التشكيلي السوري زياد دلول: وحي نوستالجي خارج حدود الفكر والنظر!

حجم الخط
0

التشكيلي السوري زياد دلول: وحي نوستالجي خارج حدود الفكر والنظر!

نديم الوزةالتشكيلي السوري زياد دلول: وحي نوستالجي خارج حدود الفكر والنظر!ولد زياد دلول في مدينة السويداء عام 1953، درس التصوير والزخرفة والحفر في كلية الفنون ـ جامعة دمشق، وفي المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية ـ باريس وحصل علي دبلوم الدراسات المعمقة من جامعة باريس الثامنة. عمل بين عامي 1980 ـ 1984بتكليف من وزارة التربية في الجزائر علي تأليف أربعة كتب لبرامج التربية الفنية للمدارس الجزائرية، وبين عامي 1982 ـ 1984 عمل أستاذاً للفنون في المعهد التكنولوجي لمدينة الجزائر، ليغادر بعد ذلك الي باريس ويقيم فيها نهائياً منذ 1984 وحتي الآن..هذه السيرة المتواضعة ـ المنقولة بتصرف طفيف من الكتاب الفاخر الذي أصدره المركز الثقافي الفرنسي بدمشق في تشرين الأول (اكتوبر) 2006 بمناسبة المعرض الذي أقامه المركز لدلول قد لا تدل علي شيء ذي أهمية لولا أن لوحات صاحبها وحفرياته تعيد اليها الاعتبار علي أساس من الروابط والعلائق المفتقدة منذ البداية طالما أنها علائق نافرة الملامح والرؤي، ولا سيما في حفرياته المتمركزة أساساً علي أسماء مدن بعينها، ليتبدي من خلالها وعي الفنان أو لأقل تحصيله العلمي لما تم انجازه ومجاراته لهذا الاختزال للبصر من أجل افساح المجال لأكبر مساحة للعقل والتفكر، لولا أن هذا لم يجعله مغامراً الي هذا الحد من الثقة التي يمكن رؤيتها في أعمال فنان ايطالي عمل علي هذا الاختزال بجدية صارمة ويدعي فاوستو ميلوتي 1901 ـ 1986، اذ علي الرغم من أن قلة من أعمال زياد دلول فقط تذكرني بهذا الفنان الايطالي، وعلي الرغم من أنني لم أر فيما رأيته من أعمال دلول أي ذكر لهذا الفنان أو أي ذكر لأي مدينة ايطالية، وعلي الرغم من ان الاختزال سمة من سمات الغرافيك والزخرفة عامة، الا ان حضور ميلوتي يظهر حتي في ألوان دلول، في تشكيلاتها، وتقابلاتها، وبشكل لافت في موضوعة الكرسي… لتبقي اقتراحاته ـ اقتراحات ميلوتي أمضي حدة وجرأة في طرح اللون وسط مساحات بيضاء أو خالية، لتتجاوب بذلك مع أفكاره الواضحة في استقراء الفضاء الحداثوي وتجرده مقابل امتلاء الطبيعة وازدحام المدن.هذا الوضوح في الأفكار والرؤي لدي فاوستو ميلوتي قد لا يتبناه زياد دلول صراحة، ليس لأن ميلوتي هو ابن اللعبة أصالة لا التجاء كما هي حال دلول وانما لأن هذا الأخير يعكف علي مقاربات قد تبدو تقليدية في هذا التضاد بين هيكلية المدن الغربية والشرقية لولا أنه يبدي تفهماً ملحوظاً ـ قد لا أدري مدي أهميته الآن ـ لاقحام السماء من قبل الغرب وانطلاقه الي الفضاء مبرزاً استقراء هندسياً له مقابل حجارة المدن العربية بتكتلها وظلال جدرانها وارتكاسها الي ما يشبه ظلمة الكهوف ربما.. لكن لأعد الي فكرة زياد دلول الأصلية والتي ألمحت اليها بداية لايضاحها الآن بالقول: انها تتأسس علي وحي نوستالجي بامتياز، وهذا الوحي قد لا يناقض رؤية ميلوتي وحسب، وانما قد يبعث برسائل ساخرة الي الأشكال السريالية وسذاجتها عبر ما تتضمنه لوحاته من جوانية رؤاه الحالمة حين استدعاؤها للنظر اليها بالعين المجردة. فأن تفترض قراءة المدن، أو استنطاقها بصرياً، عقلانية ما أو تفكراً هندسياً لمسار الكتل والخطوط، شيء قد لا يستجيب لحلة الغياب التي يعيشها الفنان بعيداً عن مشاغله اليومية في الدراسة والتدريس، لكأن مزاولته للرسم ليست سوي هواية للتخلص من أعباء الحياة ومصاعبها ربما ولكن ليس باستدعائها والتفكر بها، وانما باغماضة عميقة ومعمقة لهذا الحنين الي المواطن الأولي أو المتنزه فيها خارج حدود الفكر والنظر الآني أو اللحظوي!.. لكن أهمية هذه الاستراحات المتكررة، وما تستلزمه من الموائد والكراسي بألوانها الشاردة في دواخل الذات، تكمن في أنها لا تستقرئ دلالات محددة أو معينة بقدر ما تستحضر فضاءات نوستالجية للاشباع العاطفي والحسي كانت قد وفرتها الطبيعة بامتدادها الأنثوي لتحضر المرأة أيضاً علي شكل أطياف غير محددة الملامح وان كانت تخرج من أصابع الفنان باستعراض قد يلبي رغبته باستمناء شهواته وألوانها المتجلية بعبق أجوائه الدفينة.بسبب ذلك كله قد لا تقع عين المشاهد للوحات زياد دلول علي ألوان صافية أو صريحة أو حتي علي رغبة ما باستيلاد ألوان أو حتي اللعب بتدرجاتها غير أن هذا اللعب وهذا الاستيلاد حاضران بكثافة في جميع لوحاته وان لرغبة أخري كاستحضاره للأمكنة المفتقدة وما تحتويه من ألوان الطعام، الثمار، الأشجار، التربة، المياه، أجساد النساء، وثيابهن.. الي آخره. بل ان هذا الفقر في الموضوعات يبدو حافزاً أساسياً للاعتناء بالألوان باعتبارها مخزون الفنان الذي يستقي منه. بعبارة أخري ان ما يرسمه زياد دلول ليس الطبيعة ولا أشياءها وانما ما تبقي من ألوانها في ذاكرته، وربما هذا ما يجعل الاضاءة في لوحاته غير مرئية المصدر اذا لم أقل داخلية من دواخله تحديداً..وربما هذه الاغماضات المضيئة قد أسعفت زياد دلول أثناء انشغاله في تدبير شؤون عيشه، لكن حين لا يفعل شيئاً سوي الرسم والحفر لا أعتقد أن مخزوناً من التجليات يمكن الاستمرار به علي هذا النحو طالما أنني رأيت لهذا الفنان ما يشبه ما أراه اليوم قبل احدي عشرة سنة وفي ذات المكان وطالما أن لدي زياد دلول فرصة أخري غير تجريدات الغرافيك وانعكاسات الذاكرة والدواخل، فرصة أن يفتح عينيه علي العلم من حوله ليري ما ينبغي أن يراه بارادته ورؤيته العارفة، فلا يكتفي بما يجبر علي رؤيته وحده! ناقد من سورية0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية