تحضيرا لباريس 3: ما الاصلاحات المطلوبة في لبنان؟

حجم الخط
0

تحضيرا لباريس 3: ما الاصلاحات المطلوبة في لبنان؟

د. لويس حبيقةتحضيرا لباريس 3: ما الاصلاحات المطلوبة في لبنان؟ يمر لبنان اليوم في فترة اقتصادية صعبة بسبب دمار الحرب والأوضاع السياسية المتشنجة. قصفت اسرائيل خلال الصيف الماضي كل ركائز الاقتصاد اللبناني بدءا من اليد العاملة الي قطاعات الأعمال وسائر مقومات البنية التحتية والفوقية. تنظر اسرائيل بقلق الي لبنان كمجتمع متنوع نجح الي حد بعيد في تحقيق التعايش بين عدد من المذاهب والتيارات السياسية والفكرية. لا ترتاح الي وجود لبنان متنوع وحيوي الي جانبها، اذ هذه هي المنافسة الحقيقية التي تواجهها وترغب في الانتصار بها. لم يكن الواقع الاقتصادي مريحا قبل الحرب لكنه أصبح اليوم أكثر خطورة. الاقتصاد اللبناني هو في سباق حقيقي مع الوقت.لذا يعول الكثير علي مؤتمر باريس 3 لانقاذ الاقتصاد من أوضاعه الحالية. يحتاج لبنان ليس فقط الي تعزيز النمو وتخفيف الفقر بل الي تعميم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. حسنا فعلت مؤسسة نوبل هذه السنة باعطاء جائزة السلام للاقتصادي محمد يونس ومصرفه. تشير هذه الرسالة الي أهمية التنمية في تعزيز استتباب السلام واستمراره ضمن تحديات العولمة والانفتاح. شعر يونس منذ عقود انه من غير الممكن نقل بلده بنغلادش من واقعها الصعب الي مستويات اقتصادية أفضل مع وجود طبقة فقراء واسعة الانتشار. لذا قام عبر مصرفه غرامين باقراض الفقراء من نساء ورجال كي يدخلوا الي قطاع الانتاج والاقتصاد الحر. لا يمكن للسلم الأهلي أن يتعزز في لبنان بوجود عدد كبير من الفقراء والمشردين والمهجرين والعاطلين عن العمل. يحتاج لبنان الي الأموال السريعة والكافية لاعادة بناء بنيته التحتية. يحتاج الي الأموال للتعويض عن الوحدات السكنية المدمرة في بيروت والمناطق. لا يمكن للاقتصاد أن يتعافي الا اذا توافرت أموال البناء بسرعة.يقع لبنان في منطقة جغرافية صعبة من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية. من المتوقع أن يبلغ عدد سكان المنطقة 385 مليون نسمة في سنة 2015، أي بزيادة سنوية قدرها 2.12% بدءا من سنة 2000. لا شك أن هذه النسبة هي من الأعلي في العالم مما يساهم في تأخر المستوي المعيشي الفردي النسبي. تشير هذه الزيادة الي الضغط الذي سيحصل بالنسبة للوحدات السكنية، وبالتالي الي امكانية ارتفاع الأسعار فوق قدرات الطبقات المتوسطة. ستبلغ نسبة اليد العاملة حوالي 62.3% من السكان مما يؤكد علي سيطرة عنصر الشباب علي التوزع السكاني. كما تشير النسبة الي الدخول المتزايد للمرأة الي سوق العمل. ما يدعو للقلق هو ارتفاع نسبة البطالة التي تصل الي 28% في الجزائر و 12% في مصر و 15% في كل من الأردن وتونس والي نسب لا تقل عنها في لبنان مع غياب الاحصائيات الدقيقة.ما زال نمو الناتج المحلي الحقيقي العربي ضعيفا باستثناء الدول الخليجية النفطية. سينمو لبنان سلبا هذه السنة بسبب الحرب والبطء في تطبيق الاصلاحات. ستنمو الجزائر بحدود 3% ومصر بـ5.6% والأردن بـ6.6% والمغرب بـ4.4%. ساهم ارتفاع أسعار النفط منذ سنة 2000 في السماح لدول المنطقة بانشاء بعض المشاريع وتمويل المزيد من الاستهلاك. الا أن أسعار النفط بدأت في الانخفاض ومن الضروري اعادة النظر في الانفاق لترشيده. ما يقلق بالنسبة للمستقبل هو تباطؤ زيادة الانتاجية الاقتصادية التي تعتبر مصدر البحبوحة علي المدي الطويل. تحتاج مؤسسات الدولة اللبنانية العامة وليس الحكومة فقط الي توسيع نظرتها للتنمية بحيث تتعزز الديموقراطية وتتنوع السياسات المطلوبة لتشمل الشؤون الاجتماعية والأخلاقية والبيئية والادارية بالاضافة الي الاقتصادية. هنالك نظريات عديدة بشأن التنمية اولاها تقول بأن الدول النامية لا تحتوي علي مؤسسات عامة فاعلة تعمل بشفافية لمصلحة الشعب. هذا صحيح في لبنان اذ لم يستطع مجتمعنا منذ زمن افراز قيادات واعدة ومؤسسات عامة قوية وسليمة. لا يمكن لأية دولة استيراد المؤسسات أو هيكلياتها، اذ لكل مجتمع خصائصه الموروثة. حاولنا في لبنان استيراد مؤسسات عامة من الغرب وخاصة فرنسا، لكننا لم نستطع جعلها فاعلة ومفيدة كما هو الحال في دول المنشأ.