كيف ستكون مواقفنا من هذه الجريمة الجمار الحارقة لكبد القيم الأخلاقية والروحية التي بها نؤمن.. وماذا يجب أن نفعل بعد أن نقرأ هذه الكلمات الشهادة التي تختزل المأساة التي تحياها المرأة المعنفة… المرأة الضحية في مجتمعنا؟!: بدأت مشكلتي مع أسرتي. فقد هاجمني أخي!!.. هاجمني جنسياً عندما كان عمري 12 سنة!!… كان في الرابعة والعشرين، وكان يضربني. وكان جميع من في الأسرة يعرف بالأمر. مات والدي عندما كنت صغيرة ولم يعد لدي من يحميني. كان أخي يضرب أمي أيضاً. لم أبلغ الشرطة بالأمر لأنه لم يكن هناك من يحميني. لم استطع إخبار الشرطة. ولم يكن مسموحاً لي حتي بمغادرة المنزل.
هذا النص المذيل باسم مستعار (ن.
ع) اقتبسناه من تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الذي أورد شهادة أخري هذا نصها: كان زوجي يضربني في كل مكان. لقد ضربني بحجرٍ علي رجلي.. لم أذهب إلي المستشفي قط؛ بل حتي لم أخبر أهلي بالأمر. كنت أشكر الله لبقائي علي قيد الحياة (م. إ 35 عاما) وهو اسم مستعار أيضا!! إذن نحن الآن أمام نموذجين من العنف المسلط علي النساء في مجتمعنا حيث أفادت نتائج دراسة منشورة بوسائل الإعلام: بأن 10.5% من النساء تعرضن لأحد أشكال العنف الجنسي و61.7% تعرضن لأحد أشكال العنف النفسي من صراخ أو سب واهانة خلال العام الماضي. وتقاربت نسب العنف الجسدي ضد النساء بين الضفة الفلسطينية (23.7%) وقطاع غزة (22.6%) بينما اختلفت النسبة بين النساء اللاتي تعرضن للعنف النفسي فوصلت في قطاع غزة إلي 68.8% و50% في الضفة الفلسطينية.
من المهم جدا الـتأكيد بأن استعراض هذه الشهادات والأرقام هو للمثال وليس للحصر فخلف ستار السرية الحديدي يتم إخفاء جرائم العنف ضد النساء سواء بقصد وترصد من المجرم المعنف أو الضحية!! لكن ذلك لا يمنع أن نضع اصبعنا علي الجرح الذي إذا أهملنا معالجته فان الغرغرينا ستنتشر حاملة فيروس الاهتراء والعفن السام!!.. أستغرب كيف أن المؤمنين يعرفون بأن ذهاب الأخلاق وهبوطها كان سبب فناء المجتمعات والأمم والأقوام، وان عدم اكتراث أولي الأمر من آباء وأمهات في العائلة الصغيرة، وأولي الأمر من قادة المجتمع والرأي والثقافة والحكمة والقانون والمعرفة والعلوم في العائلة الكبيرة (الدولة) لمعالجة هذه الجريمة سيقلل مناعة الفرد والمجتمع، وسيضعف حصونه الأخلاقية التي إذا انهارت لا معني من بعدها لأي سلطة أو كيان سياسي أو اجتماعي.. ورغم ذلك تراهم يغطون علي هذه الجرائم خوفا من الفضيحة؟!! فحالتنا يمكن تشبيهها بقصب الوديان الأخضر إذ نراه لامعا لكنه أجوف هش ينكسر عند أول هبة ريح، والسبب كما نعتقد هو أن أصحاب القرار والمسؤولية في السلطة وعلي اختلاف أطيافهم السياسية يتجاهلون أخطار انفلات عقد الأمن الاجتماعي المتمثل بأفظع صور الجريمة والاضطهاد والعنف ضد نصف المجتمع (المرأة) ويعلقون كل المشاكل الناجمة عن هذا الإهمال علي شماعة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.
صحيح أن لهذا الاحتلال دور في نشر الجريمة والعنف في مجتمعنا.. ولكن هل يمكن لعاقل أن يوضح لنا دوره في الاعتداء الجنسي المتواصل الذي تعرضت له (ر. ح) من أبيها فقررت الهرب لعند أخيها الذي كرر فعلة أبيه مهددا متوعدا أخته إن هي أفشت سر ضباع العائلة التي تنهش من لحمها بأنياب الشهوة تغرزها كافرة بانسانيتها، متلذذة بفناء شخصيتها.
والسؤال الكبير في هذه الحصة الأولي من الأسئلة: كيف يمكن لقضاء عادل ونزيه يبني فلسفته علي أسس احترام القيمة المشروعة سماويا للإنسان ذكرا كان أو انثي، فسرتها وفصلتها القوانين المعمول بها في المحاكم الوطنية والدولية، كيف يمكننا أن نصدق أنه ينتصر لحقوق الانسان، وأن ينصب ميزان العدل فيما هذا النظام القضائي يبقي علي أحكام تسمح للأقارب الذكور وحدهم بتقديم الادعاء بخصوص قضايا سفاح القربي نيابة عن القصّر. الأمر الذي يمنح المجرم المغتصب فرصة فعلية للإفلات من العقاب، كما يسمح القانون بإعفاء المغتصب من الملاحقة الجزائية إذا وافق علي الزواج من ضحيته.. فهذا أمر لا يصدقه العقل، وكأننا بذلك نقر برؤية القوي العالمية المستبدة المعكوسة لقضيتنا الوطنية حيث بات الظالم ضحية وبتنا نحن الجلادين.. فهل هذا جزاء علي ما نفعله بأنفسنا؟! وما كسبته أيدينا؟! موفق مطررسالة علي البريد الالكتروني6