د. بشير موسي نافع
أقيم المشروع الامريكي لغزو واحتلال العراق علي فرضية ان بغداد ستكون المركز والمنطلق لاعادة صياغة المنطقة العربية. ما تصوره عرابو المشروع ان العراقيين في أغلبيتهم سيرحبون بالغزاة كمحررين، الأقلية الصغيرة التي ستعارض سيمكن بسهولة ويسر تحييدها واجبارها علي قبول الواقع الجديد. تحت ظل الاحتلال، سيبني عراق جديد، عراق علماني، ليبرالي، تعددي، تتصارع قواه السياسية علي الحكم والسلطة، ولكنها لا تختلف علي التحالف مع الولايات المتحدة. سيخرج العراق من دائرة الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وتستخدم مدخولات نفطه الهائلة لبناء ازدهار استهلاكي مبهر. بقوة السلاح وصورة الاحتلال المهيمنة، كما بقوة وجاذبية النموذج، سيصبح العراق نموذجاً لدول المنطقة الأخري، من ايران الي سورية، ومن السعودية الي مصر، التي ستسقط الواحدة منها تلو الأخري في المجال الامريكي الجديد. ومن السيطرة علي العراق والشرق الأوسط، تتحقق السيطرة الاستراتيجية علي مقدرات العالم بأسره، ويصل الانتصار الامريكي في الحرب الباردة الي نتائجه المنطقية. هيمنة شاملة كان المصطلح الذي يتردد في جنبات وزارة الدفاع الامريكية، حيث ولد المشروع ونفذ. بعد أربعة وأربعين شهراً علي الغزو والاحتلال، أصبح العراق بالفعل عقدة المنطقة. ولكن بدلاً من أن يكون بوابة مشروع الهيمنة الشاملة تحول الي مفتاح لعدد مترابط ومتفاقم من الأزمات، التي تهدد النفوذ والمصالح الامريكية.
لم يكد المحتلون يتعرفون علي ملامح المدن العراقية، حتي انطلقت بوادر مقاومة وطنية، غطت معظم البلاد. في البداية، حاولت الادارة الامريكية تفسير المقاومة باستدعاء ظواهر تاريخية مشابهة، كالمقاومة النازية قصيرة العمر في نهايات الحرب العالمية الثانية. وحتي بعد ان استخدم خطاب الأقلية والأكثرية، وتحميل العراقيين العرب السنة مسؤولية سياسات النظام السابق، في محاولة لتحطيم البنية المعنوية للمناطق المناهضة للاحتلال، استمرت وتيرة المقاومة في التصاعد. لا حملات القمع الامريكية العسكرية البشعة، لا بناء الدولة الجديدة علي أساس طائفي ـ اثني، ولا حملة الخلط المقصودة بين المقاومة والارهاب استطاعت وضع حد للمقاومة. وشيئاً فشيئاً، فقد المحتلون وحلفاؤهم القدرة علي حكم العراق أو حتي القدرة علي تقدير صحيح للموقف. لا العملية السياسية المشوهة حققت النتائج التي رجتها واشنطن منها، ولا اقناع بعض القوي والشخصيات السنية في الالتحاق بالعملية السياسية أعطي للدولة الجديدة الشرعية التي افتقدتها منذ لحظة الولادة.
احدي أهم الوسائل التي لجأت اليها الادارة الامريكية لاستيعاب الاخفاق المتزايد في العراق وتحقيق بعض النجاح كان قلب استراتيجية الهيمنة علي رأسها. بدلاً من ان يكون العراق بوابة انقلاب المناخ الاستراتيجي في المنطقة، أصبح تغيير المناخ الاستراتيجي الاقليمي شرطاً للنجاح في العراق. الأهداف البعيدة السابقة للمشروع، مصر والسعودية وما خلفهما، أجلت أو استبعدت من دائرة الأهداف الي اشعار آخر. وأخذ الاستهداف الامريكي لسورية، ايران، وفلسطين، في التصاعد. اتهامات متلاحقة لسورية بالتعاون مع الارهابيين وتسهيل تحركهم الي العراق، وتهديد للوضع السوري في لبنان وللنظام السوري نفسه. اطلاق اليد الاسرائيلية لسحق المقاومة الفلسطينية، حتي ان استدعي ذلك ايقاع الدمار بحياة ومعاش الفلسطينيين. اسقاط حق الايرانيين القانوني الدولي في تطوير تقنية نووية سلمية، والربط بين البرنامج النووي الايراني وصورة ايران كدولة مارقة تهدد السلم الاقليــمي والعالمي. بيد ان سياسة الهجوم التي اتبعتها واشنطن في المنطقة، من المتوسط الي الخليج، انتهت نهايات كارثية. لم تشتعل حرب أهلية فلسطينية بعد الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة؛ وما ان أعلنت نتائج الانتخابات البرلمانية في الضفة والقطاع (التي اعتبرتها واشنطن احدي نجاحاتها الرئيسية) حتي كانت حماس تتسلم قياد الحكومة الفلسطينية. بالرغم من الاغراءات والتهديدات، اختار الفلسطينيون طريق المقاومة والتخلي عن أصدقاء الولايات المتحدة وحلفاء سياستها. وبعد تصفيق أمريكي طويل للانتخابات، فرضت واشنطن علي حلفائها الأوروبيين مقاطعة الحكومة الفلسطينية الجديدة ومعاقبة الشعب الفلسطيني بالتجويع علي خياره الديمقراطي. ولكن المشكلة ليست مشكلة أمريكية وحسب، بل هي أيضاً مشكلة النخبة الفلسطينية الحاكمة التي ترفض القبول بالخيار الشعبي وتنظر بعين الرضي للمقاطعة الدولية للشعب والحكومة التي تقودها حماس. وبالرغم من شهور طويلة من التفاوض الفلسطيني الداخلي حول انشاء حكومة وحدة وطنية، وتقديم حماس تنازلات جوهرية للتوصل الي توافق وطني، يعود الرئيس الفلسطيني ومستشاروه لمحاولة اسقاط الحكومة، مما يدخل الوضع الفلسطيني الي حالة غير مسبوقة من التأزم واحتمالات الصدام الداخلي.
في ظل أجواء التصعيد الامريكي ـ الفرنسي ضد سورية، اغتيل الرئيس الحريري في بيروت. وقد وجدت دمشق نفسها محل اتهام وقررت بالتالي انسحاباً عسكرياً كاملاً من لبنان. ولكن الهدف لم يكن دفع سورية الي انهاء وجودها العسكري وحسب، بل وتحويل لبنان الي قاعدة معادية لسورية، الي مصدر ضغط وابتزاز للنظام السوري، والي منطقة محررة من قوي المقاومة والعداء للدولة العبرية والسياسة الامريكية. لم تمض الأمور في لبنان بالسرعة التي أريد لها، وجاءت الانتخابات اللبنانية (بالرغم من كل تحالفاتها السيئة) لتوفر للمقاومة الاسلامية حماية سياسية الي جانب الحماية التي يوفرها الاستعداد المسلح. عندما أصبح واضحاً ان الحكم اللبناني الجديد غير قادر علي نزع سلاح حزب الله، كان لابد من اللجوء الي الوسيلة الاحتياطية الدائمة: الجيش الاسرائيلي. ولكن نتائج الحرب الاسرائيلية علي لبنان انتهت بكارثة مزدوجة، كارثة علي السياسة الامريكية وكارثة علي الدولة العبرية. ولكن تلك لم تكن نهاية الطريق، فما أخفقت الحرب في تحقيقه أريد تحقيقه بالقرار الدولي والحلفاء اللبنانيين. وكما أوصلت السياسة الامريكية الوضع الفلسطيني الي التأزم، دفعت بلبنان الي تأزم أكثر فداحة وتفاقماً. وحتي الملف النووي الايراني، الذي استطاعت واشنطن حشد مختلف حلفائها الأوروبيين ضده، لا تسير أموره علي ما يرام. فمن ناحية، وفر الاخفاق الامريكي في العراق واحدة من أكبر الفرص لايران، التي تحولت الي لاعب أساسي في الساحة العراقية، بينما تنظر طهران الي قوات الاحتلال الامريكية في العراق باعتبارها رهينة. لا الصين ولا روسيا علي استعداد للذهاب بعيداً في تأييد مشاريع العقاب الدولية للايرانيين، وليس من السهل بعد ما انتهت مغامرة العراق الي ما انتهت اليه اقناع الرأي العام الامريكي بحرب جديدة في الشرق الأوسط بدون تقديم أدلة قاطعة علي وجود برنامج تسلح نووي ايراني. خيارات الادارة الامريكية تضيق، وعلي واشنطن ان تقبل بالبرنامج الايراني النووي أو ان توجه ضربة جوية للمنشآت الايرانية، تثير غضب العالم، لا تضمن وضع نهاية للبرنامج الايراني، وتدخل القوات الامريكية في العراق الي دائرة خطر جديدة. بيد ان العراق ليس مركز الاخفاق السياسي الامريكي في المنطقة وحسب، بل بات أيضاً مركز أزمات القوي السياسية المحلية والاقليمية. التوتر المتصاعد بين ايران وحلفائها من جهة، ومصر والسعودية من جهة أخري، يتعلق أساساً بالعراق وليس بالوضع اللبناني الداخلي. حتي فترة قصيرة، كانت القاهرة والرياض تؤيدان وقوف حزب الله في مواجهة الدولة العبرية، بل وساهمتا مساهمة مباشرة في توفير ما يمكن من حماية للبنان في السنوات الأخيرة من حرب تحرير الجنوب. وحتي وقت قريب، كانت العلاقات الايرانية بالسعودية ومصر تسير سيراً حسناً، ليس فقط باتجاه التطبيع، بل أيضاً باتجاه التفاهم. ولكن تدهور الوضع الطائفي في العراق، وبروز مؤشرات متزايدة علي دور ايراني نشط في الساحة العراقية، يهدد بتحول العراق الي ساحة صراع عربية ـ ايرانية. حزب الله أيضاً يتأثر سلباً بالوضع المتفاقم في العراق. قوة حزب الله هي في الاجماع العربي والاسلامي الهائل حوله، الاجماع الذي بدأ في التبلور منذ النصف الثاني للتسعينات. وقد شهد العالم خلال أسابيع الحرب الاسرائيلية الأخيرة علي لبنان، كيف وقف الشارع العربي من جديد خلف مقاومة الحزب للغزو. ولكن مشكلة حزب الله اليوم هي في غموض موقفه من المقاومة العراقية، كما في تدهور الوضع العراقي الطائفي وزاوية النظر الي هذا التدهور. علي هذه الخلفية من اضطراب موقف الحزب من المسألة العراقية، أتيحت لخصومه في الساحة اللبنانية اضفاء بعد طائفي علي صراع هو في جوهره صراع سياسي. ويلقي العراق بظلاله علي الوضع السوري من أكثر من زاوية. شركاء سورية السابقون في القاهرة والرياض قلقون من التحالف السوري ـ الايراني، ويرون فيه اضعافاً للوضع العربي. وفي حين تلوح الدوائر الامريكية والأوروبية بورقة الانفتاح علي سورية، فان الشارع العربي القومي والاسلامي، الذي أبدي تعاطفاً كبيراً مع دمشق خلال العامين الماضيين، سينظر نظرة سلبية الي أي تحول في السياسة السورية يؤدي الي تعزيز المشروع الامريكي واضعاف المقاومة. ثمة تقارير وشائعات وقراءات صحافية لا تنتهي حول ما تعتزم الادارة الامريكية القيام به في العراق. الحقيقة ان الادارة لا تعرف ما الذي ستقوم به. استقالة رامسفيلد، أو بالأحري اقالته، لم تكن تعبيراً عن وضوح في الرؤية. فوزير الدفاع الذي قاد الغزو وأدار الاحتلال، وأحاط نفسه بعرابي مشروع الغزو والاحتلال من حراس الدولة العبرية ومصالحها في واشنطن، كان يعرف ان المشروع قد أخفق. تقرير لجنة بيكر قد يوفر غطاء لسياسة جديدة، ولكن ذلك ليس مؤكداً بعد، لأن الادارة ليست ملزمة باتباع توصيات اللجنة. المشكلة الأساسية لم تزل باقية: ان الادارة الامريكية لا تريد الاعتراف بأن المشروع من أساسه كان خطأ وخطيئة، وأنه انتهي الي الاخفاق، وأن سياسة الهروب من العراق بمحاولة احراز نجاحات في مناطق أخري كانت هي الأخري سياسة خاطئة، وأن علاج المسألة العراقية الوحيد هو الانسحاب الكامل والنهائي والتعهد بالتعويض علي العراق وشعبه. بهذا فقط يمكن فك ارتباط العراق بسلسلة الأزمات الأخري، والتعامل مع سورية ولبنان، فلسطين، وايران، علي أساس معطيات كل مشكلة.
بيد ان القوي الاقليمية مطالبة هي الأخري بتحديد مواقفها من المسألة العراقية والعمل علي التوصل الي تفاهم اقليمي ينزع الفتيل من الصراع العراقي الداخلي ومن احتمالات تحول العراق الي ساحة للصراعات الاقليمية. ان الاستراتيجية الامريكية في المنطقة تنهار أمام أعين العالم أجمع. باخفاق المشروع الامريكي يعود العراق، بكل تعقيداته، مسؤولية المنطقة العربية في شكل أساسي. وربما ليس من الممكن التوصل الي تصور عربي اجماعي بدون عودة التحالف المصري ـ السعودي ـ السوري الي الحياة والفعالية. كل ما قيل عن ان الأردن قد احتل موقع سورية في التحالف الثلاثي ليس الا قبض الريح. فالأردن غير مؤهل للعب مثل هذا الدور. وفقط بعد تبلور تصور عربي لمستقبل العراق يمكن التوصل الي تفاهم مع ايران حول حدود المصالح الايرانية في العراق. وربما سيفتح التحرك العربي في العراق الباب لحل الأزمات الأخري التي ولدتها السياسة الامبراطورية الخرقاء للادارة الامريكية.