صلاح سرميني
خلال اقامتي في مصر، ودراستي في المعهد العالي للسينما بالقاهرة، لازمتني اللهجة المصرية في تواصلي مع المصريين، ويكفي بأن يكون واحداًً منهم في جلسة ما حتي ينقلب لساني، هذا الأمر الذي سبب لي في بعض المرات احراجاً مع مواطني بلدي الذين لم يستوعبوا هذا الارتباط الروحي المُتجذر في داخلي.
وكما يجد الكثير من مواطني المغرب العربي اللغة الفرنسية وسيلة أمثل للتخاطب فيما بينهم، أو مع الآخرين، كانت اللهجة المصرية بالنسبة لي وسيلة تواصلي (مع المصريين، أو بحضورهم) بدون القدرة علي تفسير الأسباب العاطفية لهذا الاختيار.
ومع تنقلاتي الكثيرة، وعلاقاتي مع جنسيات عربية مختلفة، ما يزال الكثير من العرب، والمصريين أنفسهم يعتقدون بأنني مصريُ مهاجر.
وأحتفظ في ذاكرتي بمشاهد طريفة تعود الي بداية اقامتي الباريسية، عندما كنت أذهب الي السفارة السورية لانجاز بعض الاجراءات الخاصة بدراستي، وقتذاك، لاحظ أحد العاملين بأن لهجتي بعيدة عن مدينتي الأم حلب، وكي يتأكد بأنني سوري الجنسية فعلاً، ولم أخطئ العنوان، طلب مني اظهار جواز سفري، وبطاقتي الشخصية، وسامحني عندما عرف بأنني قادم للتو من القاهرة.
وخلال متابعتي للدورة الأخيرة للمهرجان الدولي للأفلام التسجيلية، والقصيرة في الاسماعيلية 2006، تساءلت الناقدة المصرية (صفاء الليثي) عن الأسباب التي سمحت لي بالانضمام الي (جمعية نقاد السينما المصريين)، بعد أن اكتشفت مؤخراً بأنني سوري، فاقترحتُ عليها بأن تستفسر عن ذلك من الناقد السينمائي المصري (سمير فريد) الذي دعاني بنفسه في يوم للانضمام الي (الجمعية) التي يسمح قانونها الداخلي بقبول عضوية أفراد من جنسيات عربية أخري طالما أنهم يعيشون في مصر(وهو حال د. رفيق الصبان مثلاً)، كما هي بديهيةٌ واضحةٌ في تاريخ السينما المصرية الحافل بأسماء الكثير من العرب الذين يُعتبرون جزءاً من المشهد السينمائي المصري، والعربي بآن واحد.
وخلال الدورة العشرين 2004 لأيام قرطاج السينمائية، فُوجئت الناقدة المصرية(ماجدة موريس) بأنني أتحدث عن (بلدي) سورية، فقالت لي بدهشة: والله كنت فاكراك مصريا يا صلاح.
وقد كانت الصدفة (الرغبة) تقودني دائماً للسفر الي تونس بصحبة الصحافي، والناقد التشكيلي المصري (عبد الرازق عكاشة)، وبحضوره، كنت أتحدث دائماً بلهجة مصرية تثير اهتمام الجميع المُتعلقين بها، والذين أحبوها من مشاهداتهم اليومية للأفلام، والمسلسلات المصرية، ويبدو بأنها تعكس خفة الدم أكثر بكثير من اللهجة السورية، وخاصةً الحلبية، ولكن، من الغريب حقاً بأنني أبتسم (وأضحك) في كل مرة أشاهد (بالصدفة) ممثلاً (حلبياً) يتحدث بلهجته في مسلسل سوري وسط مجموعة من الممثلين المُتحدثين بلهجات أخري: دمشقية، ساحلية، أو جزراوية، بدون أن يكون الدور، أو الموقف الذي يجسده كوميدياً.
قبل سفري الي تونس لمتابعة الدورة الأخيرة (الحادية والعشرين) لأيام قرطاج السينمائية، وحالما تحدثت مع عاملة الهاتف(مريم) في استوديوهات قمرت، حتي بدأت بدورها تتحدث معي بلهجة شامية جعلتني أسألها فيما اذا كانت فلسطينية، أو لبنانية، أو سورية.
والفترة التي قضيتها هناك أعادتني قليلاً الي لهجتي الأم، فقد لاحظــــــتُ في هذه المرة (وحتي مع حضور عبد الرازق عكـــــــاشة، وقدرته السحرية علي جذب الانتباه)، بأننــــــي حالما أُعلن للآخرين عن جنسـيتي السورية، حتي أحظي باهــــتمام أكثر بكثير من الـدورات السابقة، يلـــــيه مدح مطول لا مثيل له للمسلسـلات السورية التي تبين لي بأن الجمهور التونسي يتابعها بحب، واستمتاع، وشغف.
والحقيقة، بأنني كناقد سينمائي مهموم بالسينما نقداً، وبحثاً، ومشاهدةً، وبرمجـــــة، لم أمتلك الرغبة يوماً، أو الوقت لمُتابعة أي مسلـــــسل سوري، واقتصرت مشاهداتي المُتقطعة، وغير المنتظمة للقنوات العربية علي بعض برامـــج (قناة الجزيرة). ولهذا، لا أعرف شيئاً عن الدراما السورية، ولا عن أي دراما عربية أخـــري، هذا الجهل الذي يُثير دهشة المتحدثين معي.
في السنوات السابقة، كانت أحاديثنا مع التوانسة تتمحور دائماً حول مصر اعجاباً، وكان الجميع يعبرون عن رغبتهم بزيارتهـــــا يوماً، ولكن، ما كان مُدهشاً، ومُفاجئاً لي في الـــــدورة الأخيرة لأيام قرطاج السينمائية 2006، بأن الحال قد تغير مع من التقيت بهم مُجدداً، أو لأول مرة، حيث كانت أحاديثنا تدور في معظمها عن سورية، والمُسلسلات السورية، وكانوا يذكرونني بتفاصيل حياتية نسيتها، ويحدثوني عن ممثلين، وممثلات، وحارات شعبية، وأطعمة.. وفي جلسة جمعتني بالممثل/المخرج السوري ماهر صليبي، والصحافي السوري (محمد علي العقباني)، وبصحافيتين مصريتين (نسرين الزيات) و(شيماء سليم)، كان الأربعة يتحدثون عن المسلسلات السورية، ونجومها الا أنا، وكأنني قادمٌ من عالم آخر، ولم يكن هذا الحديث ممكناً قبل سنوات قليلة.
وفي جلسة أخري جمعت نورمان، ايمان، ملاك، وشيراز، الطالبات في أحد المعاهد المسرحية في تونس، كن يتحدثن بشغف عن الدراما السورية، حتي أنهن يحلمن بالسفر الي سورية بهدف التعرف عن قرب علي كل ما أظهرته لهم المسلسلات السورية، ومن حين الي آخر يحاولن التحدث باللهجة السورية، ويطلبن مني التحدث بها، وكنت أخجل من نفسي، فأحاول بدوري العودة الي لهجتي.
وبعد عودتي الي باريس، وقبل أن أسافر الي مدينة ليموج الفرنسية لمتابعة مهرجان حميمي صغير للأفلام القصيرة، اتصلت بالصحافية التونسية (نادرة)، وانزلقت من فمي جملة (نحن في باريس..)، فردت علي الفور: من أنتم في باريس، انني أتحدث مع سوري… وفي مكالماتي الهاتفية مع الصحافية الجزائرية (أمل)، كانت تتحدث معي بجزائرية مطعمة بالكثير من اللهجة السورية، وتطلب مني دائماً التحدث بلهجتي، وعندما أحاول، وأخطئ، كانت تصححُ لي بعض المفردات.
لا مجال للشك اذاً بأن الدراما السورية لم تعد منافساً للدراما المصرية فحسب، بل تخطت أيضاً وظيفة الفرجة علي أحداثها، والاستمتاع بحكاياتها، وسلطت الأضواء علي سورية كبلد، ولهجة، وحياة يومية، وفرضت نجوماً، ودخلت قلوب المتفرجين في كل أنحاء الوطن العربي.
ويمكن القول بأنها أعادت لي لهجتي المحلية، وأثارت في داخلي رغبة السفر الي سورية في أقرب فرصة، فشكراً للدراما السورية.
ناقد سينمائي من سورية يقيم في باريس2