ليس دفاعا عن الأستاذ هيكل

حجم الخط
0

د. صبري حافظ

فليس الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل في حاجة إلي دفاع. فللرجل إنجازه الذي لا يضاهي، وهو من أعلي الهامات في مجاله لا في مصر وحدها، بل في العالم الواسع من ورائها. وهو أحد القلائل الذين أخلصوا لفكرهم السياسي ـ مهما كان اختلاف البعض معه ـ ولشرفهم المهني. وإنجاز الرجل كبير كبير بأي معيار من المعايير ويشكل صرحا شامخا لن تنال منه مثل تلك السفاسف. ولكن الذي دفعني للرد علي هذا المقال الركيك للدكتور عماد عبدالرازق هو أنني حقا من أشد المعجبين بأحاديث الأستاذ هيكل في الجزيرة، إلي الحد الذي استحضرت معه مهندس تركيب الدش ليزود تلفزيوني بوصلة تمكنني من تسجيل هذه الحلقات، كي يشاهدها ابني فيلم بتاريخه القريب. كما أن ما دفعني لكتابة هذا الرد هو التجني وسوء الفهم الذي يعمر القسم الثاني من مقال عماد عبد الرازق، والذي لا بد إذا ما أردنا أن نرد للكلمة مصداقيتها وللمعرفة دورها أن نتوقف عنده ونصححه، حتي لا تمر الأمور علي عواهنها، خاصة وأن المقال صدر في زاوية فضائيات التي تتناول هذا المجال الحديث من النقد الفني. وهو مجال يحتاج إلي تأسيس قواعده وضوابطه كأي مجال نقدي جديد.

وليس التجني وسوء الفهم الذي يعمر المقال قاصرا علي الربط بين مفيد فوزي والأستاذ محمد حسنين هيكل، فأين الثري من الثريا؟ ولكنه يمتد إلي الإخفاق كلية في فهم حلقات مع هيكل باعتبارها فتحا حقيقيا جديدا في مجال الإعلام المرئي، يرتقي به إلي أعلي مستويات الإسهام المعرفي الرصين في مرحلة ما يصطلح عليه دارسو الإعلام الآن بمرحلة ما بعد الجزيرة. وإذا كان الدكتور عماد لا يعلم، فإن العالم الثالث كله حاول منذ منتصف السبعينات وحتي نهاية الثمانينات ومن خلال منظمة اليونسكو أن يكسر هيمنة الغرب ـ بوكالات أنبائه الخمس الكبري ـ علي مصادر الأخبار وأجندتها، وأن تنشئ اليونسكو إدارة لحرية تدفق المعلومات، ووكالة للأنباء تقدم رؤية مغايرة للعالم، وأجندة مختلفة للأخبار فيه. فما كان من الغرب بزعامة الولايات المتحدة إلا أن أعلن الحرب علي اليونسكو، وتوقف عن تمويلها لسنوات، ولم يرض بأقل من الإطاحة بأمينها العام ـ أحمد مختار امبو ـ الذي جرؤ علي مجرد التفكير، ثم التخطيط لكسر احتكار الغرب للأخبار باعتبارها أداة هيمنة، وسلاحا من أهم أسلحة الحرب الباردة في ذلك الوقت. هذا هو ما حققته الجزيرة حينما انتهزت فرصة تغير المرحلة التاريخية، والتقنيات، وأدوات الاتصال وبزوغ الفضائيات، وتمكنت من تحقيق ما أخفق اليونسكو في تحقيقه، إلي الحد الذي تغيرت معه طبيعة المرحلة كلها، وحاولت فيها الولايات المتحدة قصف الجزيرة كما نعلم. في مرحلة ما بعد الجزيرة تعد أحاديث الأستاذ هيكل في الجزيرة احدي أبرز علامات هذه المرحلة، ليس فقط لأن هذه الأحاديث تؤسس مفردات الذاكرة التاريخية العربية في مرحلة يعاني فيها عالمنا العربي من فقدان الذاكرة وفقدان المشروع معا، ولكن أيضا لأن هذه الأحاديث التي يصفها المقال تجنيا بأنها حديث مصاطب هي أبعد ما تكون عن هذا الوصف المتجني الركيك، لأنها تشكل أحد أرقي نماذج التحليل العلمي الرصين، والذي يتسم في الوقت نفسه بجاذبية السهل الممتنع. كما أنها تشكل نقلة نوعية في طبيعة الأحاديث والمذكرات التاريخية. ليس فقط لأن الأحاديث لا تقل عمقا ورصانة عن أي محاضرة أكاديمية يتحقق فيها التوازن بين البناء النظري، وعمق التحليل، والمادة الوثائقية التي تدعم الوقائع والاستنتاجات، ولكن أيضا لأنها استطاعت استخدام التقنية البصرية الحركية الجديدة لتحويل المادة التاريخية والوثائقية إلي مادة شيقة ومشوقة معا. كما أنها ـ وهذا ما فات الدكتور عماد كلية ـ تحيل الماضي إلي مرآة للحاضر. فالأستاذ لا يفوت فرصة للمقارنة بين الماضي والحاضر إلا وأحال إليها، كي تصبح الذاكرة التاريخية التي يستنقذها من عوادي النسيان أداة فاعلة في الحاضر. وكي يري المشاهد معها وعلي ضوئها واقعه بعيون جديدة.

ولنتوقف عند حديث الخميس الماضي الذي أذيع في نفس اليوم الذي ظهر فيه المقال المتجني. لقد بدأ الحديث باستحضار مفهوم التحقيب السياسي والتاريخي عند المؤرخ الانكليزي الكبير إيريك هابسباوم، ليكون هو العماد النظري الذي ينهض عليه تناوله للمرحلة. ثم أضاف إلي هذا الظهار النظري ظهارا تصوريا لا يقل عنه أهمية هو الهندسة التصورية عند أحد أبرز المعماريين المعاصرين وهو نورمان فوستر. وانطلق الحديث ليبني فوق هذين المهادين النظريين تناوله المقارن للمواجهة التي يمهد لها بين جنرال أمريكي، هو الجنرال أيزينهاور وكولونيل مصري هو البكباشي جمال عبد الناصر، فرصد أوجه الشبه في خلفيتيهما الاجتماعية البسيطة، والتباين في إعدادهما المعرفي والعسكري، فشتان بين ويست بوينت والكلية الحربية المصرية. لكن التباين الأكبر كان في كيفية وصول كل منهما للسلطة في بلده. لمن يريد أن يعرف كيف تتداول السلطة، ودور رأس المال فيها. وإذا كانت كل هذه التماثلات والتضادات قد فاتت اللبيب، فلا بد أن المقارنة المباشرة بين وثائق أيزينهاور التي أفرج عنها، والتي وثق حديثه بمقتطفات كثيرة منها ـ وكأنها الهوامش والملاحق الوثائقية في الدراسة الأكاديمية الجادة ـ وبين عدم وجود أي وثائق مماثلة حتي في أكثر أمورنا مصيرية، مثل محادثات كيسنجر التي قامت عليها كثير من متغيرات تاريخنا الدرامية لم تفت الدكتور عماد الذي يتهم الأستاذ ظلما بأنه لا يطال أعمدة النظام أو مراكز القوة، وهو الذي تعرض للسجن لخلافه مع السادات، ناهيك عن موقفه الشجاع ضد التوريث في مصر الآن. فمعظم أحاديث الأستاذ هيكل، برغم انشغالها بالماضي هي أحاديث موجهة للحاضر، ترهف ذاكرتنا التاريخية حتي نستطيع التعامل معه بشكل عقلي ونقدي معا، وتكشف لنا عن أن التاريخ حينما يعيد نفسه فإنه يعيد نفسه لا علي شكل مأساة كما كان الحال في المرة الأولي، وإنما في صورة مهزلة، وهي المهزلة التي نعيشها الآن في عالمنا العربي، لا علي الصعيد السياسي وحده، ولكن علي جل الأصعدة الأخري والتي يعد مقال الدكتور عماد بتجنيه وأخطائه أحد تجلياتها في مجال النقد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية