الحكومة السودانية ومجلس الامن الدولي: الالتهام بعد الاتهام!

حجم الخط
0

عثمان ابراهيم الطويل

يجب ان تدرك الاطراف المتصارعة حول دارفور ان الشعب السوداني لا يريد ان يدخل فترة التثاؤب الطويل بل يريد الحوار والحلول السياسية لأزمة دارفور. ان مجلس الامن الدولي يعطي نفسه الحق في اتهام الحكومة السودانية واصدار احكامه ضدها وتنفيذها وكأنه يملك ولاية تمتد من المباديء الي المشانق، فالسودانيون بالرغم من اختلافهم مع پعض السياسات الحكومية الا انهم يدركون ان هناك عناصر تتربص بهم وتحرش بهم ويدعون الله ان يحميهم من هذه العناصر المتربصة. ان قضية دارفور قضية متشابكة ومعقدة بأكثر من كونها قضية تطهير عرقي بين الزرقة والعرب. فلقد بدأ مجلس الامن بطلب واحد وخمسين متهما من السودانيين لمحاكمتهم في محكمة الجنايات الدولية ومن بين هؤلاء مسؤولون سودانيون من السياسيين والعسكريين، ولا يستطيع السودان بمنطق العدل والقانون ولا بمنطق السيادة والكرامة الوطنية تسليمهم حتي المنطق السياسي يرفض ذلك، لان الحكومة السودانية تدرك ان من بين المقاصد هدفا واضحا من مطلب تسليم المطلوبين هو امكانية الضغط عليهم لرفع المسؤولية المدعي بها ضدهم الي اخرين فوقهم من المسؤولين لانه ليس هناك احد فوق المسؤولية. ولكن في نفس الوقت ليس من حق احد ان يأخذ القانون في يده مبدأ تحقيقا وحكما وتنفيذا والا فهي فوضي قانونية وفوضي سياسية.

فالسودانيون بالرغم من اختلافهم مع بعض السياسات الحكومية الا انهم يدركون ان الغرب الاستعماري يريد السودان كله علي هواه ويريده ارضا مفتوحة امامه بلا عوائق وحتي بلا تضاريس، فالسودان منطقة حيوية بالنسبة للغرب بسبب موارده البترولية ومعادنه النفيسة من الذهب والنحاس والفضة والحديد واليورانيوم وليس بسبب غرام مفاجيء بالزرقة الافارقة في دارفور والمناطق المهمشة.

فالعقاب الذي ينتظر السودان اليوم هو الالتهام بعد الاتهام، لانه لا يعقل ان تذعن دولة لدول اخري في تسليم مواطنيها طبقا لاي قاعدة قانونية او ان تسمح بدخول جيوش الاحتلال لارضها دون اذن من السلطة التشريعية في هذه الدولة لان ذلك يعتبر عدوانا صارخا علي السيادة الوطنية السودانية، لانه لم يحدث في التاريخ بين الدول المستقلة ان ظهر مثل هذا الطلب الغريب العجيب الا اذا كان الغرض التحرش والاذلال باسم العدالة او امن دارفور، فالتشريعات العالمية كلها تجمع كل الدول علي التمسك بمبدأ اساسي ورئيسي يشكل جوهر السيادة الجنائية لكل الدول علي مواطنيها الا وهو عدم تسليم مواطني الدولة الي دولة اخري مهما كانت الاسباب.

فالحكومة السودانية قد بدأت في محاكمة المتهمين من جرائم الحرب في دارفور وحكمت المحاكم علي بعض المتهمين بالاعدام والاحكام المؤبدة، لان القضاء الوطني هو المختص اساسا بمحاكمة مواطني الدولة المقيمين علي ارضها عن اي جرم وقع في الداخل او الخارج وليس هناك اي استثناء في العالم كله علي هذه القاعدة.

فالسودانيون يدركون ان امريكا لا تلبس ثياب القاضي في هذه القضية وانما تلبس ثياب المنتقم قاطع الطريق، ثم انها لا تمسك بميزان العدالة في يدها ولكنها تمسك بالخناجر والقنابل. ان اصرار مجلس الامن علي دخول القوات الاممية الي السودان تحت البند السابع هو اصراره علي تسليم المتهمين ومحاكمتهم في محكمة الجنايات الدولية ولانتزاع الاعتراف منهم بأن الحكومة السودانية وراء هذه الجرائم ضد الانسانية ويكون ذلك ذريعة لاسقاطها ولو بالقوة، وربما عبر اليات الشرعية الدولية ثم عبر الحل العسكري، لان الاستراتيجية الغربية قد استقرت علي تغيير النظام السوداني طوعا او كرها مهما كانت ايجابية مواقفها في الحلول للمشاكل بالوسائل السياسية التفاوضية السلمية.

فالرئيس السوداني عمر حسن البشير عندما اقسم ثلاث مرات انه لن يسلم مواطنا سودانيا ولم يسمح بدخول القوات الاممية الي دارفور، ليس ذلك رفضا للقرارات الدولية الصادرة من مجلس الامن ولكن تنبيها لهذا المنهج المتطرف الجديد وخطورة اتباعه لان القرار جاء ليمس السيادة السودانية الوطنية. فلا يعقل ان يوافق الرئيس ان يحاكم مواطنو السودان خارج بلادهم او ان يسمح بتدنيس ارض البلاد بقوات اجنبية تمس السيادة الوطنية. وهذا ما دفع السودانيين جميعا للالتفاف حول الرئيس وعلي الضعيف والمتخاذل من الاحزاب التي تعارض الحكومة وتؤيد التدخل الدولي في دارفور والمتخاذل تدور الدوائر بعد ان تميزت الصفوف. ويبدو ان لعنة قرار 1593 وقرار 1706جاءت لتضع المسمار الاخير في نعش القوي السودانية المعارضة ولا اقول نعش حزب الامة بقيادة الصادق المهدي او المؤتمر الشعبي بقيادة الدكتور حسن الترابي او الحزب الشيوعي بقيادة الاستاذ ابراهيم نقد. لقد رسب زعماء الاحزاب الثلاثة في الامتحان ولم يستطيعوا التفريق بين معارضة الحكومة ومعارضة الوطن. فالرئيس البشير قد رفض تلبية رغبات الغرب الاستعماري الجامحة وغير العادلة والذي يتخذ من مجلس الامن اداة لتحقيق اغراضه واهدافه. يطالب مجلس الامن في وقاحة ليست بعدها وقاحة ان يقوم السودان بتسليمه واحدا وخمسين مواطـــــنا سودانـــــيا ليحاكموا في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي فـــــي تهم تختص بالجرائم ضد الانسانية وان تسمح الحكومة السودانية بدخول قوات اممية لاقليم دارفور.

لقد وعدت الحكومة السودانية المجتمع الدولي بأنها ستقوم بمحاكمة هؤلاء المتورطين وشكلت لجان تحقيق قضائية وعقدت محاكمة جنائية وحاكمت ونفذت الاتهام ضد المتورطين باعتبار ان القضايا جنائية والاختصاص فيها للمحاكم السودانية وليس لمجلس الامن. ادرك السودانيون ان الهدف السياسي للدول الغربية هو الاطاحة بنظام الرئيس البشير باعتباره نظاما حرا لا يقبل التبعية ويرفض ان يكون تابعا. والغرب الاستعماري لا يرضي ابدا ان تكون هناك دولة خارجة عن دائرة التبعية. ولذا كان امام الرئيس البشير ان يختار بين امرين اما التبعية للغرب الاستعماري او الارادة الحرة السودانية، فالقرار الذي اتخذه مجلس الامن كان متوقعا حيث مهدت له الولايات المتحدة مع حلفائها برفض عدة مبادرات سودانية، بالرغم ان الحكومة السودانية ظلت تخطط من خلال مباحثاتها مع متمردي دارفور في دول الجوار العديد من التنازلات والعروض والقبول بدخول القوات الافريقية، فالذريعة التي يتذرع بها مجلس الامن هي ان الحكومة السودانية ترفض تنفيذ القرارات الدولية ولا ترضخ لقرارات مجلس الامن، في الوقت الذي نجد ان الغرب الاستعماري يستخدم مجلس الامن لتغطية عملياته التآمرية وهو يستطيع توجيه قرارات مجلس الامن والذي منع الصين من استخدام حق النقض. وهكذا برز دور خطير في تحويل مجلس الامن الي مؤسسة تخضع للابتزاز الغربي وللسيطرة الامريكية حيث فقدت الامم المتحدة دورها كمنظمة دولية للحكم في النزاعات التي تحصل بين الامم.

فالحقيقة التي يدركها السودانيون جميعا انهم امة مستهدفة يتربص بهم الاعداء فعروبة السودان او افريقيته او اسلاميته يجب ان تفهم انها امتداد لافريقية السودان اي ان السودان جسر بين العروبة والافريقية كما ان الهوية السودانية هي التي تجمع العرب والافارقة والمسلمين والمسيحيين واللادينيين في سودان الدولة برباط المواطنة. فالدولة في حجم السودان بموارده المالية الهائلة وبأراضيه الشاسعة وبحكمة قادته وواقعيتهم وبقيمهم الروحية التي لا تتبدل مثل هذه الدولة التي تملك المقومات الحضارية الحقيقية لا يمكن ان يترك السودان ينطلق بل ستظل هناك مطبات وخوازيق، فالمطلوب من القيادة السودانية الحكومية منها والمعارضة ان يضعوا العقلانية الحديثة في مواجهة اللامنطقية التقليدية لان الارتماء في احضان امريكا لن تفيد المعارضة السودانية بشيء وما تجربة العراق عنا ببعيدة.

وعلي الجهات المعارضة الابتعاد بعض الشيء عن تلك المواقف الخيانية الكيدية لان الحكومة الحالية هي حكومة الامر الواقع، وعلي المعارضة في ظل التحول الديمقراطي ان تضع برامج بديلة للقضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تخدم سلامة الوطن واستقراره.

فالسودانيون في ظل حكومة البشير قد اكتسبوا وعيا سياسيا عاليا ولا يستطيع كائن ما تضليلهم او اجبارهم لتجيير ارادتهم. فالمعارضة يجب ان تدرك ان هذه الحكومة لا تحكم ارضا اخري، انها حكومة تجسد ماضي الأمة السودانية وحاضرها ومستقبلها، لان السودانيين ينظرون لمستقبل بلاهم في ظل حكومة البشير بثقة مطمئنة حتي ولو كانت هناك بعض علامات استفهام دون ان تدرك المعارضة ان القاسم المشترك هو رؤية علامة تعجب حول خزعبلاتها ومواقفها الاستكانية الداعية للاجنبي عبر القوات الدولية بتدنيس ارض السودان.

ہ وزير ومستشار وسياسي من جنوب السودان8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية