سعد داود قرياقوس
يبدو ان القيادتين الايرانية والسورية قد توصلتا منذ فترة قصيرة الي قناعة مشتركة في ان المشروع الامريكي في المنطقة قد وصل الي طريق مغلق، وذلك اثر نجاح المقاومة الوطنية العراقية في تعطيل مشروع الاحتلال وافشال كل مخططاته واهدافه، وان اخفاق ادارة بوش في العراق قد انتج فراغا سياسيا لا يملك حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة القدرة علي ملئه. وعليه فان في وسع القيادتين وحلفائهما استثمار هذه الفرصة التاريخية، والتحرك لملء الفراغ من خلال القيام بدور مشترك في العراق يساعد الادارة الامريكية علي تجاوز مطبها، ويُعينها علي حسم الصراع مع المقاومة الوطنية العراقية لصالحها.
من البديهي ان القيام بهذا الدور لن يكون بدون مقابل. والمقابل لا بد وان يكون توسيع الدورالاقليمي للدولتين وحلفائهما، ورفع اسم القيادتين من قائمة اعداء الادارة وحسم الازمات العالقة مع ادارة بوش، واهمها الملف النووي الايراني، وملفا التواجد السوري في لبنان واغتيال رفيق الحريري، بالاضافة الي المطالبة في تخفيف الضغط علي حزب الله.
هذا الاستعداد الايراني ـ السوري قد تم تمريره الي اوساط قريبة من الادارة الامريكية وحلفائها سواء بشكل مباشر او غير مباشر، منها الدعوة التي وجهها عبد العزيزالحكيم قبل اشهرلاجراء حوار ايراني ـ امريكي مباشر من اجل التعاون لايجاد حل للأزمة في العراق. وبالفعل، فان اوساطا عديدة التقطت الرسالة الايرانية ـ السورية، واعتبرت دورهما خيارا مقبولا لحل مأزق الادارة. وضمن هذا السياق جاءت تلميحات جيمس بيكر والسناتور جوزف بايدن، واشارات توني بلير، ورئيس الوزراء الاسترالي جون هاورد، الي دور سوري ـ ايراني محتمل في تثبيت الاستقرار في العراق واهمية هذا الدور، الا ان ادارة بوش لم تحدد موقفها من الفكرة بل تركتها فكرة عائمة دون ان يصدر عنها ما يعكس موافقتها او رفضها للفكرة! من جانبهما، فان القيادتين الايرانية والسورية التقطتا ترحيب الاوساط القريبة من الادارة الامريكية بالفكرة، وقرأتا هذا الترحيب بالشكل الذي ارادته لهما ادارة بوش ان تقرآه. فسارعت القيادة السورية من جانبها وبعجالة واضحة وغير متوازنة الي ادخال تغييرات علي موقفها من الازمة العراقية. اول تلك التغييرات برزت في زيارة وزير الخارجية السوري الي بغداد، وما نتج عنها من اعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، والاتفاق علي ترتيبات امنية جديدة بين البلدين. اما القيادة الايرانية، فلقد سارعت واستقبلت الطالباني بحفاوة مبالغ فيها ولا تنسجم مع حجمه ودوره في العراق. فالايرانيون يدركون بان عميل مخابراتهم القديم لا يملك حرية زيارة مسقط راسه في كويسنجق دون اذن مسبق من زلماي خليل زادة؟
ما هي ارضية الدورالسوري ـ الايراني، ومن اين يستمد مقوماته وقوته؟
ولماذا الربط بين ادوار البلدين؟
الدورالمشترك المشار اليه وفقا لتصورات القيادتين ورؤية بعض اللاعبين الدوليين، يستند الي تاثير النظامين علي الاطراف العراقية المؤثرة علي معادلة الصراع الداخلي. الاشكال هنا ان أيا من القيادتين لا تتمكن بشكل منفرد من التاثير علي موقف جميع الاطراف، فالتأثير الايراني يتوقف عند حدود الاحزاب الشيعية وميليشياتها، في حين ينحصر تاثير القيادة السورية المفترض علي القوي والاحزاب السنية، او علي فصائل معينة في المقاومة وعلي مجموعة من الاحزاب السياسية العراقية الرافضة للاحتلال. لذلك فان تقديم حل للمأزق الامريكي يفرض اشراك كلا القيادتين في ترتيبات جديدة، ويتطلب منحهما ادوارا تكاملية من اجل التاثيرعلي جميع الاطراف العراقية!
بالرغم من كل ما يشاع عن وعي واقتدار القيادتين السورية والايرانية، وادراكهما لمفردات السياسية الدولية، الا ان تورطهما في اية ترتيبات شراكة مع الادارة الامريكية في تثبيت احتلال العراق، سيبرهن علي قصر نظر سياسي واسع، ومغامرة فاشلة ذات تبعات كبيرة علي امن شعب البلدين وامن المنطقة ككل. أن تمنح ادارة بوش للبلدين دورا في العراق لا يعدو كونه الا عملية توريط، وجر قيادة البلدين الي معركة لا طاقة لها بها، وتحميلها تكاليف سياسية واقتصادية كبيرة، ولا سيما للقيادة السورية. فاذا كان في وسع القيادة الايرانية التأثير علي القوي المؤمنة بالمرجعية الدينية والسياسية الايرانية، واذا كانت امكاناتها المالية تمكنها من بلورة المواقف السياسية وتغييرها، فان القيادة السورية لا تملك مثل تلك الامكانيات المالية، ولا قوة التأثير علي القوي والشخصيات السياسية العراقية، باستثناء تاثيرهم المحدود علي الذين دفعتهم الظروف الامنية السيئة في العراق للإقامة في دمشق بشكل مؤقت. ابعاد الفخ الامريكي المعد للقيادتين الايرانية والسورية واضحه، فادارة بوش تدرك مسبقا محدودية تأثيرالقيادتين علي معادلة الصراع، وتدرك ايضا بان مساهمة البلدين في مشروع مشترك لسحب الغول الامريكي من رمال العراق الناعمة عملية محسومة الفشل، وان مشاركة عضوي محور الشر قد تساعدها علي خلق غطاء عربي او اقليمي لأي عمل عسكري امريكي موجه ضد ايران.
ان متغيرات معادلة الصراع في العراق معروفة، واطرافها الاساسية مشخصة. انه صراع بين شعب العراق ومقاومته الوطنية من جانب، والقوات الامريكية وحلفائها المهزوزين من جانب آخر. ومن هنا فان اشكالية القيادتين وفشل دورهما يكمنان في انعدام تاثيرهما علي قرارات طرفي الصراع، ولا سيما انعدام تاثيرهما علي قرارات المقاومة الوطنية العراقية السياسية منها والعسكرية.
التلميحات الامريكية المبطنة لدور ايراني ـ سوري في العراق لا تتجاوزاذن عملية توريط امريكي للبلدين، وحلقة من حلقات المخطط الامريكي لتوسيع نطاق الاحتقان الطائفي في العراق الي المنطقة، وتأسيس تخندق جديد في المنطقة قائم علي اسس طائفية، وخطوة تساهم في ارجاع العربة الامريكية المتأرجحة الي مسارها، وانجاح مشروع احتلال العراق. فأي تغيير او تحرك امريكي في المنطقة لا بد وان يكون في المحصلة النهائية موجها نحو تحقيق هدف خنق المقاومة الوطنية العراقية، العائق الوحيد امام تنفيذ المشروع الامريكي في المنطقة ونجاحه. في ظل هذه المسلمة الوطنية، ما هو مستقبل الدور الايراني ـ السوري في العراق؟ في تقديرنا، اذا اصرت القيادة السورية علي مواصلة لعب الدور الجديد، فانه لن يمر وقت طويل الا وتدرك القيادة السورية ارتكابها خطأ سوقيا كبيرا، وانها اخطأت في حساباتها، وانزلقت في فخ امريكي محكم، لن تتمكن من الخروج منه دون دفع تكاليف وطنية وعربية باهظة.
اذا كانت القيادة السورية تعتقد بانها قادرة علي ترويض فصائل المقاومة الوطنية العراقية، والتأثيرعلي قراراتها وثوابتها السياسية، او مواجهتها عسكريا، فنصيحتنا لها ان تعيد حساباتها وتراجع تطورات الوضع في العراق بدقة وتأن. واذا تصورت بان لها قدرة علي التحكم في القرارالسياسي الوطني العراقي، فهي علي وهم كبير؟
واذا كان هناك من يتصور بانه قادر علي خلق المقاومة البديل او ايجاد بديل سياسي عراقي لقيادة المقاومة باستخدام نفر معزول من تجار السياسة المقيمين في بيروت ولندن او دمشق، فانه علي موعد مع مفاجآت كبيرة. ليدرك كل من يحلم في المتاجرة بدماء شعب العراق، بان شعبنا لن يكون ضحية لعبة جديدة، وانه لن يدفع استحقاقات الاخرين السياسية، وان دول الجوار لن تتمكن من تسوية حساباتها مع الادارة الامريكية علي حساب ضحايانا. واذا كان هنالك من قد تدفعه سذاجتة ليتصور بان شعب العراق مكشوف امنيا وعسكريا، وانه لا يملك وسائل الدفاع عن وجوده ومستقبل اجياله وثروته الوطنية، نقول لاولئك: راجعوا التراكم البطولي الهائل لانجازات المقاومة العراقية السياسية والعسكرية، وقارنوا فرضياتكم مع طروحات كولن باول ودونالد رامسفيلد وجورج تنيت وغيرهم، وستعلمون ان اي طرف يبني حساباته السياسية مفترضا قدرته علي ترويض شعب العراق ومقاومته وقواه السياسية بعد ان فشلت القوة الكونية الاعظم في تحقيق ذلك، لا يملك بالتاكيد اي قدر من الوعي والنضج السياسي.
ثم ان هنالك حقيقة لا بد للقيادتين الايرانية والسورية إدراكها. ان هنالك الكثير من المؤشرات التي تدل علي ان مرحلة التقاء المصالح الامريكية ـ الايرانية قد اوشكت علي النهاية، وان الكثير من المراقبين باتوا يراهنون علي قرب اعلان الطلاق علي الرغم من مكابرة الزوجة الايرانية وتشبثها واستعدادها للعودة الي بيت الطاعة. فكل الدلائل تشير الي وجود قرار رئاسي لانهاء العلاقة مع اولئك الذين سهلوا للشيطان الاكبر استباحة الشعبين العراقي والافغاني. وان الاهداف قد تم تثبيتها علي خرائط البنتاغون، وفقا لما ورد في مقال للكاتب الامريكي المعروف سيمور هرش (مجلة نيويوركر قبل اشهر). في مقابلة متلفزة قبل ثلاثة اسابيع بعث نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني برسالة واضحة لمن يهمهم الامر. في تلك المقابلة أوضح تشيني الصورة كما يلي: بما ان الرئيس بوش لا يحق له اعادة ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثالثة، ولكونه لا ينوي ترشيح نفسة للرئاسة، فانهما لا يملكان ما يمكن خسارته خلال الفترة المتبقية من الرئاسة، وعليه فانهما سوف يمضيان في برنامجهما قدما وباقصي سرعة! فحوي رسالة تشيني واضحة، فهو يشير الي عزم الادارة علي تنفيذ مشروع المحافظين المحدثين، وتعظيم ربحية شركاتهم النفطية والاستثمارية الاخري، من خلال توسيع مساحة الدمار والموت في المنطقة. وجاءت زيارة تشيني القصيرة الي الرياض، التي تلت زيارة ايهود اولمرت لواشنطن، وما سرب عن اهدافها لتؤكد هذا التوجه. فلقد تحدثت اوساط امريكية عديدة عن قيام تشيني بعرض مفردات خطة قصم ظهر الايرانيين علي الملك عبد الله في اجتماع مغلق شبيه بذلك الذي عقده مع الملك فهد عام 1990 قبل ضرب العراق. هذه الانباء دفعت بعض الخبراء الماليين الي توقع حدوث صدمة في اسواق النفط الخام خلال العام القادم تقود الي زيادة كبيرة في الاسعار، ومن ثم زيادة قيمة اسهم الشركات النفطية! هنالك اكثر من مؤشر علي ان سماء ايران ستمطر الآلاف من صواريخ التوماهوك والكروز، وغيرها من ادوات الدمار قبل انتهاء فترة الرئاسة الامريكية الحالية. وان التدمير لن يقتصر علي المنشآت النووية الايرانية، بل يشمل قائمة طويلة من المرافق العامة، والبني الارتكازية الايرانية، سواء اضطلعت ايران بدور في العراق او لم تضطلع. من المؤكد ان اي هجوم امريكي واسع ومدمر لايران سيضع القيادة السورية في موقف معقد بالغ الصعوبة. فايران لن تكون قادرة علي تقديم اي دعم عسكري لحماية سورية، او حزب الله اللبناني في حالة تعرضهما لاعتداء اسرائيلي متزامن مع الضربة الامريكية لايران، كما ان الخيارات المتاحة امام سورية لدعم الحليف الايراني شبه معدومة. ازمة القيادة السورية قد تتصاعد حدتها في حالة مشاركة سورية في ترتيبات امنية وسياسية في العراق لسببين: الاول فقدان سورية للعمق العراقي ودعم المقاومة الوطنية العراقية جراء حرق القيادة السورية اوراقها مع المقاومة العراقية. والثاني تأزم علاقاتها مع دول الدرع السني المتكون من المملكة العربية السعودية، امارات الخليج العربي ومصر والاردن، والتي ستوفر الغطاء المطلوب للعمليات العسكرية الامريكية ضد ايران بدون ادني شك. ان من السذاجة ان يتصور البعض بان الادارة الامريكية مستعدة لتجيير هيمنتها الراهنة علي حقول النفط العراقية لسيطرة آيات الله! او انها قد تساعدهم علي التهام حقول النفط العراقية وزيادة حجم خزينهم النفطي، وان تمنح الادارة الامريكية اعداءها قوة التحكم علي جزء كبير من الانتاج النفطي العالمي، وبالتالي القدرة علي تهديد جدي للنمو الاقتصادي للولايات المتحدة، واستقرارالاقتصاد الدولي. فالخزين النفطي للشرق الاوسط قد حدد كأحد ثوابت السياسة الخارجية الامريكية منذ عام 1953، وان الولايات المتحدة قد اكدت استعدادها لاستخدام القوة النووية من اجل تامين انسياب النفط للاقتصاد الامريكي، كما نصت عليه ما يعرف بنظرية كارتر. فهل هنالك حقا من يتصور بان ادارة بوش- تشيني النفطية ستتخلي عن حقول النفط العراقية وتجيرها الي النظام الايراني عبر ما يطلق عليها البعض صفقة بيع الاحتلال!
؟ اننا بكل تأكيد غير معنيين ولا حريصين علي امن ومستقبل الدولة الايرانية، اذا ما وضعنا الاعتبارات الانسانية جانبا. ولدينا اكثر من سبب مشروع لهذا الموقف. فالقيادات الايرانية المتعاقبة والاخيرة منها بشكل خاص سعت جاهدة الي تهديد امن واستقرار شعب العراق والحاق الاذي به. فالقيادة الايرانية الحالية تتحمل جانبا كبيرا من تبعات الكارثة التي يتعرض لها شعبنا، وانها ساهمت بشكل مباشر في تسهيل الاحتلال الامريكي للعراق، هذه الحقيقة اعترف بها علنا اركان القيادة الايرانية. بل جل ما يعنينا هو امن وسلامة شعبنا في سورية. لذلك نتمني بصدق ان تعي القيادة السورية تبعات تورطها في مشروع تكريس الاحتلال الامريكي لشعبنا في العراق، وان تعي حجم المخاطر الامنية والنفسية لهذا التورط علي الشعب العربي، قبل الاقدام علي المشاركة وللمرة الثانية خلال عقد ونصف من الزمن في شن حرب علي شعب العراق.
ومع تقديرنا لحق القيادة السورية والشعب السوري في تحديد مساراتهم السياسية، الا ان الخيارالقومي الصائب الوحيد المتاح للقيادة السورية خلال هذه المرحلة ينحصر في ضرورة تجنب تقديم اي عون لمشروع احتلال العراق، وايقاف عمليات التطبيع مع حكومة عميلة مفروضة علي شعب العراق من قبل محتل اجنبي، حكومة ودولة لا تتوفر فيهما ادني مقومات الشرعية الوطنية. كا عليهم تقديم الدعم المطلق لشعب العراق ومقاومته، ودعم واسناد القوي السياسية المناهضة للاحتلال. ان علي القيادة السورية، بل علي قيادات جميع الاقطارالعربية العمل الفوري علي رد الجميل الي فصائل المقاومة العراقية، فلولاها، ولولا تضحياتها، لكانت تلك القيادات مشردة ومطاردة، وكانت عواصمها محتلة. فهل يعي الرفاق هذه الحقيقة؟ ثمة سؤال نود طرحة علي القيادتين السورية والايرانية في ختام هذه المساهمة. ان قيمة الاوراق التفاوضية التي قد تمــــنح لكم مــــقابل مساعدتكم في تكريس الاحتلال الامريكي للعراق، تعتمد علي تاثيراتكم وعلاقاتكم المفـــــترضة مع فصائل المقاومة الوطنية العراقــــية. ماذا لو اتصلت الادارة الامريكية بفصائل المقاومة مباشرة، وتوصلت الي ترتيبات تنهي الاحتلال، وهي احتمالات متوقعة ومحتملة جدا، ماذا ستكون قيمة اوراقكم التفاوضية حينذاك؟ استاذ قسم الاقتصاد، جامعة اوتاوا، كندا8