نعوم تشومسكي في كتابه: بين إرهاب أمريكا و 11 ايلول (2 من 2)

حجم الخط
0

نعوم تشومسكي في كتابه: بين إرهاب أمريكا و 11 ايلول (2 من 2)

الارهاب عقيدة رسمية للولايات المتحدة ويقوم علي استخدام الوسائل القسرية ضد المدنيينالحديث عن حرب حضارية يخدم السياسيين.. وامريكا دعمت نظام سورهاتو المسلم.. ووهابية الرياضنعوم تشومسكي في كتابه: بين إرهاب أمريكا و 11 ايلول (2 من 2)قراءة د. سعيد بوخليط نشرت دار النشر الملتقي إلي سوق القراءة والتفكير، الترجمة العربية للحوارات التي أجراها المثقف والمفكر الأمريكي الكبير نعوم تشومسكي Chomsky، مع مجموعة من وسائل الإعلام الدولية بخصوص رأيه في ما وقع يوم 11 ايلول (سبتمبر) بالولايات المتحدة الأمريكية، وكذا مختلف الحيثيات والسياقات التي يمكن أن تساعد علي تأويل موضوعي للحدث.نعوم تشومسكي Chomsky، كما يعرف الجميع، لا يدخل في خانة المثقفين العاديين، فهو أحد الرموز المؤسسة للدرس اللساني الحديث من خلال تطويره لنظريته في النحو التوليدي، وباحث رصين في الابستمولوجيا وتاريخ العلم، ومفكر في مجموعة من القضايا الفكرية والسياسية. ثم بين ذلك كله مناضل تقدمي، يقف إلي جانب نضالات الشعوب المستضعفة من أجل الحرية والديموقراطية. يفضح باستمرار وفي كل مناسبة، التوجهات الاستعمارية والإمبريالية للتحالف الأمريكي الصهيوني، خاصة حيال قضيتنا الفلسطينية.أجري تشومسكي Chomsky هذه الحوارات عبر البريد الإليكتروني مع صحافيين ينتمون لوسائل إعلام أمريكية وأوروبية، بعد الهجوم الذي وقع في 11 ايلول (سبتمبر) 2001 علي مركز التجارة العالمي ومقر الدفاع الأمريكي البنتاغون. فإليك أيها القارئ أهم الإشارات القوية:أشار تشومسكي Chomsky بداية، إلي استثنائية يوم 11 ايلول (سبتمبر) في منظومة الوقائع الدولية، حيث لأول مرة تتم مهاجمة أمريكا في عقر دارها. لذا، فالمقارنة مثلا مع أحداث بيرل هاربر يبدو فيها نوع من التشويش والتضليل التاريخيين، لأنه في 7 كانون الاول (ديسمبر) 1941، هوجمت القواعد العسكرية الأمريكية في مستعمرتين أمريكيتين ولم يتم المساس بالأراضي الأمريكية.الارهاب عقيدة رسمية لدولة مثل أمريكا، يكرر تشومسكي بشكل متواتر بين طيات أجوبته. كما أنه يدخل في اطار الاستراتيجيات اليومية لمخططات مشاريعها السياسية. تصور يقوم علي: استعمال الوسائل القسرية التي تستهدف المدنيين بقصد تحقيق غايات سياسية دينية أو غيرها (ص 50).في تساؤل لأحد الصحافيين، وقد افترض فعلا وقوف بن لادن وراء 11 ايلول (سبتمبر)، فماذا يمكن قد توخاه كأهداف من وراء ذلك؟ أي ما هي الاحتمالات التي وضعت كنتائج للحدث ذلك اليوم ؟ يجيب تشومسكي اعتمادا علي آراء وانطباعات الصحافي روبرت فيسك الذي التقي بن لادن لمرات عديدة، بأن هذا الأخير يعبر عن شعور الغضب العميق ضد التواجد الأمريكي في السعودية، والفظاعات الجسيمة التي ترتكب يوميا ضد شعوب المنطقة، وبالخصوص ما يقع للفلسطينيين واللبنانيين وكذا العراقيين.لكن رغم ذلك، فان تشومسكي يشكك في سيناريو 11 ايلول (سبتمبر)، مستغربا أن يكون كل ذلك من تخطيط رجل اسمه أسامة بن لادن، يعيش في مغارة ما من جبال أفغانستان: ان بن لادن كان صادقا عندما صرح بأنه لا يعرف شيئا عن العملية (ص 52) لكن في المقابل، لا يمكننا الا الاقرار بتورط شبكته بطريقة من الطرق في ضرب أمريكا.