عمان ـ “القدس العربي”: صدر حديثا للشاعر تيسير النجار كتاب تأمل أمام ينابيع تتفجر عن دار الفضيلة للنشر والتوزيع، والشركة الجديدة للطباعة، وهذا الكتاب مجموعة من الحوارات الصحافية المهمة والتي أجراها عبر خمس سنوات مع الأستاذة الباحثة الدكتورة ثريا ملحس وتعكس بعضا من السمات الأساسية لتجربتها من حيث الرؤية والموقف والتجربة والمضمون، التي لا تنفصل همومها الذاتية والفردية عن الهموم الانسانية والقومية والمحلية.
ثريا ملحس التي أثرت المكتبة العربية بما يزيد عن الخمسين كتابا في مجالات وصنوف الأدب المختلفة خلال الأعوام من 1947 الي الآن تستحق أن نتوقف مطولا علي آرائها في الأدب والوجود حتي يتنسي لنا معرفة رؤياها عن كثب ومن هذه الغاية ينطلق هذا الكتاب كما يقول النجار في مقدمته.
تكشف ثريا ملحس عبر الكتاب دفاعها الأكيد عن القيم الروحية في حضارتنا العربية وتصفها بانها: قيم انسانية عالمية همها اسعاد الانسان والمحافظة علي حريته وكرامته وأمنه في عيشه وعمله. بدأت حياتها الكتابية بالشعر الذي ظل لصيقاً بها تعبر من خلاله عن قلقها وحيرتها وأسئلتها صوب ذاتها وصوب المفردات الجذرية في الوجود، ورغم أعمالها الشعرية التي بلغت أربعة عشر ديوانا، الا أن السؤال المهم الذي نسأله ماذا قدم لها الشعر سوي أنه حمل آمالها وأمانيها وأفكارها وأحلامها وتأملاتها. ولأنها ليست شللية ولم تنتم لحزب ولم تكن رئيسة مجلة أو جريدة ولأنها كما تصف غير اعلانية واعلامية فان أعمالها الشعرية لم تستوقف النقاد الأكاديميين وبالتالي ما تزال تجربتها الطويلة بكرا علي الصعيـد النقدي الذي: ما زال ذاتيا، مرتبطا بالأهواء والشللية والفئوية والعقائدية حتي الحزبية كما تصف. مواقفها واضحة جدا فيما يتعلق بالأنثي العربية حيث تقول: بأن المشكلة الأساسية لها في بلادنا العربية هي عدم معرفة هوية نفسها، وكذلك موقفها واضح ولا يقبل الجدال فيما يتعلق بالاعلام العربي الذي معظمه: محزب، أو مسيس، أو مرتش، أو مبرمج.
ومثلما تؤرقها قضايا الأدب والشعر فان أحداث الأمة العربية التي تتابع أحداثها: بألم وأسف وربما ببكاء تؤرقها. أما سؤالها: أين نحن اليوم من تلك الحضارة العالمية؟ فانه السؤال الذي يؤرقنا جميعا. لا يمكن لنا أن نلخص تجربتها الكتابية، ولكن يمكن أن نصفها بأنها تجربة: توائم بين الانسان والطبيعة وبينه وبين المجتمع، وبينه وبين القيم الروحية والانسانية.
تحلم ثريا ملحس: بأن تظل اللغة العربية العظيمة منبعا وجسرا لثقافتنا كلها، لكي تصبح لغة عالمية كما كانت في ماضيها، حاملة الثقافة المشرقة لكل البشر، والحضارة التي شعت علي العالم حين كان العالم في ظلمات.
حين نشرت ديوانها الشعري الأول النشيد التائه والذي ضم قصائد مختارة لها من السنوات 1947 الي 1949 لم تكن تسمية قصيدة النثر معروفة وبالتالي فإن باب ريادتها في كتابة قصيدة النثر ما زال ينتظر من يطرقه نقديا. وتقول ثريا ملحس عن ذلك: وعلي الرغم من أن النقاد يغمطون حقي في الريادة، فلا يضيرني أبدا بل يجعلني أبتسم أسفا.