من انجازات الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ التسعينات سيطرتها علي التضخم الذي وصل في الثمانينات الي مستويات مرتفعة جدا. يحتاج لبنان الي الكثير من الاصلاحات لمواجهة التحديات وتلبية مطالب اللبنانيين الراغبين في العيش الكريم. لا يمكن للبنان أن يتجاهل التحديات المالية والحقيقية التي تضعف بنيته وتؤثر سلبا علي ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة كما تقلق اللبنانيين بالنسبة للمستقبل. يحتاج المجتمع البناني أولا الي قراءة ودراسة موازنتي 2006 و2007، اذ من غير المقبول أن نصل الي هذا الوقت من السنة دون موازنات مقرة. أي برنامج اصلاحي يقدم الي باريس 3 يجب أن يحصل علي موافقة الحكومة ومجلس النواب ويناقش داخلهما. أي برنامج اصلاحي يقدم الي الخارج يجب أن يعلن رسميا في الداخل، أي يقدم الي اللبنانيين حتي يدعموا المواقف التي ستعلن. يجب أن نتجنب أخطاء باريس 2 ونتعلم من هذه التجربة حتي يكون باريس 3 ناجحا ليس فقط في انعقاده وانما أيضا في نتائجه الكبيرة والخيرة علي الاقتصاد واللبنانيين.يحتاج لبنان عبر مؤتمر باريس 3 الي هبات لأن امكانية الاقتراض ضعيفة جدا مع عجز مالي متزايد ودين عام يوازي أكثر من ضعفي الناتج المحلي الاجمالي. هل يستطيع لبنان الحصول علي هذه الهبات وهل تكفي هذه الأموال، اذا ما أتت، لانقاذ الاقتصاد؟ هنالك عطف كبير علي لبنان وعلي ما آلت اليه أوضاع اللبنانيين، وبالتالي من المرجح أن يمنح لبنان أموالا كافية للاعمار والبدء بمسيرة النهوض. يجب أن ترتكز السياسات الحكومية التي ستقدم الي المؤتمر علي المواضيع التالية:أولا: تخفيف العجز المالي المزمن الذي ازداد بسبب الحرب. كان العجز المالي أحد أهم أسباب الأزمات النقدية الحادة التي حصلت في العديد من دول امريكا اللاتينية وشرق اسيا (بلغ العجز نسبة للناتج المحلي قبل الأزمة 4.5% في كل من أندونيسيا والأرجنتين و 4.7% في فنزويلا). الحلول معروفة من ترشيد انفاق ووقف للهدر وتحصيل للضرائب والرسوم. لن نستطيع انقاذ وضعنا المالي دون مساعدات سخية من الدول الشقيقة والصديقة. فهل تأتي في الوقت المناسب؟ تخفيف العجز يتطلب القيام باصلاحات ادارية تصبح أصعب في الظروف السياسية الحالية المتشنجة. تؤثر هذه النزاعات السياسية الادارية علي صورة الدولة ومصداقية المسؤولين عنها وتساهم دون شك في زيادة قلق اللبنانيين وفي تفكيرهم المتزايد بالهجرة.من الضروري أن تبتعد ادارتنا العامة عن شفير الهاوية تبعا لوصف التقارير الرقابية. ازدياد العجز المالي يعني ازدياد حجم الدين العام وبلوغه مستويات قياسية تتحدي المنطق وتجعل الحلول أكثر صعوبة وتكلفة تماما كما حصل في امريكا اللاتينية وآسيا. بلغت نسبة الديون الخارجية من الصادرات قبل الأزمات حوالي 225% في أندونيسيا و175% في الهند. أما نسبة الديون الخارجية القصيرة الأجل من الصادرات فبلغت 60% في البرازيل و50% في تايلاند و 38% في الأرجنتين. من الضروري أن يخفف لبنان من نمو الدين العام أولا عبر معالجة مشكلة العجز المالي وثم عبر الحصول علي مساعدات وثالثا عبر الخصخصة.