حتي وان كانت استراتيجية ابن لادن لا عقلانية وهيستيرية، أدت الي نتائج عكسية علي فقراء ومضطهدي المنطقة، كما حدث مع الفلسطينيين بعد 11 ايلول (سبتمبر)، فانه حينما يتحدث عن نظام فاسد كما هو الأمر مع النظام السعودي وباقي الأنظمة المترهلة الأخري علي امتداد المنطقة العربية، وتوظيفه لخطاب مقدس، فان ذلك، لا يمكنه الا دغدغة مشاعر المستضعفين، ويحوله الي بطل رمزي بل أسطورة خاصة اذا تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من تصفيته جسديا.لا خلاف اذن، في أن تعبئة وتقوية، وكذا تجييش، القوي الاسلامية المتطرفة سواء في مصر أو باكستان وفرنسا… ترتبط أساسا بالحكومات الأمريكية ومخابراتها. ومن مفارقات التاريخ، أن هذه الحركات الجهادية: بدأت علي الفور باغتيال الرئيس المصري أنور السادات (1981)، وهو واحد من القياديين الأكثر حماسا لتكوين هذه القوات وحشدها في الجهاد ضد الروس (ص 53). ثم في موقع آخر، فان ضباط CIA أنفسهم، هم من ساعد علي دخول المتطرف المصري الشيخ عمر عبد الرحمن الي أمريكا عام 1990، بعد أن كان متابعا من قبل الحكومة المصرية بتهمة الارهاب. ثم سيتورط في تفجير المركز التجاري العالمي سنة 1993، اعتمادا علي الخطط التي تعلمها كتب التدريس في CIA والتي من المفترض أنها زودت بها الأفغان الذين يحاربون الروس. كانت الخطة تشمل نسف مبني الأمم المتحدة ونفقي لينكولن وهولاندة وأهداف أخري. أدين الشيخ عمر بالتآمر، وحكم عليه بسجن مديد (ص 54).الاختيار القانونيظل تشومسكي، يدافع عن الاختيار القانوني لكي تعاقب أمريكا أصحاب عملية 11 ايلول (سبتمبر)، مشيرا كنموذج، الي طبيعة دور فعل الحكومة البريطانية أمام تفجيرات الجيش الجمهوري الايرلندي بمدينة لندن. فالوصول الي معادل واقعي وحقيقي للعدالة، يفترض أساسا معرفة الأسباب والدوافع الحقيقية التي تؤدي الي ارتكاب مثل تلك الأعمال.منطق أمريكا التوتالتاري، معي أو ضدي في ما يسمي حربها علي الارهاب تحت شعار: انضموا الينا أو واجهوا الدمار (ص 67) والذي كررته خطابات بوش باستمرار، يعني في مضمره: اعلان حرب ضد معظم سكان الأرض (ص 56). لعبة تفتقر لأدني التبريرات السياسية وستنتهي حتما بالانسانية الي الكارثة الكبري، مع استفحال لكل مشاعر الحقد والعماء الفكري والتعصب، فلا بد من الدفاع الي آخر رمق، لكي يسود القانون العلاقات الدولية.لا يهم أمريكا أن تكون الأنظمة ديموقراطية والشعوب متحررة. بل تبتغي أساسا تمرير سياساتها عبر هذه الأنظمة، لكي تحافظ علي مصالحها. لقد تحول رجل مثل صدام حسين، بين عشية وضحاها الي أكبر نظام فاسد في التاريخ، لأنه في لحظة ما انقلب علي أمريكا وتمرد علي أوامرها.علي قوة مثل أمريكا، أن تكون منسجمة مع نفسها اذا كانت تتوخي سلاما حقيقيا لهذه الكرة الأرضية. كما أنه من غير: المنصف نوعا ما أن نلوم مواطني الأنظمة الطاغية والوحشية التي ندعمها علي عدم تحملهم هذه المسؤولية، بينما نحن لا نقوم بمثل هذا رغم ظروفنا الأكثر ملاءمة (ص 57). يقصد تشومسكي، بذلك مسؤولية الشعوب العربية في الوقوف جديا، لكي تتخلص من أنظمتها التي تشكل عاملا أساسيا في توالد الارهاب.في حقيقة الأمر يمكن التأكيد بأن الموقف من 11 ايلول (سبتمبر)، حتي وان أفرز ردود فعل تستنكر في مجملها بشاعة الجريمة فان ذلك لا ينفي أيضا امتزاجها بمشاعر السخط والغضب من الحكومات الفدرالية الأمريكية، نظرا لسلوكاتها الاحتقارية تجاه مجمل شعوب العالم. ماذا فعلت نيكاراغوا أو كوبا أو فيتنام الجنوبية…؟ هل مارست تلك الشعوب في يوم من الأيام سلوكا مؤذيا بأي شكل من الأشكال لأمريكا؟ رغم ذلك تعرضت لشتي أنواع الاجتثات. أما في أندونيسيا، فان الجيش الذي دعمته أمريكا سنة 1965 في الاستيلاء علي السلطة: اقترف مجزرة راح ضحيتها مئات الآلاف من الناس معظمهم من الفلاحين المعدمين. وهي مذابح شبهتها الـ CIA بجرائم هتلر. ان المذبحة التي وثقت بدقة، خلفت ارتياحا لا حد له في الغرب وفي وسائل الاعلام المحلية وفي أماكن أخري. ان القرويين الأندونيسيين لم يؤذونا بأي شكل (ص 59). يجزم تشومسكي. فهو يرفض قتل المدنيين الأبرياء، تحت أي مبرر، حتي لو كان تحت يافطة هذه الدعوة العبثية المسماة محاربة الارهاب. ففي بلد مثل أفغانستان، لا يمكن للناس تحمل ظروف أكثر قسوة من تلك التي يعيشون في ظلها.ارهاب مضاد!ان دولة ارهابية بامتياز مثل أمريكا، غالبا ما تبرر سلوكها بكونه ارهابا مضادا ، حتي تعطي مشروعية لما تقوم به. لقد اعترفت ذات يوم وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت، بخصوص تساؤل يتعلق برأيها حينما يموت أكثر من نصف مليون طفل من أطفال العراق، نتيجة تطبيق نظام العقوبات: ان مثل هذه العواقب كانت خيارا صعبا لحكومتها، ولكنها قالت : نحن نظن أن المقابل يستحق ذلك (ص 56 ـ 66). أقصي تجليات الميكيافيلية السياسية، فالغاية تجد دائما مبررات لذاتها.من جهة أخري، سعي تشومسكي في اجاباته الي تمحيص القاموس الذي تداوله السياسيون منذ واقعة 11 ايلول (سبتمبر). فالحديث عن تأويل، يشير الي حرب حضارية كما قد يبدو الأمر: كلام دارج، ولكنه ذو معني فقير (ص 71). ويسرد تشومسكي في هذا السياق بعض الأمثلة والوقائع التي تدحض مقولة التصادم الحضاري. فأكبر بلد اسلامي مثل أندونيسيا، ظل يتمتع بأفضلية خاصة لدي الولايات المتحدة الأمريكية منذ استلام سوهارتو الحكم سنة 1965، الرجل الذي ذبح ملايين الفلاحين المعدمين، وسيرته تفوح دما وفظاعة. فقد ظلت أمريكا تساعده وتدعمه، ولم تشكل هنا اسلامية أندونيسيا أي عائق. كما أن بلدا اسلاميا آخر، مثل السعودية يقوم علي وهابية متشددة، ظل منذ الثلاثينات، حليفا أساسيا لأمريكا والغرب ومخبرا لا يمكن الاستغناء عنه.يجب التذكير في كل آن، بأن أمريكا هي التي سلحت ودربت القوي الاسلامية الأكثر تطرفا، بالتعاون مع المخابرات الباكستانية، و بدعم من السعودية وبريطانيا لمحاربة الاتحاد السوفييتي. فكان بن لادن ولادة طبيعية لذلك.كما دعمت أمريكا سنوات الثمانينات نظام صدام حسين وقوته علي حساب ظهور حقيقي للمجتمع المدني العراقي. وفي التسعينات انحازت أمريكا الي مسلمي البوسنة ضد الصرب. وقبل ذلك حاربت أمريكا الكنيسة الكاثوليكية بأمريكا الوسطي، لا لشيء الا لأنها تبنت: الخيارات المفضلة نحو الفقراء (ص 72)، نتيجة ذلك: مئتا ألف من المعذبين والمشوهين وملايين من الأيتام واللاجئين وخربت أربعة بلدان (ص 72).وقائع أخري تنفي صفة التحضر والمدنية عن المجتمعين الأمريكي والأوروبي، مما ينفي كذلك هذا التقابل العرقي بين الهمجــــيين البربريين والمتحضرين.علي المجتمع المتحضر، أن يحتكم فعليا وعمليا لمعايير القانون والحكمة السياسية، حتي ولو مارست الأقوام الأخري سلوكا مجحفا في حقه. لذا يدعو تشومسكي مواطني المجتمعات الغربية الي استخدام نفوذهم لتوجيه القوي العظمي نحو مسار آخر مختلف كلية (ص 73). يجب وقف اتساع دائرة العنف وتجفيف منابع هذا اليأس والاحباط الذي يسري مثل النار في الهشيم، خاصة مع تصاعد الأزمات الاقتصادية وانسداد الآفاق الاجتماعية عند أغلب شعوب الجنوب.