حسام جحجوح
لفلسطين أن تفخر بصحافييها واعلامييها، فقد ملأوا سمع العالم وبصره ببطولات أهلها وصمودهم الأسطوري في وجه آلة البطش الاسرائيلي، وحازوا وما زالوا يحصدون أهم الجوائز الدولية علي أدائهم بالغ الاحتراف والتميز في عالم صاحبة الجلالة، وكان أحدثهم وليس آخرهم المصور الفلسطيني المبدع زكريا أبو هربيد الذي وثق بكاميراته جريمة اسرائيلية بشعة، هزت وجدان العالم حينما اغتالت قوات الاحتلال أسرة كاملة عدا طفلة كانت تلهو علي شاطئ البحر، اضافة الي محمد المغير وغيرهم الكثير الكثير.
ولفلسطين أن تباهي العالم بأن عشاقها من العاملين في حقل الاعلام، يقدمون التضحيات تلو التضحيات ويجودون بدمائهم وأرواحهم رخيصة في سبيل فضح ممارسات الاحتلال، وكان أحدثهم وليس آخرهم المصور الفلسطيني حمزة العطار الذي هب لتوثيق جرائم الاحتلال في بلدة حانون شمال غزة، فكان نصيبه رصاصات غادرة نقلته الي أسرة العلاج في المستشفيات. ولو أراد القلم أن يكتب عن دور الاعلام في خدمة القضية الفلسطينية، لاحتاج الي مجلدات ومجلدات، بيد أن هناك من يغفل أهمية دور الاعلام في نصرة القضية الفلسطينية والدفاع عنها وتعزيز التواصل العربي والاسلامي والعالمي معها، مع أنه للأسف في ذات الوقت لا يغفل عن تسخير ما تحت طائلة مسؤوليته في مهاجمة خيار الشعب الفلسطيني تحت حجة حرية التعبير وتعدد الآراء التي كان يتجاوزها حين كان طيفه السياسي يتربع علي عرش السلطة، فبينما كانت الدماء الفلسطينية تراق علي يد قوات الارهاب الاسرائيلية في بلدة بيت حانون شمال غزة، وكانت المقاومة الفلسطينية تسطر أروع آيات التضحية والفداء، كان تلفزيون فلسطين غارق في اللهو والمرح، حيث كان يبث فيلما هزليا لاسماعيل ياسين، متجاهلا ما يتعرض له أبناء الشمال من عدوان شرس وهمجي من قبل قوات الاحتلال. وفي المقابل كان هناك مقاتلا لا يكل ولا يمل من العمل ليلا ونهارا، هذا المقاتل علي الجبهة الاعلامية مرئية الأقصي فعلي الرغم من حداثة افتتاحها وتواضع امكانياتها ونقص طاقمها البشري الا أنها كانت تواكب الحدث لحظة بلحظة، ترفع المعنويات وتبث العزائم وتدعو للصمود في مواجهة الاحتلال. موظفوها مقاتلون من طراز فريد تميزهم روح العطاء لاسيما في كشف وفضح ممارسات العدو الاسرائيليحيث أبدي كادرها البشري تفاني واضح في العمل وأظهر رغبة كبيرة في تخطي العراقيل الفنية وتجاوز المعوقات التقنية، رغبة منهم في توثيق جريمة الاحتلال بحق أهالي بلدة بيت حانون التي انقلبت الي صحراء جرداء بعدما كانت جنة قطاع غزة الخضراء. وان كان الكلام ينصب بشكل أساسي علي اجلاء حقيقة أداء كلا من فضائية فلسطين ذات الامكانيات والطواقم الفنية والبشرية وبين مرئية الأقصي ذات الامكانات المحدودة، فلا يخلو الأمر من الاشارة الي بعض الاذاعات الفلسطينية الخاصة والحزبية التي أثبتت وطنيتها فوقفت مع المقاتلين ترفع من معنوياتهم وتشد علي عزائمهم، وتدير الصراع بشكله الاعلامي، بل واذهب الي ابعد من ذلك لأقول أنه كان لها دور كبير في الميدان، ويقف علي رأس هذه الاذاعات، اذاعة صوت الأقصي التي عهدناها تتلمس مشاكل شعبنا وتقف لجانبه، وفي وقت العدوان تطلق موجتها المفتوحة لتضع شعبنا في صورة الوضع بكل جديد، ولعله من المجدي التذكير بأن مقاتلي هذه الاذاعة عذرا اقصد اعلامييها هم استشهاديون فقوات الاحتلال سبق وان قصفت مبني الاذاعة بصواريخ طائراتها في وضح النهار وهي مليئة بالموظفين، وهي في كل لحظة مستهدفة بالقصف، وفي أوقات حرجة أمنيا يطلب من موظفيها مغادرة المبني فيرفضون ويصرون علي البقاء في العمل والتواصل مع مستمعيها الذين أحبوها. فهؤلاء جيش من الاستشهاديين نكن لهم كل احترام وتقدير، وكل لمسات الوفاء لا تعطيهم أقل ما يستحقون أن يطلق عليهم، وهذا حال اذاعات أخري وقفت الي جانب رجال المقاومة، فان العصر الشريف هو الذي يقدر علي صناعة اعلام شريف ولن يكون العصر شريفا الا اذا كان رجال الاعلام شرفاء.
في الجانب الآخر لم أكن أتصور يوما أن تلفزيون فلسطين بات بهذا الضعف واللامبالاة والحالة المتردية، فمن المفترض أن يكون نافذتنا التي نطل بها لنوصل صوتنا الي كل العالم ونوصل رسالتنا الي باقي الشعوب، خاصة أننا شعب لا يزال يناضل ويقدم التضحيات تلو التضحيات من أجل وطن حر يعيش بأمن وسلام كباقي شعوب الأرض. تلفزيون فلسطين للأسف أصبح يوصف بالهابط، هنا أوجه له نداء ليخجل من نفسه وهو يعرض الأفلام وكأن ما يحدث في بيت حانون يحدث في بلاد الواق واق.
ليست المرة الأولي والحدث الأول بل عودنا تلفزيون وفضائية فلسطين أن يكون في واد وقضايانا وأحداث العالم في واد آخر، لست أول من كتب، ولست أول من انتقد ولن أكون آخرهم، ولكن لا ننتقد لأجل النقد، لكن لأجل البناء، لكن لا حياة لمن تنادي. فعجيب أمر هذا التلفزيون وهذه الفضائية، فيوم تلاحق التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية العابثين في فلسطين والمتواطئين والفاسدين وتطاردهم وتريح الشعب من شرهم، تفتح فضائيتنا العظيمة أعلي الموجات، وتتيح الاتصالات أمام عشاق السباب والتطاول، ويصبح تلفزيون فلسطين أنشط من الجزيرة، ويصبح لديه امكانيات لتغطية الأحداث فور وقوعها بل وبثها مباشرة.
أما وقد احتلت أرضنا وانتهك عرضنا واجتاح العدو بلادنا؛ فهذا لا يعني تلفزيون فلسطين في شيء بل ويصبح ليس لديه الامكانيات من اجل متابعة الحدث ومراسليه لم يتمكنوا من الوصول الي منطقة الحدث.
الشاهد أن هذا التلفزيون منذ نشأته حتي الآن لم يعط ما عليه من واجبات، فهو يتغاضي في كثير من الأحيان عما تقوم به اسرائيل، ويعرض مسلسلات وأفلام وأروع أفلام الكرتون لحظة تكون اسرائيل تدمر وتقتل وتفسد في الأرض، وبدل من أن يوجه هذا التلفزيون المحسوب علي فلسطين أمام العالم كاميراته للآلة العسكرية الاسرائيلية وهي تهدم البيوت وتقتلع الأشجار، نراه يوجهها بشكل عبثي الي ما تهواه الأنفس وتطرب له العيون.
ولاحقاق الحق فتلفزيون فلسطين لا يخلو من اعلاميين مناضلين مقاتلين من أجل الكلمة الحرة، والرسالة الصادقة، خاصة العاملين فيه في قسم الأخبار من مراسلين ومصورين، ومنهم من تعرض للاصابة في سبيل ذلك، يخرجون ليحاولوا رسم صورة التحدي والنضال للمواطن وخارطة المعاناة للوطن، ويلاحقون بكاميراتهم جرائم الاحتلال وعبثيته وحقده في قتل البشر واقتلاع الشجر. لكن المجال لهؤلاء ليس مفتوحا أمامهم للتحرك والعمل والعطاء فهم يتحركون ضمن سياسة الفضائية الاعلامية ان كانت تمتلك سياسة ورؤية.
الي متي سيبقي التلفزيون المتحدث الرسمي باسم فتح، وهو تلفزيون يتبع للسلطة الفلسطينية التي من المفترض أن تمثل الشعب بفئاته وشرائحه المختلفة؟
ويبقي السؤال المطروح هل فعليا تمتلك القيادة الفلسطينية خطابا سياسيا واعلاميا موحدا للعالم أجمع بشأن الأوضاع الفلسطينية وخصوصا للغرب، ولماذا لا يكون هناك اعلام مضاد جيد وفعال يدحض ويفند الرواية الاسرائيلية، ويؤكد علي صدقية الأحداث التي تحصل في المناطق الفلسطينية؟!
يبدوا أن ضمائر القائمين علي مؤسسات الاعلام الرسمي نائمة أو في سبات عميق، عتبي الشديد علي الكبار.. الكبار، وعلي المتنفذين والمسيطرين.
كاتب وصحافي ـ فلسطين[email protected]