اهتمام فضائيات المشرق بالجمهور المغاربي: انتباهة حقيقية ام خروج عن النص؟
توفيق رباحياهتمام فضائيات المشرق بالجمهور المغاربي: انتباهة حقيقية ام خروج عن النص؟لا اعرف هل يجوز لنا القول صحّ النوم لاصحاب المال المستثمرين في دنيا الاعلام المرئي والمسموع لانهم انتبهوا لمنطقة اسمها المغرب العربي، او شمال افريقيا، حسب؟!فجأة امطرت السماء قنوات فضائية علي رؤوس اناس كانوا الي عهد قريب كمّاً مُهملاً يشعرون بالغبن والتهميش التلفزيوني من القنوات القوية الواسعة الانتشار، شعور يعززه بؤس قنوات محلية وجودها كعدمه. اولاً انتبه الخليجيون الي ان المغرب العربي (شمال افريقيا) جزء من العالم (الوطن) العربي، يفرح لافراحه ويحزن لاقراحه، فاطلقت كل من الجزيرة القطرية و ام بي سي السعودية و ال بي سي اللبنانية نسخها المغاربية. وقبل هؤلاء تحدثت قناة اي ان بي اللبنانية عن اطلاق نشرتها المغاربية، ووعدت المغاربيين بالجديد.ثم جاء دور الاوروبيين. لكن لسوء حظ المغاربيين، وبسبب عامل اللغة، المقصود بالاوروبيين هنا هم الفرنسيون. لقد كانوا (المغاربيون) ضحايا عملية نصب واحتيال ثقافي ولغوي منذ الستينات والخمسينات انتهت باقناعهم بان الفرنسية هي مفتاح العالم وان باريس هي الكعبة التي لا كعبة غيرها.ففرنسا اطلقت في الاول من الشهر الجاري، من طنجة، قناة ميدي 1 سات بالاشتراك مع المغرب. وغدا ستطلق فرنسا قناة فرانس 24 التي تريد لها ان تكون دولية تنافس بي بي سي و الجزيرة و سي ان ان ، لكن لا يمكن تجاهل ان الجمهور المغاربي سيكون هدفا رئيسيا للقناة بحكم اللغة والعلاقة التاريخية بين فرنسا والدول المغاربية.يجب التنويه الي ان فرانس 24 تبدأ غدا البث الانكليزي والفرنسي. اما القسم العربي فسيعمل عبر الانترنت علي ان يبدأ البث التلفزيوني في الصيف المقبل. لكن رئيسة القسم العربي، أنياس لوفالو، الصحافية الفرنسية المطلعة علي شؤون العالم العربي، أرادت تسجيل حضور قسمها فأقنعت رئيس مجلس الإدارة ببرمجة نشرة إخبارية عربية يوم البث الأول. من الواجب التماس الاعذار هنا والقول ان من يصل متأخرا احسن ممن لا يصل ابدا. فان تأتي هذه القنوات وهذا الاهتمام متأخرين احسن من استمرار الغياب والتغييب. لكن ما الذي فتح عيون الناس علي هذه المنطقة فجأة؟سألت عدة مهتمين بالموضوع فتجمعت لدي اراء تتفق حول ان المغرب العربي (شمال افريقيا) كتلة بشرية من نحو 80 مليون نسمة يستهلكون من برامج التلفزيون بقدر ما يستهلكون من الماء والهواء. قال احدهم ان سكان حي باش جراح الضخم بالجزائر العاصمة قد يفوقون عدد سكان قطر مجتمعين، وسكان حي الصفيح بالدار البيضاء المغربية يساوون عدد سكان الكويت!وقال اخر نحن جزء من هذه الامة غصبا عن الجميع. انظر الي مظاهرات التأييد لفلسطين والعراق التي تخرج بالرباط، لقد قلّ نظيرها في العواصم العربية الاخري .اذا كانت فرنسا اطلقت قنواتها باتجاه الجمهور المغاربي لاسباب ثقافية عساها تقلل من تراجع الفرنسية امام انتشار الانكليزية واللهجة المشرقية والامية معا، فالخليجيون اطلقوا قنواتهم في البدء لتلبي حاجات ثقافية ترفيهية بأبعاد سياسية. كان الجمهور المستهدف في البدء سعوديا بالخصوص وخليجيا عامة. بعد عشر سنوات، تزيد او تقل قليلا، يبدو ان الهدف تحقق او اقترب، وتحقق نوع من الاشباع جعل اصحاب هاته القنوات يتطلعون الي ما هو ابعد. والابعد هو الجمهور المغاربي بما يعانيه من جوع تلفزيوني ورغبة في الكلام والمشاركة التلفزيونية.وكالة فرانس برس (اف ب) نقلت عن مديرة العلاقات العامة بقناة ال بي سي ، سناء اسكندر، قولها عن سبب الالتفات الي السوق المغاربية علي المستوي الثقافي بحكم انهم عرب (هناك من سيجادل في هذا القول) يستخدمون اللغة الفرنسية وتقاليدهم ولهجاتهم مختلفة عن عرب الشرق الاوسط والخليج (الذين يستخدمون اللغة الانكليزية). كما ان فارق التوقيت يحثنا علي برمجة برامج للمغرب العربي في ساعات مختلفة بطلب من المشاهدين في المغرب والجزائر وتونس .