في كتاب عم يتحدثون؟ لمصطفي القباج: الاحتفاء برواد الفكر المغربي المعاصر
الطاهر الطويلفي كتاب عم يتحدثون؟ لمصطفي القباج: الاحتفاء برواد الفكر المغربي المعاصراختار المفكر المغربي محمد مصطفي القباج أن يجمع عددا من الدراسات والمقالات التي نشرها خلال فترات متفاوتة في دوريات مغربية وعربية، وأن يصدرها بين دفتي كتاب يحمل عنوان عم يتحدثون؟ نظرات في فكر أعلام من المغرب المعاصر (205 ص من القطع المتوسط).منذ البداية، يعلن المؤلف عن الدافع من وراء اصدار هذا الكتاب، قائلا انه لاحظ ـ من خلال رصد ما ينشره الباحثون في رحاب الجامعات علي وجه التحديد ـ أن الاهتمام يرتكز علي صنف خاص من المفكرين والمبدعين، هم الذين تلتفت اليهم أنظار الأوساط الثقافية، سواء في الفضاء الأوروبي أو في فضاء المشرق العربي، لما يتناولونه من طروحات نظرية تدخل في اطار المشاغل الفكرية أو السياسية الراهنة الآنية، أو الاشكالات المثارة في الأوساط الأكاديمية، وغالبا ما تأخذ بألباب الجمهور الواسع كموضات أو تقليعات، في حين يُهمَـل الباحثون والمبدعون الذين يتناولون موضوعات مسكوت عنها أو مُهمَشة، علي الرغم من أنها تكتسي أهمية من حيث مضمونها وأبعادها، موضوعات لا تكون وراءها مقاصد ايديولوجية أو دعائية، ولكنها تدخل في صميم معركة بناء الأمم وتفعيل وعي المواطنين.علال الفاسيأول مفكر يتوقف عنده محمد مصطفي القباج بالتحليل والتمحيص هو علال الفاسي، عبر استقراء مسألة الحرية في فكره وممارسته. فبعدما يستعرض الاطار السياسي العام الذي تبلور في ضوئه النسق الفكري لهذا الزعيم والأديب، ينتقل الي تبيان المناخ المعرفي والمذهبي الذي مثل روح ذلك النسق، فيشير الي أنه كان مُركَـبًا من أصلين تراثيين: الملكية والسلفية ـ وخاصة السلفية الجديدة ـ مقرونة بتفتح كبير علي ثقافات العصر، سواء ذات الخلفية الايديولوجية الاشتراكية أو الخلفية الليبرالية.ثم يعكف المؤلف علي رصد تجليات مفهوم الحرية لدي علال الفاسي ونظرته اليها سواء قبل استقلال المغرب أو بعد الاستقلال، موضحا أن المفكر الراحل عمد الي القيام بعملية تقويم بَعدي وباستعمال المنهج المقارن بين النظرتين الاسلامية والغربية للحرية، حيث وقف طويلا علي المستجدات الفلسفية لعصر التنوير، ابتداء بديكارت وانتهاء بهيغل. ويري القباج أن علال الفاسي كان يهدف الي التدليل علي عدم كفاية النظريات الفلسفية لاندلاع الثورة التحريرية، فهي ـ في تقديره ـ لم تمهد وحدها لقيام الثورة التحريرية، لكن جماهير الشعب التي كانت تحس بالألم وتشعر بضرورة التحرر هي التي اتخذت من أصوات أولئك الكتاب والشعراء مزامير تحذوها الي الزحف المقدس.ويخلص المؤلف الي القول ان النظرات الاسلامية التي عرضها الفاسي في طيات كتبه المختلفة، جعلت نسقه الفكري نسقا سجاليا وليس نسقا دوغمائيا ، لاثبات أن الاسلام هو دين الحرية، وهو بذلك يعادل الأنساق الفكرية الكبري في المشرق وفي المغرب، مما يعطيه حضورا واستمرارا دائمين، وستبقي أفكاره ضمن النماذج المرجعية الكبري الأصيلة.محمد المكي الناصريبعد ذلك، يخصص الكاتب محورا للحديث عن التكوين الفلسفي ودوره في صياغة الفكر التنويري لدي محمد المكي الناصري، مركزا علي جانب من المسيرة التكوينية للأستاذ الناصري في مجالات الفلسفة والآداب، وكذا أثر هذا الجانب في فكره التنويري ومنهجه التربوي في المجالات التي عمل فيها؛ وهو ما يوضحه المؤلف علي النحو التالي:ـ في مجال التعامل مع التراث، سلك الناصري طرق التبليغ الواضح، وتناول موضوعاته تناولا متعدد الأبعاد المعرفية، واستعمل في الدفاع عنه الأساليب الفلسفية المنطقية.