يؤرخ بريجنسكي، مستشار الرئيس كارتر في شؤون الأمن القومي البداية الحقيقية لصعود قوي التطرف الأصولي الي سنة 1979. حينما جيشت ودربت المخابرات الأمريكية CIA، بالتعاون مع مصر وباكستان والاستخبارات الفرنسية مجموعة من المرتزقة تنتمي لشبكات ارهابية بدعم مالي سعودي. ابتدأوا حربهم بأفغانستان علي القوات الروسية، بـ 100 ألف مقاتل أتوا من بلاد مختلفة، من بينهم بن لادن الذي انخرط في شبكات لجمع الأموال قصد دعم المقاتلين الأفغان. بعد انتهاء الحرب هناك، انتقلوا الي مناطق أخري. حيث دشنوا هذه المرحلة الجديدة باغتيال أنور السادات عام 1981، وهو الذي كانت له مساهمة فعالة في تقوية وجودهم، ثم توسعت أنشطتهم الي افريقيا الشمالية والشرقية والشرق الأوسط والبلقان وآسيا والصين الغربية وجنوب شرق آسيا وكذا الولايات المتحدة الأمريكية. دول تدافع عن مصالحها عندما تدعم ارهاب واشنطنان انخراط مجموعة من الدول بسهولة تامة، الي جانب أمريكا في حربها ضد الارهاب، لا يعدو أن يكون مجرد بحث عن مصالح سياسية. والحصول علي دعم أمريكي، بخصوص حروبها مع قواها المعارضة. تكفي الاشارة الي دول مثل روسيا وتركيا والسعودية ومصر …، مما سيؤثر علي الضمانات المتعلقة بحقوق الانسان. ومن جهة أمريكا، فان ما يهمها أساسا، الحفاظ علي المنابع الاقتصادية الحيوية: التي تضمن الوصول الحر للأسواق المهمة، ومصادر الطاقة والموارد الاستراتيجية (ص 105).بقدر ما يؤكد تشومسكي علي أن أمريكا لا تنظر الي الاسلام نظرة عدوانية، بل العكس هو الصحيح، وبأن نمط الحياة الغربية لا يهدد الجنس البشري في شيء، نظرا لانطوائه علي عناصر متنوعة كثيرة جدا، تبناها كذلك العالم الاسلامي لفاعليتها وايجابيتها. فانه، ينفي نفيا باتا، امكانية العثور علي دلائل عملية وبراهين واقعية بخصوص تورط شخصي لأسامة بن لادن فيما وقع يوم 11 ايلول (سبتمبر) 2001. لذلك، حينما طالبت أمريكا من جماعة الطالبان تسليمها بن لادن أكدوا بدورهم علي ضرورة تقديم أدلة ملموسة بهذا الخصوص والا فلا داعي للالحاح عليهم بهذا الأمر. يورد تشومسكي، في هذا الاطار شهادة لـ أروندهاتي تقول فيها: ان استجابة الطالبان للولايات المتحدة الأمريكية بتسليم بن لادن كانت بدون شك معقولة : قدموا لنا الدليل، وعندها سنسلمه . فكان رد الرئيس بوش علي ذلك أن الطلب غير قابل للتفاوض (ص 96). اذا كان لهذا الطرح من مشروعية، وتوخينا الدفع بهذا التحليل الي أقصي حدوده المعقولة، فعلي أمريكا كذلك تسليم الهند : المسؤول عن تسرب غاز Bhopal الذي راح ضحيته 16000 شخص عام 1984 (ص 96). أي الأمريكي وورن أندرسون، في نفس المنحي ذاته: طلبت الحكومة الهايتية من الولايات المتحدة أن تسلمها إيمانويل كونستانت وهو واحد من أكثر قادة التنظيمات الحربية وحشية، عندما كانت حكومات بوش الأب وكلينتون (خلاف الكثير من الأوهام) تقدم دعما سريا للعصابة الحاكمة وأنصارها الأغنياء. كونستانت حوكم غيابيا في هايتي وحكم عليه بالسجن مدي الحياة، لدوره في المذابح. فهل سلم؟ (…) لقد كان قائدا بارزا في مذبحة حصدت حوالي 5000 شخص (ص 97). أمثلة وأخري، تثير حفيظة الرأي العام وتفقد كل عقل صوابه.ان الكره المتزايد لأمريكا، وحتي يعرف ساستها : لماذا هم مكروهون جدا ؟ ليس لأنهم يحمون بالجلد والسلاح قيم الليبرالية والتنوير والعقلانية… مثلما يبتغون شحن جماجمنا في كل آن، ولكن لأن وحشهم الاقتصادي يدوس حقنا في الحياة بلا رحمة!!!نعوم تشومسكي : الارهاب، حالة 11 ايلول (سبتمبر) 2001 دار الملتقي، الطبعة الأولي 2003.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية