التمثلات وقائع سيكولوجية ذات دور كبير في صياغة الرؤي التي نباشر بها حضورنا في العالم أو غيابنا عنه. ومما لاشك فيه أن جزءا وازنًا من أفكارنا وسلوكاتنا ينشأ عن نوع التمثلات التي نحيا بها، ونبني من خلالها ملامح واقعنا وتموقعاتنا في الحياة. فالتمثل الذي تحمله عن ذاتك مثلا، يتدخل بشكل كبير في تحديد ملامح الصورة التي يراك بها الآخرون. والواقع أن جانبًا لا يستهان به من مآزقنا المحرجة والمميتة، يتعالق سياقيًا وذهنيًا مع أنماط التمثلات التي نجوب بها مدار تاريخنا بمشمولاته الثقافية والاجتماعية والنفسية. نحن لا ننكر أن تاريخنا الحديث مرصوف بالعديد من الهزائم الموجعة، لكن المأزق الحقيقي الذي نوجد فيه اليوم، ليس هو مأزق الهزيمة في انكشافاتها العسكرية والإستراتيجية العينية البحتة، بل مأزقنا الحقيقي يتمثل في تلك العقلية التي اسْتَرْوَجَتْهَا أنظمَتُنا ورَوَّجَها مثقفونا، فحوَّلوا هزائمَنا العسكرية إلي ثقافة انهزامية مُتْرَعَةٍ بمرارة التيئيس ومُفْعَمَةٍ بِجُرُعَاتِ المَذلَّة والمهانة. لقد وجد الكثير من المثقفين لذة مازوشية كبيرة في التأريخ لمسارهم الشخصي والجماعي عبر الافتخار بأنهم من جيل النكبة أو النكسة… وكأن الهزيمة هي الحد البلاغي والتاريخي الذي لا يستقيم التاريخ العربي إلا به، ولا يكتمل القياس إلا بفداحته. لقد أنشأنا ثقافة بكائية تستلذ ذَرْفَ الدموع ولطمَ الخدود وشقَّ الجيوب. ينبغي أن نعترف أننا أنشأنا ثقافة انفعالية وهروبية طافحة بقيم التواكل والتخاذل والارتكان والعجز عن المواجهة. ولنا أن نتحمل مفرزات ما أنتجناه لأنفسنا وذوينا. إن التأمل في النوابض الذهنية والسلوكية التي يفرزها نظامنا التربوي والتعليمي والمؤسساتي والحزبي، يكشف عن وجود حالة مستعصية من العتمة والقتامة التي تكتنف ما نتبادله من خطابات، وما نتداوله من مواقف وأفكار. والواقع أن هذه المرآة التي يراد لنا أن نتفحص فيها ملامحنا الممسوخة والمشوهة، ليست مرآتنا الحقيقية، بل هي مرآة مُوَضَّبَةٌ بدقة وإتقان لكي تعكس لنا صورةً غريبةً رُسمت في أدق تفاصيلها برتوشات فظيعة، ثم قيل لنا: ها هي ذي صورتكم، فانظروا بشاعَةَ ملامحكم وعيشوا بها أو موتوا عليها موت استحقاق أو موت مكابدة.. الكثير مما يحيط بنا من أَعْلامٍ وإِعْلام، ومثقفين ومتثاقفين، ومؤسسات وأحزاب، وحلفاء وخصوم… الكثير منهم يتنافس من أجل استدامة تلك النظرة الإسقاطية التي تصور لنا أننا أمة كسيحة مثقلة إلي الأبد بإعاقاتها الحتمية المُجْهِضَةِ لكل تطلع أو انعتاق. والواقع أن هذه التمثلات المدمرة هي التي تجعل كل مشروع انعتاق مُهَــــدَّدًا في العمق بإواليات تقويضية ذاتية وداخلية، مما يسفر عن مصادرة مسبقة ومسْرِفَةٍ لكل تطـــــلع حقيــقي نحو النهضة والاستنهاض والنهوض.
سعيد أراقالمغرب6