ـ في مجال العمل التعليمي، استفاد من تكوينه الفلسفي والبيداغوجي، وأثر فيه أيما تأثير المنهج السقراطي التوليدي وبناء الأَقْيِسَة المنطقية ودروس السيكولوجيا، خاصة في تحليل مَلكات الادراك والذكاء ومركبات الشخصية.ـ في مجال العمل السياسي، استفاد من دراسة تاريخ وفلسفة الاغريق (البلد الذي أبدع أسس النظام الديمقراطي) وكذا دراسة فلسفات العقد الاجتماعي، ولا سيما فلسفة جان جاك روسو التي كانت هي أساس النظريات الدستورية.ويتطرق المؤلف الي نظرة الناصري للاصلاح الديني، مشيرا الي أنها قامت علي ثلاثة دعائم: دعامة الاصلاح الاعتقادي، دعامة الاصلاح الفكري، دعامة الاصلاح الخلقي.ويستنتج أن الخلفية الفلسفية في تكوين الناصري وفرت له الأدوات المنهجية والرصيد المعرفي المستعمل في المباحث الفقهية والدينية، مما جعل فكره فكرا تنويريا تحديثيا، وملتزما في الوقت نفسه بصفاء الايمان وعمق الاعتقاد.عبد الهادي بوطالبفي قراءته لكتاب العالم الاسلامي ومشروع النظام العالمي الجديد ، يشير القباج الي أن صاحب هذا المؤلَف عبد الهادي بوطالب يعتبر أن العالم الاسلامي كيان خاص مُهيَأٌ للاسهام في بناء النظام العالمي الجديد؛ وأنه يدعو المسلمين الي اقناع الغرب الأمريكي والأوروبي بضرورة الانخراط في الحوار الدولي عملا بمنطق العصر، وبمنطق الغرب نفسه الذي يروج لمفاهيم التعددية والحق في الاختلاف وحقوق الانسان…الخ. ويلاحظ القباج أن بوطالب يحذرنا من اطلاق الأحكام السلبية في حق الغرب، خاصة الأحكام المبنية عن جهل أو المترتبة عن تسرع، باعتبار أن حوارنا معه ينبغي أن يتناول جوانب قوته، دون تصيد جوانب ضعفه أو تحقيرها.ويتوقف عند التوجه التفاؤلي الذي يسم كتاب عبد الهادي بوطالب، من حيث توقه الي قيام نظام عالمي جديد، من الممكن (رغم كل المقاربات التشاؤمية لدي عدد من المفكرين ورجال الاقتصاد والسياسة) صياغته سياسيا وقانونيا لضبط العلاقات الدولية، بغية جعلها متوازنة ليسود السلم ويتفرغ الناس بعد الملاسنات والمواجهات للعمل التنموي الجاد، اقتصاديا واجتماعيا وفكريا، من أجل اسعاد بني البشر.محمد عزيز الحبابييفرد المؤلف للمفكر الراحل محمد عزيز الحبابي مبحثا خاصا تحت عنوان من الشخصانية الواقعية الي الشخصانية الغدية ، فيوضح أن الشخصانية ليست فردانية، وهذا ما يميزها أساسا عن الفلسفة النيتشوية والوجودية، ولا سيما شقها السارتري الملحد، انها فلسفة الأفراد وقد تحولوا الي شخوص ينصهرون في تركيب حركي ويؤسس الأفعال الأصيلة للشخص وأهمها تجاوز الذات الفردية نحو الآخرين.ويلاحظ أن الحبابي يعتمد في البرهنة علي واقعية شخصانيته علي السيكولوجيا والسوسيولوجيا؛ هذان العِلمان اللذان يحاولان صياغة الواقع واجراء التجارب والتحقيقات عليه. ويضيف قوله ان الشخصانية الواقعية تريد أن تكون التزاما وتربية، تقوم علي تدخل فعال ليستيقظ الانسان الجاثي في أعماق كل كائن. ويشير الي أن الحبابي دعا الي بعث جديد للشخصانية الاسلامية عن طريق مراجعة شاملة لواقعنا قصد فهمه وتغييره، وذلك من خلال بُعد مجتمعي ثقافي يأخذ بعين الاعتبار ما وصلت اليه الحضارة من تقدم، وبُعد آخر ابداعي مستقبلي تُجنَد من أجله كل الطاقات لتحرير الشخص، حتي يتفتح شعوره علي كل الآفاق.أما في ما يتعلق بمواصفات فلسفة الغد التي كان يحلم بها محمد عزيز الحبابي فهي ـ كما يحلل القباج ـ فلسفة يكون مضمونها عبارة عن تركيب لكل المعارف، وبهذه الصفة تتواري النسقية المغلقة، كما أنها تأخذ مصداقيتها من حضورها الفعلي في العالم، ووعيها بمحدوديتها، وهي كذلك فلسفة لا تستوعب وقائع التطور الحالي فقط، بل وتعطي أيضا لهذه الوقائع معني يدمجها في انعاش مجموع الناس. اضافة الي ذلك، علي فلسفة الغد أن تستهدف التضامن الكوني، وأن تحفز الناس علي أن تكون تصرفاتهم تأخذ بعين الاعتبار البعد الكوني. وما يصدق علي الأشخاص يصدق علي الدول.عقب ذلك، ينتقل المؤلف الي تحليل الجانب الابداعي لدي الحبابي من خلال ديوانه بؤس وضياء . ويقول بهذا الخصوص: ان الفلسفة الشعرية أو شعر الفلسفة عند الحبابي ضَرْبٌ من الشيء الذي تحيط به عناية الفكر، انه المادة الأدبية لمنقولات العقل، ومنبع الانطلاق، فمن الحرية ومقابلاتها لكل وضع غير مشروع، ومن الأمل الذي يختفي ليظهر من جديد، نحاصر البؤس فنحجب عنه النور. من هذا كله، يتشكل الانفراد الأدبي عند الحبابي. ومن جهة أخري، يذكر أن التغني بالانسانية وحبها قد ساد في الديوان سيادة جعلت منه قصيدة موحدة.عبد الكريم غلابيتأسس منظور عبد الكريم غلاب للثقافة والمثقفين ـ وِفْقَ تحليل محمد مصطفي القباج ـ علي أن الثقافة هي الحياة، وأن المثقف حي ما دام ارتباطه بالثقافة يتطور بتطورها ذاتها، ليكون عمله نتيجة اجهاد ومجاهدة واستبطان واعمال فكر وقلب وضمير، مما يعني أن الثقافة عمل وفكر ومسؤولية وقيمة نضالية في سبيل الحرية. ويؤكد المؤلف أن غلاب نفسه يجسد العلاقة بين الثقافة والحرية، فتجده في كل صعيد وفي كل لقاء حريصا علي أن يكون حرًا في التعامل مع أفكار الآخرين. ثم يبدي القباج ملاحظة في شكل سؤال، اذ يستفهم عن موقف غلاب من طروحات غرامشي المتعلقة بالمثقف العضوي. ويقول: لا أدري هل استوعب صاحبنا هذه الطروحات، لأنه لو استوعبها لأدخل الكثير من النسبية علي ما قاله بصدد العلاقة بين الثقافة والسياسة من جهة، وقضية الثقافة والاندماج من جهة أخري. ويختتم بالتأكيد علي أن غلاب مثقف ملتزم تعلمنا علي يده، طيلة عقود عدة، ما معني النضالية الفكرية، وأدركنا جدوي العمل الثقافي، سواء في اطار الاجتهاد الشخصي أو في اطار العمل الجمعوي ، علي حد تعبيره.مرثياتيضم كتاب عم يتحدثون؟ في صفحاته الأخيرة مرثيات سبق للمؤلف محمد مصطفي القباج أن ارتجلها أو صاغها عند رحيل بعض الأعلام المغاربة، ومنها نجتزئ العبارات الدالة التالية:ـ قاسم الزهيري: كان يلاحق الأحداث والأفكار والمهام بنظرات فاحصة تنم عن فكر غير متساهل، لا يستكين ولا يقتنع بيُسر .ـ محمد أبوطالب: كان يفضل الفعل علي الكتابة، كان يميل ميلا شديدا الي ثقافة الفعل لا الي ثقافة المكتوب والمقول، لايمانه بأن تغيير الواقع يأتي بالفعل المؤثر لا بالكلام والوعظ .ـ محمد القاسمي: كنا نحس بأن لوحاته تتضمن قلقا وجوديا، ليس مرده الي أزمة أو قلق شخصي، وانما الي رغبته الملحاحة في الارتقاء بوجوده الي الوجود الفاعل وذي الدلالات القوية .وعَوْدًا علي بدء، يمكن القول ان القباج باصداره هذا الكتاب، يكون قد احتفي بثماني علامات بارزة في الثقافة المغربية، وبذل جهدا محمودا في ايفائها بعض ما تستحق من التقدير والعرفان بالجميل.كاتب من المغرب0