يوضح الكتاب رومانسية ثريا ملحس، ويشرح قضيتها الكبري، ويجيب علي أسئلة ثقافية عديدة من خلال رؤيا ومواقف عروبية محملة بتجاربها الطويلة، ويضيء جوانب لها صلة بواقعنا العربي وهمومه ومآسيه، ويربط بين ماضيها الكتابي وحاضرها، ويتطرق لحبها المذهل للتراث وعلاقته بالمعاصرة، ويظهر مدي غربتها الوجودية ويعبر عن فلسفتها في الحياة شعرا، ويساهم في الكشف عن مآسينا التي كبرت وتكاثرت علي حد تعبيرها كأنها الوباء، ويحاول أن يكسر بعض الأوهام التي تدور حول المرأة العربية وأبرزها الوهم الذي يقول أن المرأة: جعلت من ضلع زائدة من ضلوع الذكر. ويحدد الرابط بين مآسينا الساسية والاجتماعية جملة وتفصيلا، ويتساءل هذا الكتاب لماذا لم يكرم شعر ثريا ملحس أو نال جوائز، ويناقش أفكارها بحرية، ويتطرق لما تعلمته من الانسان ومن الطبيعة: تذهلني الطبيعة. ويذهلني الكون. نعم! ولا أري فيها تنافرا فأنظر الي السماء وأفلاكها ونجومها وكواكبها كيف تسير وتدور بحساب مدهش! ، ويتناول فلسفتها في الحياة ونظراتها الي الحاضر والمستقبل وكيف يتوحد في شعرها الماضي والحاضر والمستقبل، ويطرح اعجابها الشديد بالصوفية وتحديدا صوفية ابن الفارض في تائيته الكبري، ويلجأ لفهم علاقة الشعر بعصرنا: ويبقي الشعر حاضرا طالما هناك انسان علي الأرض! ويسجل هذا الكتاب رؤيتها وموقفها في الكتابـة حيث تقول: مسكونة بالثورة والغضب والحزن الوجودي والالتجاء الي الله ليمنحني القوة والاستمرار بنوره الذي يغمرني ويهديني. يتبدي في تجربة ثريا ملحس الابداعية الكثير من سمات الريادة والحداثة عبر شعرها الذي يمتد منذ أواسط أربعينيات القرن الماضي حتي الآن. وتتراءي هذه الريادة عبر ما انشغلت به من قضايا فلسفية ووجودية وفكرية، وهموم سياسية واجتماعية، بسمات وجوديـة وسوريالية ورمزية في أعمالها الشعرية، ومنهجية بحثية علمية دقيقة جدا في مباحثها التراثية.
كما نكتشف، تعمل الشاعرة بلا انقطاع، تحمل مشروعها الابداعي وحدها ولا تحتاج الي أحد ولا تسعي لارضاء أية مؤسسة ثقافية وأي كائن. اقتربت منها ورأيتها كيف تتحمل مشقة العمل وحدها، رأيتها عن قرب، وعرفتها تعتني بسعادة البشرية التي من الصعب الاعتناء بها، وتعلمت منها كيف يمكن لي أن أري جمال الينابيع وهي تتفجر في ثقافة تحاول ان تختصر بجمالها الطبيعة… المكان… الزمان… الانسان. امتد هذا الكتاب عبر خمس سنوات من 2001 الي 2006 مشتملا علي نبذة من سيرتها كتبتها في أعوام لاحقة حتي 2006 ليتسني للمتلقي معرفة اخلاصها الشديد للمعرفة البشرية. عقيدتها كالآتي: تعد نفسها انسانا قبل كل شيء. فالكرة الأرضية باتت صغيرة الحجم بمسافاتها، قريبة بأخبارها، عالمة بمخترعاتها. تفتخر بعروبتها، وبحضارة قومها العرب، اذ تسعي دائما لاظهار ايجابيات تلك الحضارة التي سطعت بشموسها علي الغرب طوال القرون الوسطي، فلا تري الحضارة الغربية مناقضة للحضارة العربية، بل تراها امتدادا لها، ومددا عبرها. أما المرأة فتري فيها انسانا لا جدال في ذلك، لها حقوق وعليها واجبات الانسان بالتساوي. ويزعجها كل قانون مجحف بحقها، مهما كان مصدره. وهي دائما مع المظلوم، امرأة كان أم رجلا. كما يزعجها تصنيف الأدب بالنسبة الي جنس الانسان، فالأدب لا يعرف حدودا ولا سدودا، لأنه انساني قبل كل شيء. وأخيرا، لا آخرا.. تدعو البلاد العربية من محيطها الي خليجها، الي اضافة ذكرا وأنثي مفردا أو جمعا، في دساتيرها ـ قد تبدو غريبة لغير المدركين، أو لغير الانسانيين ـ الي المواطن أو المواطنين، أو ربما عبارة: المواطن والمواطنة، بذلك تكف المرأة العربية عن مطالبتها بالمساواة التي منحها اياها خالقها عز وجل، فلا سلطة لأحد عليها! كما يزعجها حذف تاء التأنيث من وظائف لم تكن الأنثي تشغلها من قبل، بل تبوأتها حديثا، كأن تلك الوظائف لا تكون الا للذكر!! ولن تكون إلا له! فلماذا يعبث المسؤولون والاعلاميون باللغة العربية وأحكامها؟! أليس في ذلك اهانة للأنثي العربية، فضلا عن الاهانات الأخري التي جعلتها في مرتبة أدني من الذكر؟!! كما تحلم دائما بوحدة عربية، من محيطها الي خليجها، تدعي الولايات العربية المتحدة! من يدري لعل الحلم يتحقق!
ومما جاء علي الغلاف الخلفي للكتاب تأمل أمام ينابيع تتفجر للزميل النجار أقوال عن تجربة أ. د. ثريا ملحس منها رأي الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة الذي يقول: قرأت المجموعة ديوان ملحمة الانسان، فسرني منها نزعة متزنة الي التجديد في القالب وفي المضمون. فهي غير الطفرة الجامحة التي نشهدها في الكثير من نتاج شعرائنا المعاصرين، التي توغل في الحذلقة الشكلية وفي النغمية، وفي تحميل المفردات غير معانيها، أو فوق معانيها، ثم في تقطيع أوصال الشعر بحيث يغدو وكأنه لا في العير ولا في النفير، فلا هو شعر ولا هو نثر.