السبعة وأطيافها

حجم الخط
0

أمجد ناصر

في فيلم امريكي بعنوان سبعة، عرضه التلفزيون مؤخرا، يُكلف المحقق الكهل مورغان فريمان بفك طلاسم سلسلة من الجرائم، غامضة ومتفرقة لا يربط بينها، للوهلة الاولي، رابط سوي يد القاتل التي تركت أثراً غامضاً في كل موقع.

الجرائم سبع.

الضحايا الذين لا يجمعهم قاسم مشترك واحد سبع أيضا.

أما العلامات التي يتركها القاتل في أمكنة جرائمه فليست من النوع المعتاد، وان كانت تتبع نسقا ذهنيا خاصا.

لا مرجعية مسبوقة لتلك الجرائم، وليس للقاتل المتسلسل هوس بأمر محدد: كالفضيلة، او البيدافيلا، أو عقدة النقص، أو الاغتصاب الصرف.

فتنوع جنس واعمار الضحايا ومنازلهم الاجتماعية يلغي هذه الفكرة من اساسها.

لا بدَّّ اذن من البحث عن مرجعية مختلفة. عن مصدر إلهام آخر.

علامة أو علامتان تلوحان للمحقق الكهل فيبدأ بحثه عن أصل الجرائم ودوافعها في مكان غير متوقع بالمرة: المكتبة!

لسنا هنا، حيال قاتل عادي تستبد به نزوات وأهواء أرضية مبرحة حتي نبحث عنه في ملفات الشرطة. للقاتل المتواري عن الانظار هدف سماوي: جعل الحياة الدنيا جحيماً أرضياً للخطاة. فكرة الخطيئة والجحيم تقود المحقق الي الكوميديا الالهية لدانتي وهناك يعثر علي الدوافع ويتكشف له اللغز.

في كتاب دانتي الشهير ثمة سبع خطايا قاتلة يزج مرتكبوها في الجحيم وينالون أنواعا مختلفة من العقاب هي: الرغبة، النهم، الجشع، الكسل، الغضب، الحسد، الغرور، (وهذه ترجمة تقريبية لاسمائها كما وردت في الفيلم). ــ ــ ــبعث اسم الفيلم سبعة في ذهني سلسلة لا نهائية من المعاني التي سبغها بشر منطقتنا (عالم المتوسط والشرق الاوسط) علي هذا الرقم منذ بدء التفكير في الكون وماهية الخلق. لعل أقدم أصل لسحرية هذا الرقم وقداسته يرجع الي الحضارات العراقية، السومرية، البابلية والمصرية. ففي أسفار التكوين السومرية والبابلية والأشورية خلق الله الكون في سبعة ايام. اليوم السابع هو الذي استراح فيه من عبء صنيعه. انه يوم عطلة لا عمل فيه. لذلك، يقال ان البابليين كانوا يتوقفون عن العمل في اليوم السابع والرابع عشر والحادي والعشرين والثامن والعشرين من كل شهر. إنها أيام العطلة نفسها التي ما تزال سارية المفعول في العالم اليوم.

هناك سبعات لا تحصي في حياتنا اليوم.

الرقم سبعة يخترقنا بميراث القرون كل يوم من دون ان ندري اننا مشددون الي اصل بعيد. خذوا هذه السبعات مثلا: أيام الخلق السبعة، أيام الاسبوع السبعة، ايام الميت السبعة، ايام العرس السبعة، اليوم السابع للولادة، السماوات السبع والارضون السبع، المعلقات السبع، أغراض الشعر (العربي) السبعة، الصلوات المسيحية السبع، عجائب الدنيا السبع، ألوان الطيف السبعة، الفتحات السبع في رأس الانسان، فقرات العنق السبع، الفنون السبعة، الأميرات السبع، الساموراي السبعة، الاخوات السبع (الثريا عند العرب) الخ….. وفي الأدبيات والشعائر الاسلامية لا يتوقف الرقم سبعة عن الحضور.

فالله خلق الكون في ستة ايام واستوي علي العرش في اليوم السابع (فكرة الاستراحة) والقرآن يبدأ بسورة الفاتحة المعروفة بـ السبع المثاني، والطواف حول الكعبة سبع مرات والسعي بين الصفا والمروة سبع مرات، ورمي ابليس بسبع جمرات، والفتيان الذين أوا الي الكهف سبعة (ثامنهم كلبهم) وبقرات وسنابل حلم الفرعون المصري التي استدعي يوسف من السجن لتأويله سبع. والقصة هذه ترد في سفر التكوين حيث يري الفرعون في منامه سبع بقرات سمان تأكلها سبع بقرات عجاف، وفي القرآن هناك السنابل السبع الخضر واخري مثلها يابسات. نعرف، طبعا، تأويل يوسف الذي اخرجه من السجن وجعله سادنا لخزائن مصر.

وعند المتصوفة للرقم سبعة دلالة لا تختلف كثيرا عما اوردنا، فقد وصف الحلاج سبع مراحل يمر فيها الجسد كي يصبح آلة صالحة لاحتضان الروح هي: السلالة، النطفة، العلقة، المضغة، العظم، اللحم، والخلق الآخر.

وكذلك يمر (السالك) في سبع مراحل يسميها المتصوفة المقامات هي: التوبة، الورع، الزهـــد، الفقر، الصبر، التوكل والرضا.

ــ ــ ــولي شخصيا صلة خاصة بالرقم سبعة. فقد ولدت، حسب شهادة ميلادي، في اليوع السابع من الشهر الثامن، وظللت علي هذا الظن الذي ادخلني بهاء برج الأسد سنين عددا، حتي اكتشفت في اوراق والدي انني مولود في النصف الاخير من الشهر الخامس (ايار) وبذلك قد اكون من مواليد برج الجوزاء. تنكدت، طبعا، لهذا الاكتشاف المتأخر الذي يشطب، بجرة قلم، كل القصائد التي كتبتها في امتداح برج الاسد والهدايا التي تلقيتها مرصعة باللمّة المهيبة، واعياد الميلاد المزيفة التي احتفت بها عائلتي. بسطر واحد من اوراق والدي طردت من عرين الاسد الي انفصام الجوزاء (وهذه الاخيرة ليست مؤكدة ايضا). اصبحت، فجأة، لاجئا فلكيا. واذا اعتقدتم ان هذا ليس مهما، فأنتم مخطئون، فأنا استبشر، كآدمي متقلب المزاج والأحوال، بأرقام واتشاءم من أرقام واظن بعض الظن بالأبراج. ألم يقسم الله نفسه في القرآن بأبراج السماء ومواقع النجوم؟!

لكن سؤالي الآن هو التالي: لماذا اختار أهلي (أو كاتب النفوس، لا أدري) اليوم السابع من الشهر الثامن لميلادي؟ كان بامكانهم، ولو بأثر رجعي، أن يدونوا اليوم الصحيح لولادتي في شهادة الميلاد. فأنا لم أولد في الزمن الانكشاري حيث كان الناس يطوفون سبع قري (لاحظوا العدد!) ليجدوا من يفك الخط. لقد ولدت في زمن المدونات المدنية وشهادات الميلاد والوظائف الحكومية وسلطة البرق والبريد والهاتف.

إنه رقم سبعة ومدلولاته المفتوحة علي المطلق. هذا هو السبب. لقد اراد اهلي أن يتوجوا يوم ولادتي السعيد، بوصفي بكر العائلة برقم سحري. رقم مبارك يدعو الي التفاؤل.. لم استطع، علي ما يبدو، النهوض بعبئه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية