تبديد الأوهام

حجم الخط
0

تبديد الأوهام

د. علي محمد فخروتبديد الأوهاميستطيع المراقب أن يشهد فقر الفكر السياسي العربي المتداول، وفي أفضل تجلٍّياته، في تعامله مع المظاهرات المليونية وهي تجوب شوارع عاصمة المفاجآت والتضحيات وتدفٌّق الحيوية التي لا تهدأ. الحدث داخلي، حتي ولوتفاعل مع عوامل الخارج، والقائمون به هم رجال ونساء وأطفال ذلك البلد، والتظاهرات ديمقراطية سلمية حتي النخاع، وممارسة الحرية السياسية هي في أعلي صورها، لكن التعامل معها هو في أقبح وأسوأ أشكاله. ليست القضية في أن تكون مع هذا الفريق أو ضدًّ ذاك، وانما في مشهد التعامل السريالي كما كانت تأتي به الأخبار تباعاً. بعد وقت قصير من انطلاق الناس في الشوارع أعلنت الدولة العظمي، التي وقفت مع كل التظاهرات المليونية في كل دول أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفييتي السابقة واعتبرتها ثورات سلمية ديمقراطية، أعلنت بأن مظاهرات العاصمة العربية السلمية القانونية الديمقراطية الشرعية هي تهديد للسلم والشرعية. كذا وبدون حياء، أن تسقط حكومة في أوروبا الشرقية بفعل ضغط الشارع فهذا حلال، لكنها أبغض الحرام عندما تكون في أرض العرب ـ مرًّة أخري يحلٍّّّّلونه عاماً ويحرٍّمونه عاماً ويطلُّ الوجه الاعلامي القبيح لينحر الأسس الكبري للايديولوجية الديمقراطية وليظهر عدد المرات في كل يوم التي تتبدًّل فيها الأقنعة دون أن ترفًّ أجفان أصحابها.ثمًّ تتوالي المشاهد. مسؤول مبتعث يعلن أنه جاء ليحمل دعم سيِّده لشرعية حكومة ذلك البلد. لكنه ينسي أن من تحوم الشكوك حول شرعية استلامة الحكم لا يمكن أن يوزٍّع صكوك الشرعية علي الآخرين. مسؤول آخر يعلن بابتسامة المكتشف الفذ أن دستور وحكومة ومجلس نواب ذلك البلد هم شرعيون. لكنه يفشل في أن يكتشف بأن المظاهرات السلمية في ذلك البلد هي شرعية أيضاً. مسؤول من بلد ديمقراطي غربي يذهب الي بلد عربي ليطلب من حكومته الضًّغط علي المتظاهرين ليوقفوا ممارسة حق ٍّ وأسلوب ديمقراطي تستعمله جماهير شعبه هو عدة مًّرات في السنة لطرح مطالبها. مرًّة أخري ما هو مقبول في شمال البحر الأبيض المتوسط المتمدٍّن مرفوض في جنوبه المتأخٍّر.احدي صرخات الفيلسوف الألماني نيتشه هي: الي أيٍّ مدي تستطيع الحقيقة أن تتجسُّد؟ هذا هو السؤال، هذه هي التجربة وبدورها من حقٍّ الشعوب العربية أن تطرح سؤالاً مماثلاً علي نفسها: الي أيِّ مدي ستذهب حقيقة الخداع الأمريكي والعربي الرسمي في تعاملها مع قضية الديمقراطية وحق الشعوب العربية في ممارستها بصدق وبدون تزييف كما يفعل عباد الله الآخرون؟ فالولايات المتحدة الامريكية يصر علي أن لا تحمل شجرة الديمقراطية في أرض العرب الاًّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّ ثماراً تأكلها هي من دون غيرها، والاًّ فأنهم علي استعداد لاجتثاث جذور تلك الشجرة. والأنظمة الرسمية العربية تفزع من أي ممارسة ديمقراطية في أي بقعة عربية اذا كانت ستحمل معها رياح تغييرات كبري في المشهد السياسي الاقليمي. ومن أجل أن لا تتغيًّر التوازنات ستسكت عن ممارسات الذًّبح الهمجي في تلك العاصمة وحدوث ظلم مفجع لهذه الجماعة أو تلك في عاصمة أخري. وفي جميع الحالات فاننا نشهد عوامل لا دخل لها من قريب أو بعيد بالديمقراطية تحدٍّد المشهد الديمقراطي العربي بل وتعصف به. يحدث ذلك اذا قامت مظاهرة قد لاتكون في صالح هذا أو ذاك ويحدث ذلك اذا جرت انتخابات قد تكون نتائجها في غير صالح هذا الفريق أو ذاك. وننسي أن في قلب الديمقراطية احداث تغييرات مجتمعية دائمة وليس المحافظة علي الأوضاع غير المعقولة.في ارض العرب المنكوبة ليس المطلوب فقط شرح الديمقراطية وأهميتها لاقناع الشعوب العربية بمزايا احتضانها كطريقة حياة، وانمًّا المطلوب أيضاً وبقوُّة تبديد الأوهام التي تحيط بموكب قدومها لزفافها. لعنات الأوهام في حياة العرب ستتحدًّي أقدس المقدًّسات فشكراً لمجانين الغرب ولمجانين الحكم في بلاد العرب.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية