موت شفاف

حجم الخط
0

علوان حسين

استيقظ باكراً جداً علي غير عادته. أخذ حماماً صباحياً منعشاً وهو يدندن بأغنية مرحة. حلق ذقنه وعطره بالكولونيا ثم ارتدي بدلته الجديدة التي اشتراها مؤخراً مع الحذاء الأنيق الذي أضفي عليه لمسة باذخة. بدا في أوج أناقته. أخيراً أخرج قارورة العطر الباريسي التي كان قد خبأها ليوم كهذا. انطلق من مكمنه يمارس هوايته المفضلة، المشي في الهواء الطلق. كان قد اكتسب مظهر الرجل السعيد الذاهب الي نزهته الصباحية بحيوية ونشاط يحسد عليهما. كان سعيداً حقاً لأنه ذاهب لتحقيق آخر مغامراته التي سترفعه الي مصاف المغامرين والحالمين والشهداء.

للمرة الاولي ينتابه احساس بالزهو والامتلاء وبعض الرضا عن نفسه فقد كانت حياته من قبل عادية رتيبة يكاد يتفسخ فيها ببطء. لقد فسد جسده وشاخ قبل أوانه، انه الآن بحاجة لينقذ روحه من العطن. منذ يفاعته أبدي نفوره من واقع رآه فظاً بلا جمال. كره المدرسة لأن معلم الحساب كان يضربه بقسوة مفرطة. ذات يوم عاد منكسراً الي البيت فوجد بدلا من الأب الرحيم طاغية يسخر من غبائه وهو يثني علي المعلم الحكيم وقد أكمل موعظته الأبوية بصفعة مدوية، لكنه وبشيطنة طفولية قرر وقتذاك الانتقام لكرامته المهدورة فقذف بنفسه الي النهر، وحين جرفه التيار المتسارع كان جامداً، لكنه حين بدأ يغوص في أعماق النهر ثم يطفو في لعبة سمجة أحس بنشوة ماكرة في أن يغدو جسداً شفافاً طافياً فوق الماء. ود في تلك اللحظة أن يري أباه ملوثاً بالدموع وعذاب الضمير. لكم ذعر حين أفاق وألفي نفسه مرمياً فوق سرير أبيض ومن حوله الأهل يتوسطهم أبوه بشاربه الكث وسحنته الصارمة يحدق فيه بنظرات ملؤها الاشفاق والشماتة. دفن رأسه في صدر أمه وبكي بحرقة لأنهم سرقوه من عالمه الوردي وكأنهم انتشلوه من أعماق الفردوس. كانت العداوة بينه وبين الآخرين تزداد دونما أسباب واضحة. لم يكن طيباً ولا خبيثاً فقد كان يخفي خلف وداعته وهدوئه الظاهرين مزاجاً نزقاً وروحاً قلقة تتوق الي السقوط الي الأعلي، نحو ذري شاهقة في عوالم خيالية تصنعها له مخيلة شيطانية مغوية. ودَّ أن يكون حكيماً أو نبياً أو كاتباً كبيراً فانكب علي قراءة الكتب يلتهمها بشراهة. استهلك ثلاثة أرباع حياته في قراءة صامتة والربع الباقي قضاه في حظيرة اعدت لانسان القرن العشرين في ردة غبية الي عصر السلالات المنقرضة حيث عاش حياة أكثر فظاظة وبدائية وتوحشاً من انسان العصر الحجري. ها قد تفوق برابرة العصر علي هولاكو وتيمورلنك في الهمجية والسفالة. ان الجحيم الموصوف في الأساطير والأديان لم يكن خرافة كما يعتقد البعض لأنه رآه واكتوي بناره. حين قذفوا به الي الشارع لم يصدق عقله ولا يدري ماذا يفعل بحياته، بعقله الذي يوسوس له كل صباح أن الحياة ليست سوي موت طويل، وبدلاً من أن ينال جائزة في الآداب مثلاً تسلم شهادة تقديرية من مصحة الأمراض العقلية تؤكد أن حامل هذه الوثيقة الحساسة شخص في غاية الخطورة والأهمية ويمكن أن يكون فيلسوفاً مجنوناً كخضير ميري أو ارهابياً كبيراً كسلفادور دالي وجان جنيه، وربما يكون أكثر عنفاً من بتهوفن.. حدث نفسه: في لحظة نادرة يحدث أن أموت مشنوقاً في سجن. ربما في طلقة من مسدس كاتم للصوت، تلك الميتة الشائعة في بيروت أعوام الثمانينات. ممكن أن يتحول جسده الي شظايا متناثرة لحظة نسف حانة سمكلران. في تلك الليلة احتسي النبيذ مع صديقة لطيفة انتهت نهاية فاجعة احتسي فيها دمه، كل هذا من أجل أتاوة تافهة لم تصل في وقتها المحدد لعصابات ميليشيا في بيروت. تذكر أنه غادر البناية التي يقطنها في الفاكهاني وبعد خمس دقائق فقط وجدها وقد تحولت الي أنقاض وقد نجا طفل كان نائماً في شقة تقع في الطابق السابع.. هل كان هو الطفل؟

تساءل بدهشة كيف لم أمت في احدي المجازر الشارونية وقت حصار بيروت، او عند حاجز كتائبي كما ذبح فنان عراقي مبدع كان صديقاً له هو كاظم الخالدي وشاعر جميل يكتب بغنائية آسرة يلقب (أبو سرحان). الآن في أمريكا أعيش وحيداً في عزلة باردة المرأة التي أحبها لا امل في استعادتها، يبدو ان الحبيبة صورة يرسمها لنا الخيال لامرأة لا وجود لها في الواقع، او أنها موجودة في مكان ما من العالم ولم تسمح الظروف باللقاء. علينا أن نكتب قصائد حب لامرأة لم تولد بعد. كان يظن بأن الحب يشفيه من الكوابيس، وأن المرأة وحدها ترمم له ما تشظي من روحه وتلم الأجزاء المتناثرة منه بيدين حانيتين تشيل عنه قهر السنوات وحرمان عمر طويل من الحنان للمستها الرقيقة الناعمة.

قالوا له تزوج عبر الانترنت، وتساءل هل تزوج شاعر امرأة انترنيتية من قبل؟ أيكتب مواصفاتها في قصيدة.. يحدد طول قامتها ولون العينين وشكل الشعر، متموجاً أو فوضوياً؟ ماذا عن الجسد أبيض بلون العسل المخلوط بالحليب إلخ؟ أريد امرأة تمتع الفكر والبصر وتترك أثراً منها في كل لقاء.. انثي شاعرة بروحها كشجرة في زهوها وثمارها وصبرها الجميل.. أحبها مرحة حزينة قليلا، أريدها بقدر معين من الجنون ولا أريدها عاقلة. حرة قادرة علي أن تطير تفكر وتعشق دون خوف.. ناضجة كخوخة مشتهاة بقلب طفل وطيبة أم ترضع الحنان.. كان هذا قبل خمس دقائق.. الان لست يائساً كفاية لأن أموت مضرجاً كالأحلام. أنا ملك لي قلب أجلده كل صباح، ومملكة سحرية تقطنها مخلوقات مجبولة من مادة هلامية ليست من جنس البشر ولا الملائكة، هؤلاء هم رفقتي الخالدون. أعيش بينهم كائناً متسامياً لا يحزن ولا يتألم ولا يقنط، فقط أجلس أتأمل الوقت وهو يسيل أمامي كرصاص مصهور.

جائع أنا، شره وأكول. التهمت وبسرية كاملة كل ما يصلح للأكل.

أكلت جدراناً كثيرة ومتنوعة، جدراناً مطلية بكلس الأرواح، سميكة وأخري رقيقة. كذلك الأبواب وكلها سود ومعها الأقفال والكلبجات والدواليب والكرابيج وحصي مطبوخاً بالبرغل وأكياس الزبالة وعيون الشرطة، والقمر البليد الذي يحرس الليل. أكلت الضجر والموت والصراخ الوحشي والمشاجرات المسلية والدموع الطازجة. أكلت النوم والذكريات والشتائم البذيئة وأحلاماً نيئة مصحوبة بكوابيس مخصبة مصنعة خصيصاً للراغبين في تذوق مسرات فكهة تقاوم الصدمات. لقد عشت حياتي بجدية وامتلاء، كما ينبغي تماماً في مثل هذه الأحوال السعيدة. ربما كان عليّ أن أذكر أنني كنت أقضم نهود النساء الجميلات اللائي وقعن في أفخاخ نومي، راشفاً نبيذ المودة وذلك العري الذي يسيل علي شراشف الليل. الآن لم يعد لي رغبات أو هموم أو حتي أخطاء تستحق أن ترتكب دون ندم. لم يعد يثيرني الخوف ولا الخوف من الخوف ولا النوم بين مخالب الأسد. أعترف بأن لا أسباب وجيهة للانتحار ولكن ربما أذكر سبباً واحداً قد يبدو مضحكاً قليلا لكنه سبب كاف ومقنع بالنسبة لي. كلبي اللطيف (موزارت) لم يعد يطيق الحياة معي، وربما أصيب هو الآخر بالاكتئاب ولذلك هو مضرب عن الأكل والنزهة واللعب علي البيانو. أعلم أن الموت سخيف ولا معني له، كما أنه يفتقر تماماً الي الدهشة ولكن أليس من العبث أن يعيش الانسان حياة مريحة نسبياً، بأحلام محظورة أو ملغاة، ويري الناس تموت جماعات وفرادي وكأن ثمة انتحارا جماعيا او نوعا من الهستيريا والجنون أصاب الناس فتراهم يقتلون ويقتلون بفظاعة ووحشية تحسدهم عليها وحوش الغابة. علي قمة جبل في سان دييغو وعلي طريق جبلي سار سعيداً رائعاً ورائقاً، مستسلماً لأفكار عذبة وأحاسيس جديدة، مشوشة قليلاً.

قال سيغفر لها أولاً لو كان يملك وقتاً كافياً. كاد يهيم بها حد الهوس ويكتب لها القصائد بالدموع. كان يمكن أن لا يزدري العالم لو كانت الأرواح المتألمة أقل، لو كان الموت أكثر نبلاً وجمالاً بقليل. كان يمكن أن يكون قاتلاً نبيلاً لو منح فرصة واحدة. كاد يصرخ:

ملعونة ملعونة هي الحياة لولا القليل من الموت الأبيض. هكذا بكل ما تبقي لديه من طيش ورعونة أطفال، وجنون ومرح اليائسين اندفع راكضاً الي الأمام نحو تلك القمة الشاهقة، دون أن يلتفت أو يتباطأ أو يتوقف قليلاً. فرد ذراعيه علي اتساعهما وقفز من علي حافة الجبل. طار جسداً شفافاً طافياً في الهواء.

كاتب من العراق يقيم في أمريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية