اذا كان اولمرت يريد الحفاظ علي مكانته وحكومته فعليه ان يبادر الي اقامة لجنة تحقيق رسمية تحل محل لجنة فينوغراد

حجم الخط
0

+ من المثير أن نعلم ماذا كان سيحدث في نهاية سنة 1973، لو كان رئيس الاركان آنذاك دافيد اليعيزر يقرر أن يحقق بنفسه مع نفسه، أو لو كان رئيس الاركان في 1982 رفائيل ايتان يُعين لجنة من قبله في قضية صبرا وشاتيلا؟ وكيف كانت ستبدو شوارعنا، لو عين رئيسا الحكومة غولدا مئير ومناحيم بيغن لجانا تكون صلاحيتها الاخلاقية موضع شك منذ البداية؟. ان لجان التحقيق الرسمية التي استقر رأي غولدا وبيغن عليها لم تُقم بسبب رغبتهما الشديدة في فعل ذلك، بل لان الرأي العام اضطرهما الي ذلك. لكنهما قبلا الحكم لانهما كانا يملكان احساسا بالواجب الاخلاقي والعام يتجاوز واجبهما الرسمي.

ينتمي ايهود اولمرت الي زمن مغاير. مر عليه أكثر حياته العامة في حركة محمية في المنطقة الرمادية التي تماس فيها السياسة الاعمال، وهي مجال يتاجرون فيه بالتأثير السياسي والصلات الشخصية في الاماكن الصحيحة. في هذا الموضوع العقوبة الوحيدة الموجودة هي التأثيم الجنائي. لهذا فان اولمرت منيع في وجه الرأي العام: انه يعلم ان المتظاهرين يتعبون، والذين يجلسون في الخيام مقابل مكتبه والمتجمعون في الميادين سينتهون الي أن يمضوا الي بيوتهم، والصحيفة ذات فعل لساعات معدودات، وفي التلفاز ينتقلون الي الموضوع الآتي في خلال دقائق.

لكن اولمرت يعلم ايضا شيئا أهم: وهو أن المجتمع تغير.++تفصله سنوات جيل عن حرب يوم الغفران، ومر ربع قرن منذ الحملة علي بيروت. انحل المجتمع الاسرائيلي الي مركبات، لا يوجد فيها لا تعاطف ولا مسؤولية متبادلة، ولا يوجد فيه احزاب سياسية بالمعني المعتاد للمصطلح، ولا يوجد فيه برلمان يؤدي عمله، ولا توجد للمعارضة الضئيلة أصلا زعامة. يضع عمير بيرتس علي وجهه لثاما خادعا، ولم يبق من جهات مثل سلام الآن والحركة الكيبوتسية، التي نظمت المظاهرة الكبيرة علي حرب لبنان الاولي، سوي ذكري حزينة.

في ظروف كهذه، يتلخص فن السياسة بالقدرة علي جذب الوقت، وملاشاة مشكلات المجتمع الوجودية وجعلها مسلسلات تلفزيونية. ان اولمرت، وبيرتس ودان حلوتس، أصيبوا بهزيمة مخزية، سلموا في نهايتها لبنان الي أشياع حركة عصابات خرجوا للقضاء عليها، ورغم ذلك حظوا بأن بُشروا بأن المحكمة العليا لا تجد من الصحيح رفض قرار الحكومة التحقيق مع نفسها علي أيدي أناس اختارهم رئيسها بنفسه. لا تهتاج حكومة اسرائيل من النقد الشديد الذي وجهه اليها قضاة الأكثرية ايضا: فمن جهتها، حصلت علي ما أرادت. وهو الحكم ايضا فيما يتعلق بالجيش: اذا كان يجوز للحكومة أن تحقق مع نفسها، فلماذا يُمنع الجيش اجراء تحول من تلقاء ذاته؟ اذا لم يكن تقرير دورون الموغ عن أداء هيئة القيادة العامة عملها يعجب رئيسها ـ فانه سيتم تقويمه، وسيحصل رئيس الاركان الفاشل علي ما يخصه.

ولما كان الرأي العام قد اختفي، فان توسيع صلاحية جهات تحقيقية وقضائية هو السبيل الوحيدة لانقاذ معايير سلطوية أساسية من الفناء، لولاها لا وجود للديمقراطية. إن الهجوم المخجل علي مراقب الدولة، وبخاصة عندما ينضم اليه أناس، حتي لو كانوا معدودين، من النخبة الاكاديمية، علامة تُبشر بسوء حقيقي. ولا يقل عن ذلك خطرا قرار المحكمة العليا حصر نفسها في تفسير تضييقي لدورها. اليوم أكثر من أي وقت مضي يُحتاج الي نقد معياري صارم.

بسبب العرض التخويفي للاشهر الستة الأخيرة لم يبق لاولمرت سوي الهرب الي الأمام. اذا ما أراد برغم كل شيء أن يحاول الارتفاع الي مرتبة سياسي، فعليه أن ينقذ وقف اطلاق النار وأن يسعي الي حل شامل. لكن الجبهة الداخلية لا تقل أهمية: بدل لجنة فينوغراد يجب أن تأتي لجنة تحقيق رسمية ـ من اجل انقاذ قانون لجان التحقيق عامة وللسيطرة علي الجيش الذي يحاول إملاء سياسة تخصه. هذا هو الاحتمال الأخير لاولمرت وحكومته لمنع حلولهم في كتب التاريخ كملاحظة هامشية، أو كحادثة اخري شديدة أصابت المجتمع الاسرائيلي وتركته نازفا.

زئيف ستيرنهلكاتب في الصحيفة(هآرتس) 7/12/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية