د. عبدالوهاب الافندي
(1)في عام 1985، وفي ذروة حملة إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان علي حكومة الساندينستا في نيكاراغوا سئل ريغان عما إذا كان هدف إدارته هو إسقاط الحكومة هناك، فأجاب إننا سنتخلي عن محاولة إسقاطهم إذا قالوا يا عم وتخلوا عن يساريتهم. عبارة ياعم هو تعبير دارج كناية عن الاستسلام، ولا بد أن له نظائر في اللغات الدارجة الأخري (في الدارجة السودانية يستخدم الصبية تعبير قول الروب لمن يريد أن يعترف بالهزيمة وأن يسمح له بالانسحاب بسلام). وكما هو معلوم فإن مثل هذه التعابير تستخدم من قبل الفتوات، وتتعمد الإذلال العلني للخصم عبر تسبيب أمل فوق الاحتمال، واستغلال نقاط الضغط إلي أقصي حد ممكن.(2)وسائل الإعلام الأمريكية التي نقلت هذه التصريحات، بما فيها مجلة تايم المحترمة، لم تعترض علي هذه الاستخدام للغة الشوارع من قبل رئيس دولة عظمي، بل اعتبرتها جزءاً من استراتيجية الرئيس لنقل معركته مع الكونغرس الذي كان يعارض سياسته تلك إلي الشارع وكسب الرأي العام إلي جانبه.(3)مع صدور تقرير مجموعة بيكر ـ هاميلتون (المسماة بمجموعة دراسة العراق) أمس الأول قالت أمريكا أخيراً الروب بكل اللغات الحية. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بالاعتراف بالفشل في العراق (وهو ما فعله وزير الدفاع المعين روبرت غيتس وتبعه في وفاء يحسد عليه رئيس وزرائنا الهمام توني بلير) وإنما بانهيار مشروع المحافظين الجدد بأكمله. فقد شهد هذا الأسبوع انسحاب آخر صقور الإدارة السفير المعين لدي الأمم المتحدة جون بولتون، ومعه كشف عن اعتراف وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد بالهزيمة قبل أن يبوح بها غيتس عندما كتب إلي رئيسه يطلب تعديلاً جذرياً في السياسة في العراق.(4)معالم الانهيار الكامل لا تقتصر مع ما ورد في التقرير (وقبله في نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس) من رفض حاسم لسياسة بوش الذي أصر علي أنه سيستمر في منهجه حتي لو لم يبق له مؤيد سوي زوجته لورا وكلبهما الوفي، بل يمتد إلي التوصية بسياسات يصعب علي إدارة بوش ابتلاعها، مثل التضرع إلي دول محور الشر (سورية وإيران) لإنقاذها من ورطتها، وأسوأ من ذلك، الضغط علي إسرائيل لتقديم تنازلات تنقذ بوش وأنصاره من هلاك سياسي محقق.(5)لعلها المفارقة الأكبر أن يضطر بوش وبطانته من المحافظين الجدد أن يفرضوا علي إسرائيل دفع ثمن مغامرتهم في العراق، ولكن الأمر فيه كثير من العدل. فغلاة المحافظين الجدد، وكلهم من عباد إسرائيل المخلصين، تحمسوا لغزو العراق وإعادة صياغة الشرق الأوسط تحديداً لخدمة إسرائيل وتحويل العالم العربي إلي منطقة نفوذ مدجنة لإسرائيل وأمريكا. الذي تحقق هو العكس، حيث أصبح العراق عبئاً ثقيلاً علي كاهل الإدارة، وأصبحت مستعدة من أجل الخلاص من مستنقعه للتضحية بكثير من مصالح ومطالب إسرائيل. وعلي طريقة قادة المافيا حين يتقاضون الخدمة ممن قد كانوا أصحاب فضل عليهم في الماضي، يتجه الأمريكيون إلي حلفائهم في إسرائيل مطالبين إياهم بأداء ما عليهم لإنقاذ من وقفوا وراءهم في واشنطون، ولكن ليس هناك ضمان بأن يؤدي هؤلاء الخدمة، فقد بدأ أنصارهم التململ سلفاً.(6)الهزيمة الأكبر بالنسبة لأي إدارة هو أن تصل مرحلة تسول القرار من جهات غير حكومية. فها هنا حكومة في أكبر بلد في العالم، لديها وزراء وموظفون ومراكز بحث ودبلوماسيون وجنود ملء البر والبحر والجو، ثم هي تنتظر مثل دولة عالم ثالث يرسل إليها البنك الدولي خبراء يعينونها علي فهم وتحليل مشاكلها التي تفتقد البصر والبصيرة والقدرة علي مواجهتها! فالهزيمة دائماً تبدأ وتنتهي بفقدان الإدارة.(7)الخطأ الأكبر الذي ارتكبته أمريكا في العراق لم يكن تجاهل سورية وإيران وبقية جيران العراق، وإنما تجاهل العراقيين. فبينما نجد أنها حتي في أفغانستان تظاهرت بتنصيب حكومة من أمراء الحرب المحليين، بينما في العراق لم تبال حتي بالتظاهر بذلك. نفس الخطأ ارتكبه عراقيون ظنوا أن الاحتماء بسراب الدبابات الأجنبية يغنيهم عن الحوار مع إخوانهم في الوطن. ونرجو أن يستيقظ القوم قبل فوات الأوان.(8)للتذكار فإن حكومة الساندينستا وقتها قالت الروب وسمحت بانتخابات حرة، ولكن في إطار تسوية إقليمية شاملة في أمريكا الوسطي. ولكن إدارة ريغان أيضاً قالت ياعم بعد اكتشاف فضيحة إيران الكونترا. ولكن المفارقة الأكبر هي أن رئيس الساندينستا دانيل أورتيغا أعيد انتخابه مجدداً رئيساً لنيكاراغوا في إطار الانتفاضة الشاملة التي تشهدها أمريكا هذا العام، وضاع ما أنفقته الولايات المتحدة من دولارات وريالات (سعودية وإيرانية) لإسقاط حكومته.