ثانيا: الخصخصة التي تشكل العمود الفقري لأي مشروع اصلاحي حقيقي. تأخر لبنان في تطبيق هذه العملية بسبب السياسة والأوضاع الأمنية كما بسبب سوء ادارة هذه الملفات عبر الزمن. ما فعلته دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق كان مدهشا في حجمه وسرعته. في سنة 1990 كانت حصة القطاع الخاص من الناتج 30% في بولونيا و 10% في كل من التشيك وسلوفاكيا وبلغاريا وأوكرانيا. بفضل الخصخصة ونمو القطاع الخاص وتطوره، أصبحت حصته في سنة 1998 حوالي 65% في بولونيا و75% في كل من التشيك وسلوفاكيا و65% في بلغاريا و55% في أوكرانيا. أما في روسيا، فانتقل القطاع الخاص من دور محدود جدا في الاقتصاد في سنة 1990 (5%) الي دور مميز خلال 8 سنوات (70%). حققت هذه الدول عبر تقنيات متنوعة ايرادات كبري (خاصة في سلوفاكيا وبولونيا وبلغاريا ورومانيا) ساهمت في معالجة مشاكلها المالية. فهل يعجز لبنان عن تطبيق ما فعلته الدول المذكورة منذ عقد ونصف؟ثالثا: الاصلاحات الضرائبية والتي تهدف الي زيادة الايرادات وجعل الأنظمة أكثر فعالية وعدالة. لم ينجح لبنان في تحصيل الضرائب المباشرة علي الشركات بسبب النظام المعتمد والتهرب والفساد والرشوة والتواطؤ بين الفريقين. تعادل تكلفة تحصيل الضرائب المباشرة الايرادات المحققة منها خاصة فيما يتعلق بأرباح الشركات. هذا مرفوض لكنه واقعي ولم تنجح أية حكومة في السيطرة علي المشكلة. نجح لبنان في تطبيق الضرائب غير المباشرة وفي مقدمها الضريبة علي القيمة المباشرة. لا يمكن أن نلغي الضرائب المباشرة، لذا يجب أن نفكر في لبنان في نسبة الضريبة الواحدة والثابتة علي الدخل الفردي وأرباح الشركات دون أية اعفاءات أو تصاعدية؟ استونيا كانت أول دولة أوروبية تطبق هذه الضريبة فجعلت النسبة 26% علي دخل الأفراد وأرباح الشركات، تبعتها 8 دول بينها لاتفيا ولتوانيا وثم روسيا (نسبة 13%) فسلوفاكيا (نسبة 19%).رابعا: التعليم الذي له حدود اجتماعية واقتصادية مهمة. المطلوب مراقبة نوعية التعليم ليس فقط من قبل الدولة وانما أيضا من قبل الجمعيات المهنية وحتي القطاع الخاص. يجب التركيز علي نوعية العلوم التي كانت أساس نجاح دول شرق آسيا (خاصة تايوان الصينية وسنغافورة). يحتاج لبنان كما كل دول المنطقة الي تطوير مناهج العلوم في المدارس والجامعات بحيث تزداد انتاجية العمل وتتحسن نوعية الانتاج. تشكو ألمانيا اليوم من ضعف التجدد والابتكار في صناعاتها وشركاتها عموما. تواجه الصناعات الألمانية منافسة شرسة من الدول الآسيوية التي تعطي انتاجا ممتازا بتكلفة أقل. تحتاج الصناعات الألمانية أكثر فأكثر الي عوامل انتاج خارجية حيث زادت نسبتها في القطاعات المصدرة من 30% في سنة 1995 الي 39% في سنة 2002. ما ينقص المانيا هو الرابط القوي بين الجامعات ومعاهد الأبحاث من جهة والقطاع الخاص من جهة أخري. المطلوب تشجيع المبتكرين الأفراد علي الدخول الي أسواق الانتاج والمنافسة عبر الابداع. اليست هذه التحديات نفسها التي نعاني منها في لبنان؟خامسا: الاقتصاد اللبناني حر منذ نشأته. هنالك بين الحين والآخر أصوات منغلقة تطالب عن حق أو باطل بالحمايات والاقفال وتحديد بعض الواردات والصادرات. من الممكن فهم هذه المطالب في ظروف صعبة كالتي نعيشها اليوم، الا أن أية سياسات انعزالية يجب أن تكون مؤقتة بحيث لا تؤثر مستقبلا علي الاستثمارات. لم تنجح الصين في استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة الا بعد ان حررت اقتصادها وانفتحت علي العالم وحدثت قوانينها ومؤسساتها. زادت قيمة الاستثمارات في الصين من 0.9% من المجموع العالمي في سنة 1980 الي 1.1% في سنة 1985 الي 1.3% في سنة 1990 الي 4.6% في سنة 1995 والي 6.3% في سنة 2002. تحقق النجاح الاستثماري الصيني في منتصف التسعينات. فهل نعجز في لبنان عن نسخ تجربة عمرها أكثر من عقد من الزمن؟كي ينقذ مؤتمر باريس 3 لبنان، علي الحكومة أن تكون جاهزة له أي تعلن بأسرع وقت برنامجا شفافا متكاملا تسوقه في المؤسسات العامة وشعبيا. هذه فرصة كبري للبنان لا يمكن التفكير باضاعتها بسبب سوء التحضير أو الاهمال. الكفاءات موجودة داخل الحكومة والادارة، لذا لا بد من الاسراع في تحديد السياسات التي يمكن للبنان تنفيذها تعزيزا لثقة الخارج والداخل بمستقبله.ہ كاتب من لبنان8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية