مهرجان مراكش السينمائي الدولي في طبعته السادسة: البحث عن الهوية المفقودة أم التطبيع المستمر مع الفرانكوفونية؟

حجم الخط
0

مصطفي غلمان

القدوم إلي السينما ليس سهلا بالمرة. والأقسي أن يكون ذلك بوازع ملح، مثل متابعة مهرجان برمته. القضية هنا تتشابك شيئا ما، حيث الرؤية الملحاحة للواقع تبدو مغايرة تماما. الزمن يحتفي أحيانا بالأشياء التي تأتي هكذا، منطوية وغائمة، مثلما الحلم يتجسد علي الفراش فقط… وبعده يكون الصدام مع المرئي اليومي، مع المعيش أيضا.

قال صديقي الصحافي محمد أمين العمراني إن المنامة لا تستريح إلا علي أريكة الأفلام، وقت العرض طبعا، والأدهي أن تشكيل الحلم إبان مشاهدة الفيلم في القاعة المظلمة يكون أعتي من دبيب الأنثي وأفصح من الصدر الأثير. ويقدم زميلي تبريرا استشهاديا متحركا، حيث لم يستطع أبدا مقاومة نعسته المتقطعة وهو يتنطع مجاهدا من أجل متابعة فيلم بوبي للمخرج الأمريكي إيمليو إستيبان، والذي كان بطله الخرافي الممثل شارون ستوم الذي جسد دور مريام في سيناريو مدهش اجتمعت من خلاله مجموعة أيقونات مشخصنة لثمانية أشخاص عايشوا اغتيال السيناتور الأمريكي روبير كنيدي، مرشح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية ببهو فندق أومبسادور بلوس أنجلس. ومن دون جدوي خرج صديقي الصحافي من القاعة مبتسما كعادته، رائيا عبر هذه الفسحة المتناقضة من الرغبة والحلم، متسائلا ما إن كان الحديث عن السينما الآن يصلح للمفاضلة، أو الامتداد العقلي.

وأنا أصارحكم ها هنا، مع الأسف الشديد بمدي رغبتي في التمدد علي نفس الأريكة التي سحرت صديقنا لمعاقرة الشاشة الكبري، بالمواجهة وتحديد المفهوم. وسأكون مثابرا لو آنستني سيدة البيت، من أجل أن أحصر نوع هذه التحية، فالساحر لا يمانع في ممارسة سحره، من دون دجل أو مغامرة. علي الباسط كفه، فقط الاحتماء بدوال أخري، تسترجع مظاهر السحر ودهاء الساحر. تذكرت حالا معني ديبور وهو يقول إنه عندما يتغير العالم الواقعي ويتحول إلي صور بسيطة، فإن هذه الصور البسيطة تصبح هي الكائنات الواقعية، كما أنها تصبح الدوافع الفعالة الخاصة بالسلوك التنويمي السائد.

أتساءل مع صديقي العمراني مرة أخري ما إن كانت طريقة التنويم التي ذكرنا قادرة علي تصحيح رؤي العوالم اللامحررة. العوالم الباطنية التي لا تري إلا في الأحلام؟

خارج المسابقة، داخل المتاهةمن المؤسف أن يكون فيلم ذ ديبارتيد لمارتين سكورسيزي الشهير خارج مسابقة مهرجان مراكش في دورته السادسة. ولا أدري ما الذي منع سكورسيزي من إنهاء مهمة بطل فيلمه المفضل (عميل الشرطة الخير بيلي كوستيكان) والذي قام بتجسيد دوره الممثل الشاب الظاهرة ليوناردو ديكابريو، قلت ما الذي منع المخرج من إحياء جذوة الفيلم في آخر المطاف. فقد قتل الكل تحت تأثير العبث والجشع والانتظارية الخانقة، ثم إن سكورسيزي المتفتح علي الحضارات والمحب للسلام العالمي والإنساني ـ بحسب تصريح له ـ يأبي إلا أن يغالط نفسه وهو يجادل في ديمومة قيم الخير. بل إنه يحتمي بالمجتمع الأمريكي، انطلاقا من وقائع ولاية اسمها بوسطن عرفت عبر زمن بعيد مجموعة متغيرات ونتوءات مجتمعية خطيرة، كانت العنصرية إحدي ركائزها الكبري. وأحسبني في هذه المتاهة مجحفا، في حق نفسي أولا، لأني تطعمت مذاق سكورسيزي وهو يفشي دمويته علي طول وعرض الخط الذي رسمه في الفيلم المذكور، علي أن ذلك أغرق التأثير إياه في بحبوحة من الجدل والعطل البذيء، حينما حدثني زميلي الكاتب محمد القنور عبر الهاتف النقال غداة عرض فيلم القتل السالف، عن اندهاشه الشديد من منعه من سحب بطاقة اعتماده الإعلامي من إدارة المهرجان. والغاية أن العرض الافتتاحي لم يكن ممكنا بالنسبة لي من دون حضور القنور، ذي الحضور القوي واللافت في الدرج الأخير لقاعة العرض الكبري حرف دال فوق السحاب، دائما كما ألفت. ليس ذلك إلا مقاربة شخصية لردة فعل ألهبت جوارحي، أو ارتدادا نفسيا متواصلا، كان الفرق فيه متحدرا من المشاهدة ومكافحة القتل، القتل المجاني، القتل الدموي والسيكولوجي… ساحة جامع الفنا: الأرض تتكلم عربيايقف الجمهور الغفير ساعات وهو يقاوم الصقيع، معلقا بين السماء والأرض ليتابع هو الآخر العروض السينمائية بالساحة الشعبية جامع الفنا. العروض المغرية لا تفسح الطريق لمن يود التأقلم مع أجواء الوسيط الصناعي الضخم، وسط ركام من الأدخنة والازدحام الشديد.

علق الإعلامي الصديق الحبيب بوريشة علي طريقة العرض إياه بالإهانة البالغة لشعب ينادم الرصيف، وعلي أهبة للتخلص من رثائيات زمانه المر. فالتواصل مع الجمهور ليس انتقالا من فضاء لفضاء، بذات النهج الذي يفتح الأبواب علي الغوارب، كما أن الاستعراض الفني لا يكون البتة قابلا للرؤية والفهم من دون دمج الحالة التي يكون عليها الناظر أو المبصر، وهو البناء الذي قال عنه كيلز من خلال كتابه الشهير ميديا الاستعراض أو ميديا العرض والمشهد، إنه لا يوافق التماثل اللاطبيعي بين الصورة وإيقاعاتها، والنسخ والتناسخ، في تجسيد معني الصورة وغيرها.

ساحة جامع الفنا تستقبل كل يوم أحداثا في مثل حجم مهرجان السينما. إنها لا تنقطع عن مرافقة نجوم العالم، الذين يأوون الأزقة ويمارسون طقوسهم الخاصة داخل أمكنتها وأزمنتها. ومع ذلك كله فالسينما بالنسبة لأهل مراكش هي سحنة أخري، أوجه متعاركة، تحجب رؤيتهم للواقع. فهم يتأملون الهنود في أغانيهم الرومانتيكية ويوتوبياهم الحالمة. بل يشدون الرحال لسينما تقع في الجانب الشرقي الأقصي لمدينتهم سينما الريف التي تمدهم بأحدث أفلام أميتاباشان وشاروخان وكنجور وغيرهم كثير… وإذا جاءتهم السينما هكذا، لا تتكلم عربية بالمرة، وفي قلب ساحة جامع الفنا، وهم واقفون يترصدون مواقعه، علي أهبة للسمر في الليل الحالك البارد، فالحذر كل الحذر أن يتقشر نهمهم ليصير بعد لأي نسيا منسيا، خصوصا وأن الحياة هناك لا تحتاج سوي القليل من المعني، والكثير من الوقوف، ليستمر البهاء بعيدا عن سينما متنقلة.

تكريمات: من محمد مجدإلي السينما الإيطاليةأعترف مسبقا أنني ضد تكـــــريم الممثل المناضل الأستاذ محمد مجد. ليس حسدا للرجل والعياذ بالله. وليـس قطيعة سينمائية. بــــل غيرة علي تكريس المستهلك. في الساحة المقابلة للمقهي الشتوي وقف الممثل الكوميدي بزيز وكعادته، وبصحبة مشاركين من جمعيات المجتمع المدني الحقوقي، وقف مجاهرا وأمام عشرات الكاميرات العربية والأجنبية، قائلا إنه ممنوع من العمل الفني ومن الظهور في الشاشات المغربية. وأثارني شعاره المكرر المهرجان ها هو ومراكش فينا هو أي أين مدينة مراكش من كل ذلك؟

والحقيقة أن الأمر لا يعني سوي السؤال عن مفهوم تكريم الفنان، وعن الجوائز الممنوحة. ورجوعا للمكرم محمد مجد، يتفاعل تصريحه المتفجر في إحدي الصحف اليومية الناطقة باللغــة العربية لو أحيل ملف تسيير مهرجان الفيلم بمراكش للمغاربة لفشل؟ يتفاعل ومســـــؤولية الاختيار، فالمتابعة الحثيثة للفــنان المغربي برمته تطرح أكثر من دلالـــــة، خصوصا فيما يتعلق بالمــواقف والأطروحات المعادية للهوية الوطنية. إن طرق التعبير التي تخل بالحد الأدني بالإحساس بالذات، كمنجز جماعي أنثر وبولوجي هي خارج الصف، ويجب أن تؤول في النهاية للمحاكمة العقلية وليس التشريف أو التكليف.

في المقابل هناك احتفاء استيطيقي لبعض المدارس العظيمة التي رسخت وجودها في الباحة السينمائية العالمية. وما التنويه بدور السينما الإيطالية في الدورة السادسة لمهرجان مراكش السينمائي سوي دلالة حقيقية علي الاستفادة والإفادة من أعمال ظلت إلي عهد قريب محط اهتمام خبراء الصورة والبروباغندا. أنا أتذكر بحب بالغ أفلام كل من مايكل أنجيلينو وجويسبي دي سونتيس ولويكي زامبا وفيطــوريو دو سيـــــكا ودينو ريزي ويويكي كومانيتــــشي، وغيرهم من العباقرة الذين قادوا ملحـــــمة السينما العالمية إلي الأوج… أشياء أخري ستنضاف مع مزيد أيام المهرجان التسعة، وللحديث بقايا.

إعلامي وشاعر من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية