية، وحظر فرضه العالم المتحضر عليهم، ونار فحمّت الأجساد في ملجأ العامرية.وعندما جاء في أحد هذه التقارير، أن الدولة العراقية تخبئ الأسلحة، وان الخبراء الدوليين غير راضين عن تعاونها معهم، عادت الطائرات الامريكية لتقصف ما بقي في العراق من معامل للمواد الغذائية. وعندما أعلن المفتشون في آخر تقاريرهم أنهم لم يعثروا في العراق علي قنابل نووية أو جرثومية أو كيميائية، عارضتهم الادارة الامريكية وأرسلت وزير خارجيتها الي مجلس الأمن ليقدم أمام أعضائه معلومات أستخباراتية موثقة برسوم متحركة، زعم أنها تدحض الاعتقاد بخلو العراق من أسلحة الدمار الشامل. لم يقدم الوزير الامريكي في مداخلته يومها ما يثبت بشكل مقنع اتهاماته، وبالتالي لم يقتنع بها أحد، حتي من بين الذين قبلوها وتبنوها، وحتي هو نفسه لم يكن مقتنعا بها كما صرّح بذلك بعد أن ترك منصبه.هل أنجزت اللجان الدولية مهمتها في العراق؟ ألا يحق للعربي أن يسأل عن نتائج هذه المهمة، قبل أن يُجبر علي قراءة تقارير لجان جديدة أوكلت اليها الأوضاع في لبنان وفي السودان؟ ماذا قدّمت الولايات المتحدة للعراقيين، وماذا قدّمت للفلسطينيين؟ صحيح أن المشكلة الأساسية في المنطقة العربية، هي الصراع المستمر علي السلطة، منذ يوم السقيفة، ولكن الاستقواء بقوة الولايات المتحدة وبدباباتها وصواريخها ليس حلا له وليس خروجا مرضيا منه، بدليل أن الفلسطينيين موزعون اليوم في محميات متباعدة، وان العراقيين يتجاذبون بلادهم في عتمة نفق طويل.لقد صار مستوي التقارير الدولية، والحكومية الغربية بشكل عام، من حيث الصياغة والمضمون، مماثلا لمستوي خطابات الرئيس الامريكي، ولمستوي بيان وزير خارجيته باول أمام مجلس الأمن، قبل أيام من غزو العراق. أي لا جدوي من قراءتها أو من الاستماع اليها، ولا فائدة من الموافقة عليها. فكل تقرير سيعقبه تقرير آخر. هذا ما تؤكده علي الأقل منذ 11 أيلول (سبتمبر) 2001، تجارب العائلات العربية الحاكمة وجميعها بلا استثناء كانت سلبية الي أبعد الحدود. عماد سالم درويشرسالة علي البريد الالكتروني6