ثم هناك الزحف البشري المغاربي نحو الخليج، مما فتح عيون اهله واهل المشرق علي منطقة جغرافية اسمها المغرب العربي (شمال افريقيا). واتوقع ان كثيرا من المغاربيين الذين، يوما ما، التقوا اشخاصا من المشرق علّقوا شبه مندهشين: آه.. لغتك العربية سليمة ، او ابدوا رد فعل مختلف (ليس بالضرورة عدائيا) عند التعرف عليهم. هذا الواقع تغيّر قليلا اليوم.واعرف ان اهل المشرق الذين يعرفون عن المغرب اكثر من الاخرين، يتباهون بـ معرفتهم مثلما يتباهي احدنا بمعلومات يعرفها عن سكان التبت او مملكة سوازيلاند. ايضا، عدا عن هجمة رجال الاعمال والتجار علي عواصم الخليج للعمل والاستقرار، هناك العابرون الي الصين وهونغ كونغ والهند عبر دبي والدوحة وابو ظبي. وهناك استاذة جامعيون واطباء وخبراء علميون قادهم ضيق العيش الي ترك بلدانهم المغاربية والاستقرار في الخليج. والي جانب هؤلاء جميعا، هناك الصحافيون. لا اعرف كم عدد الجزائريين منهم بقناة الجزيرة ، مثلا، لكنهم كثر. وقبل سنوات سمعت شكاوي من ان قناة ابوظبي الفضائية تمغربت و تجزأرت علي يد رجل اسمه محمد ذو الرشاد، وهو مغربي عمل مساعدا لمدير القناة.ولفت انتباهي من تحدثت اليهم الي كون قنوات الغناء مثل روتانا تستقبل من رسائل الـ SMS في كليباتها وامور التصويت وغيره، من الجزائر والمغرب، نفس الكم او اكثر مما تستقبل من السعودية. وهذه الرسائل مؤشر قوي علي حجم المشاهدة.وقال اخرون ان عرب المشرق لا يكلفون انفسهم عناء معرفة المغرب، وعندما يفعلون يعتبرون ذلك تنازلا منهم او منّة . وهنا يجدر التنويه الي التركيز المفرط للبرامج التلفزية الحوارية في الفضائيات علي المشرق والخليج حتي اعتُبرت برامج عن المغرب استثناءً وخروجا عن النص.شعور عامة المغاربيين بالغبن كان يقابله شعور مماثل من نخبهم واعلامييهم وتساؤلات عن سر هيمنة المشارقة علي مواقع اتخاذ القرار في قاعات تحرير الفضائيات الكبري ووسائل الاعلام. لا ادّعي معرفة بتفاصيل هذا الامر ولا اعرف ان كان التساؤل في محله ام مجرد حالة نفسية يمكن تفسيرها بانها شعور بالاضطهاد. استمر هذا الحال الان، فقد سمعت من صديق افضّل كتم اسمه تساؤله كيف ترسل الجزيرة الي مكتبها بالرباط صحافيين من المشرق للاشراف علي شؤون التحرير، وكيف ترسل فرنسا لبنانيا من باريس لادارة التحرير في ميدي 1 سات المغاربية. حجته ان اهل مكة ادري بشعابها طالما ان المشارقة ذاتهم يعترفون بان المغرب يختلف عن الشرق .وبصراحة، تجد مثل هذه العصبية نوعا من الصدقية عندما يري احدنا، قبل ايام معدودة، قناة اي ان بي (الطامحة الي مزاحمة القنوات الكبري في السوق المغاربية) تتحدث عن سونطراك الجزائرية وتبث صورة مرفقة عن المغرب.رسائل تشجيع شرعت المحطة الفرنسية فرانس 24 في استقبال وفود الفضوليين والمهتمين وفي تلقي رسائل التشجيع. أحد مسؤولي المحطة تسلم رسالة تشجيع من زميل له يعمل في الجزيرة . من بين ما جاء في الرسالة ان العالم بحاجة إلي الجزيرة وفرانس 24 معا، ولا يمكن الاكتفاء بالطريق الذي رسمه بوش وبلير . اتفق مع هاته الحكمة واتمني الاستمرارية والنجاح لاي مولود اعلامي، خصوصا اذا كان سيزيح عن الناس غمّ القنوات المحلية المحنطة.اهل الكهف المنافسة بين المغرب والجزائر محتدمة سياسيا ثم تتفرع الي كثير من المجالات. الاول اطلق ميدي 1 سات والثانية تتفرج. قرأت في صحيفة محلية قبل اسابيع ان الاذاعة الجزائرية ستطلق قناة دولية مثل اذاعة ميدي 1 التي اطلقها المغرب مع فرنسا في 1986. اهنئ اهل الكهف في الجزائر علي هذه الخطوة الجبارة وانصحهم ان يتذكروا، بعد 20 سنة، اطلاق قناة تلفزية دولية تنافس قناة ميدي 1 سات . كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]