لن يكون هذا سهلا علي اسرائيل ـ علي القيادة السياسية وعلي الرأي العام معا ـ التخلي عن أحد الشروط المبدئية والرئيسية، التي نُقيمها سقفا وحاجزا يجب علي الجانب الفلسطيني (وكل جانب عربي في الحقيقة) ان يقفز فوقهما قبل أن ندخل المضامين وتفصيلات التفاوض. أقصد الي الاعتراف المعلن بحق اسرائيل في الوجود كدولة يهودية. ورغم ذلك فانني أخرج اليوم مع دعوة لا لبس فيها ـ هذا مطلب من الفضول، وهو مطلب يقيم عوائق ضخمة في طريق التفاوض الموضوعي، وفي الأساس، مطلب يُخل بمصالح اسرائيل وبتقديم كل عملية سياسية.
لم أسقط علي رأسي. أخرج مع هذه الدعوة لسبب واحد ووحيد ـ ان اعلانا كهذا لا يسهم بشيء في القضية، انه يُحدث فقط أوهاما لا أساس لها، وكأن الجانب الفلسطيني قد سلم آخر الأمر في الحقيقة بوجود اسرائيل كدولة يهودية.
والي ذلك يعبر ايضا عن عقدة نقص اسرائيلية. نحن القوة الاقليمية العظيمة من كل ناحية ممكنة، نطلب من القيادة الفلسطينية (التي تقوم كلها علي رجلي دجاجة)، ان تتفضل علينا وتعترف بحقنا في الوجود.
سأبدأ بأنه لا توجد عندي أوهام. لست اؤمن بأنك ستجد عربا فلسطينيين كثيرين (اذا وجدت أصلا)، سيُسلمون أو يكونون مستعدين للتسليم بوجود كيان يهودي ـ صهيوني اجنبي في قلب شرق اوسط عربي اسلامي. والي ذلك، حتي لو استجابوا، وبقوة تهديدنا وضغطنا وتهديد النظام الدولي وضغطه، قالوا أو كتبوا صيغة الاعتراف المطلوب، فانهم سيفعلون ذلك كمن يتخبطه المس، وسيفعلون ذلك في الأساس من غير أية نية للنزول في الحقيقة عن مطامحهم الي رؤية القضاء علي اسرائيل (اذا ما استطاعوا فقط). حتي لو وقعوا علي اتفاق، فلن يزالوا لوقت طويل علي الأقل، يأملون أن يتغير الواقع وان تنشأ ظروف جديدة تفضي الي القضاء علي اسرائيل.
بدأ ياسر عرفات بتفاوض مباشر مع ممثلي اسرائيل قبل ما يزيد علي عشرين سنة. فعل ذلك لا لانه غير جلده، ولا لانه أصبح فجأة صهيونيا محبا لاسرائيل. فعل عرفات ذلك لانه اعترف بالواقع الذي نشأ، وبعلاقات القوي السياسية، والعسكرية والاقتصادية ـ الاجتماعية بين اسرائيل وبين سائر الدول العربية حولنا. لقد فعل ذلك لانه قنط من احتمال أن يري القضاء علي اسرائيل في المستقبل القريب.
يجب علينا نحن ايضا أن نفهم ذلك ونستوعبه. ليس مفتاح المستقبل في تصريحات لا حقيقة فيها، بل في اتفاق يتم الحصول عليه، بمركباته العملية، في كل ما يحتاج الطرفان الي فعله، علي حسب برنامج زمني واضح محدد جيدا، وفي اطار نظام رقابة فعال يستيقن من تطبيق الامور ويشترط التقدم في عملية التقديم، حيث لا يُنتقل من مرحلة حتي يُستكمل تطبيق المرحلة السابقة.
ومع كل ذلك، ما السيء في ذلك؟.
أولا، كما ذكرت آنفا، هذا عائق يسد ويمنع البدء في تفاوض سياسي حقيقي بين الطرفين.
وثانيا، لا يوجد لتصريح كهذا ـ اذا صدر ـ أي معني عملي. الاعتراف الحقيقي باسرائيل وبحق وجودها سيتم الحصول عليه فقط بقوة تحقيق شروط التعايش ونشوء نظام مصالح متنوعة لاستمرار وجوده بل وتعميق هذا التعايش.
وثالثا، ولان هذا مطلب اسرائيلي رئيسي جدا ومبدئي جدا من الجانب العربي، فاننا سيُطلب الينا أن ندفع عنه ثمنا سياسيا باهظا لقاء تصريح ليس له أي معني عملي.
شلومو غازيتكاتب في الصحيفة(معاريف) 5/12/2006