يقولون عن كيسنجر، وزير خارجية الولايات المتحدة الأسطوري في ايام حرب يوم الغفران، أنه عرّف مرة الفرق بين سياسي غربي وعربي علي هذا النحو تقريبا ـ الزعيم الغربي يلتزم بما اتُفق عليه في الغرف المغلقة حتي لو أعلن العكس فوق جميع المنابر. ويلتزم الزعيم العربي بما يعلن فوق جميع المنابر حتي لو وقع علي العكس في الغرف المغلقة.
اجل، تعودنا في واقعنا السياسي علي قادة اسرائيليين يعلنون باستخفاف ومن الفم فقط عن قيمة الجولان لأمن اسرائيل، أو عن أبدية بيت ايل، وعن قوة دفاعية عبرية أمام مستوطنات غوش قطيف، وأن الشرم بلا السلام أفضل من السلام بلا الشرم ـ في حين يسعون في الظلمات ويلتزمون باتفاق يناقض هذه الموضوعات تماما.
من جهة ثانية، نما عندنا إجلال وخوف من التصريحات المعلنة لحسن نصر الله أو نجاد بأنها تُبين عن سياسة متصلة وعملية. اذا كانت تصريحات العرب كما يزعم شلومو غازيت لا معني لها لا نحتاج الي اعتراف، 5/12، فلماذا تصر حماس علي عدم الاعتراف باسرائيل؟ لانه بهذا الهذر، سيُزال عبء الحصار عن الفلسطينيين، وسيحظون بوفرة دعم دولي. ان سلوك حماس اليومي عكس زعم غازيت.
أصر عرفات علي صيغة دولتان تعيشان بسلام واحدة بجانب الاخري، ولم يتجرأ علي ان يقول لمرة واحدة دولتان لشعبين. لقد أجّل المعني المعلن للاقوال.
لكل تفاوض سياسي مرحلة سابقة هي جزء جوهري في التفاوض: تصريحات سياسية معلنة ومحاولة تعريف خط بدء التفاوض بواسطتها، ومضاءلة توقعات الطرف الثاني، ورفع سعر الأملاك الموجودة والتي حُشدت قبل التفاوض. ستكون للتفاوض مع الفلسطينيين نتائج مغايرة اذا رأته الجماعة الدولية تفاوضا في انهاء الاحتلال واعادة الحقوق الضائعة للفلسطينيين الضعفاء مقابل الدولة القوية اسرائيل، او اذا تمت رؤيته كتفاوض تصارع فيه اسرائيل الهشة عن وجودها كدولة يهودية في الشرق الاوسط. حتي لو كان لتصريحات الفلسطينيين او العرب معني محدود ايضا، كما يزعم غازيت، فانه يوجد للصورة التي تراها الجماعة الدولية للنزاع معني عظيم.
ان تجربة الماضي مع الفلسطينيين، وفي الشرق الاوسط عامة، تُبين ان الامور العملية الصغيرة خاصة التي يُتفق عليها في التفاوض تُنقض باستهانة، علي يدي اسرائيل ايضا. تُبين التجربة ايضا أن اجهزة الرقابة الدولية غير مستقرة جدا، وهي تخضع في الواقع للمصالح المتغيرة للقوي المشاركة. تتلاشي اليونيفيل في لبنان، وقوة المراقبين في الجولان في 1973 أو قوة الامم المتحدة في سيناء في 1956 عندما يُحتاج اليها حقا.
لهذا يُحتاج الي اعتراف، بسبب الاحترام الذي يعطيه العرب خاصة للكلمة المعلنة الصريحة، من اجل حشد أملاك استعدادا للتفاوض في الجماعة الدولية ولنُعرّف لنا وللعالم فيما النزاع حقا.
داني ريشف ضابط استخبارات سابق(معاريف) 6/12/2006