ماذا يجري في بيروت؟
الياس خوريماذا يجري في بيروت؟نستطيع تحليل اسباب التظاهر والاعتصام بقيادة حزب الله في بيروت، نستطيع ان نقرأ الصراع الاقليمي وانهيار التوازن الذي انتج تسوية الطائف، وانفكاك التحالف السوري ـ السعودي في لبنان في شكل دموي. نستطيع امنيا ان نقرأ الدور الايراني الاقليمي المتعاظم، والتراجع الامريكي والكارثة العراقية، كما نستطيع اخيرا قراءة نتائج حرب تموز العدوانية الاسرائيلية علي لبنان والصمود الكبير للمقاومة واثر ذلك علي التوازنات اللبنانية الهشة التي رست بعد انتفاضة الاستقلال.كما نستطيع اخيرا قراءة ايقاعين اعتراضيين في لبنان، الاول دموي تمثل في مسلسل الاغتيالات الوحشية المستمرة منذ الثاني من حزيران (يونيو) يوم اغتيال الكاتب والصحافي سمير قصير، والثاني سياسي يتجسد في قرار حزب الله وحلفائه اسقاط الحكومة اللبنانية.هذه القرارات ممكنة وضرورية ربما، ويجب ان نضيف اليها تعثر المشروع الاستقلالي في بناء اتفاق وطني كان متاحا او ممكنا بعد 14 اذار (مارس) 2005. لكنها لا تجيب علي سؤال يؤرقني، ويؤرق الكثير من اللبنانيين، هو لماذا تنهار الرموز بسرعة في البلد الصغير، ولماذا تتفكك اللغة السياسية وتتآكل القيم؟ كأن الساحة اللبنانية، كانت مختبر انهيار الرموز والقيم السياسية والثقافية في العالم العربي.لم يبدأ الرمز المقاوم الذي جسدته المقاومة الاسلامية يتشكل، حتي بدأ في التآكل، وتحول جزءا من خريطة الزواريب الطائفية اللبنانية؟ اين الخطأ؟ واين الصواب؟ هل اخطأت المقاومة ام ان التآكل هو مصير كل شيء في الوطن الصغير، الذي تشكل في وصفه مرآة للشرق العربي.السؤال هو عن ارتطام الرمز بالواقع، هل الخلل في الرمز ام ان الواقع اللبناني المتشابك كفيل بتحطيم كل الرموز؟صحيح ان لبنان في حربه الاهلية الطويلة، خاض حربا بالرمز ضد الرمز، شكلت كل فئة لبنانية مرجعيتها الرمزية المستقلة. رمزية كمال جنبلاط واجهتها رمزية بشير الجميل، ورمزية موسي الصدر انقسمت الي نصفين، وكادت ان تغيب، ورمزية رفيق الحريري تواجهها اليوم رمزية حسن نصر الله، والي آخره..غير ان اللافت في التجربة اللبنانية مع الرموز، ليس قدرتها علي تحطيم رموز قادة الاحزاب والطوائف اللبنانية فقط، بل قدرتها علي المس برموز وطنية عربية كبري، من رموز المقاومة الفلسطينية التي انهكتها حروب الزواريب في بيروت، الي رمزية المقاومة الاسلامية، التي تجد نفسها اليوم عاجزة عن التعالي علي الزواريب نفسها.قد نقول مع الكثيرين ان الخطأ يكمن في الواقع اللبناني، وهذا ما ذهب اليه بعض الاكاديميين في تحليلهم للتجربة الفلسطينية في لبنان. ناهيك عن بعض التحليلات اللبنانية، التي اعتبرت ان جوهر مشكلة لبنان يكمن في الآخرين الذين استخدموا لبنان كساحة.اثبتت التجربة خطأ الافتراضين، فحال الفلسطينيين اليوم في الضفة وغزة ليس افضل من حالهم عندما كانت القيادة والقوة العسكرية في بيروت. كما ان حال لبنان بعد الخروج الفلسطيني عام 1982 ازدادت سوءا مثلما ازدادت حروبه وانقساماته شراسة وعنفا.هل يعني هذا ان الخطأ في الرمز؟لا يستطيع المجتمع ان يعيش بلا رموز واساطير، فالرمز ضرورة للحياة، وحين تكون مواطنا عربيا، في بلاد منتهكة ومحتلة، فان رمز المقاومة ضروري، ولا يغيب. الخطأ قد يكون اذا في طريقة استخدام الرمز من اجل حسم ما لا يمكن حسمه بالقوة العسكرية. هذا ما حاولته الحركة الوطنية اللبنانية، ثم حاولته القوي اليمينية عبر تحالفها المهين مع الاحتلال الاسرائيلي، سقط الحسمان وسقطت رموزهما لان الساحة، هذا اذا قبلنا بافتراض ان لبنان مجرد ساحة، ليست اطار حسم.توظيف الرمز العربي الكبير الذي صنعته المقاومة الاسلامية في حرب تموز (يوليو)، من اجل حسم المسألة السياسية اللبنانية، واعادة ادراج لبنان في المحور السوري ـ الايراني، لن يقود الي الحسم، بل سيقود الي بداية تآكل الرمز. لا ادري لماذا وقع حزب الله في هذا الخطأ، هل هو وهج الصمود؟ ام الحساب السياسي المتسرع؟ ام البنية السياسية ـ العسكرية التي جعلته عاجزا عن الاستقلال عن الاجندة الاقليمية؟ما يجري في بيروت اليوم، ليس اكثر من تكرار لما سبق للمدينة ان شهدته، انه تآكل بناء رمزي لحظة ولادته، وعجز عن استثمار انجازه العسكري، وغرقه في وحل الانقسام الطائفي اللبناني.قد يقال ولكن المقاومة الاسلامية تحمل في داخلها بذور هذا الغرق، قد يكون هذا صحيحا، لكنه لا يعفي القادة من مسؤولية الصعود الي شجرة عالية لا يدرون كيف ينزلون منها.انها المفارقة الجحيمية التي استطاعت من خلالها بيروت ان تهزأ من نفسها ومن ابطالها.وهذا ما تشهده ساحة رياض الصلح اليوم. تكرار لـ 14 اذار (مارس)، ولكن من دون افق، وازمة سياسية مفتوحة قد تكون الاخطر في تاريخ لبنان الحديث.0