وجهة نظر في نزاع الصحراء

حجم الخط
0

محمد أنوار محمد

في حرب الصحراء وعلي صعيد الاستراتيجية العامة العسكرية تمكن الجيش المغربي من انجاز تفوق استراتيجي ميداني مدعوما بتحركات سياسية نجحت في المحافظة عليه. هذا التفوق الاستراتيجي الميداني تمثل في الضبط الأمني ـ العسكري لمنطقتي وادي الذهب والساقية الحمراء، وبناء الجدار الأمني، وارغام الخصم علي التراجع الي تندوف. غير أن هذا النجاح العسكري لم يترتب عنه هزم الخصم كليا وظل القرار النهائي معلقا… لماذا؟ يمكن اقتراح الاطار التفسيري التالي الذي يقدم بعض وليس كل عناصر الاجابة.

أولا، ساهم التناظر الذي طبع السياق الاستراتيجي العالمي في عدم وأد النزاع في مراحله الأولي، لأن الحسم في النزاع لم يكن علي ما يبدو ممكنا في ظل العدائية والمنافسة الشديدة علي مناطق النفوذ بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. أيضا لأن النزاع اعتبر هامشيا ومحدود الأثر، لم تبذل القوي الكبري مجهودا متميزا لحله واكتفت بالضبط والتوجيه. وربما أخيرا لأن النزاع في حد ذاته كان وظيفيا علي الأقل من وجهة نظر الصناعة والتجارة العسكرية.

ثانيا، أثر المحيط العدواني بشكل أساسي في ديمومة النزاع. لقد أدي الاتفاق الأسباني الجزائري من جهة الي دعم أسبانيا لخصم المغرب ومن جهة أخري الي التزام الجزائر بعدم تقديم الدعم اللوجيستي لحركة المطالبة بالاستقلال في جزر الكناري (دعمتها الجزائر لوجيستيا ما بين 1975 ـ 1978). يمكن في نفس السياق اضافة الاعتراف الموريتاني بالخصم سنة 1979، وصعود الأحزاب الاشتراكية الي الحكم في فرنسا و أسبانيا في بداية الثمانينيات، وبعدئذ تشكل محور الجزائر ـ جنوب افريقيا ـ نيجيريا.

ثالثا، نظرا للاعتبارين السابقين (سياق استراتيجي موسوم بالتناظر ومحيط عدواني نشيط)، فالعمل الدبلوماسي المغربي انحصر غالبا في دول توجد في وضعيات نزاعية مشابهة أو ذات سمات سياسية مماثلة أو مندرجة في اطار المنظومة الغربية. ان عدم فعالية الدبلوماسية ابان تلك الفترة يمكن تبريرها بتعذر بناء فرضيات ربح ممكنة في ظل شروط غير ملائمة. لذلك سيظهر قرار قبول المغرب للاستفتاء (26 حزيران/ يونيو 1981) كحركة كرونوستراتيجية تدمج المستقبل في الحاضر وتراهن علي زمن يتغير فيه المعطي الاستراتيجي الدولي.

رابعا، تواجد الخصم علي التراب الجزائري حال دون توجيه الضربة القاصمة له، خصوصا وأن التفاوت في التسلح والكفاءة العسكرية في البداية كان جليا. نتج عن ذلك أن الخصم كان باستطاعته القيام بعمليات تستهدف القوات المسلحة المغربية المتمركزة في الصحراء والتي تقتصر علي الدفاع والمطاردة دون الهجوم. وهذا، بدون شك، كان عاملا/حاجزا لبناء استراتيجي ميداني يستهدف هزم الخصم نهائيا.

خامسا، جاذبية مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير ومكانته لدي شعوب العالم. ان عددا من الفاعلين الدوليين تمثلوا نزاع الصحراء بكيفية ساهمت في تدعيم أطروحة الخصم. هكذا دخل المغرب حرب بناء المعني باذلا مجهودا لتأكيد مغربية الصحراء. ويبدو أنه ساير في ذلك استراتيجية الخصم. فالأمر بدا، في البداية، كأنه مرتبط بصراع هوياتي مما أدي الي تغييب جوهر النزاع. بدل ذلك كان الأجدي اقناع المجتمع الدولي بالبعدين الجيو اقتصادي والجيو استراتيجي اللذين يجعلان الجزائر تسعي جاهدة لفتح نافذة علي المحيط الأطلسي (الجوهر). ان مقولة الشعب الصحراوي كان لامعناها سيظهر مع الوعي بالرهانات التي تحكمها.

سادسا، تذبذب التنمية في المنطقة.. فبالرغم من المجهودات التي بذلها المغرب للنهوض حينها وبعد ذلك بالصحراء، الا أن هذا المجهود لم ينتج علي ما يبدو امتيازات جماعية كبري يصعب معها علي المستفيدين التفكير في الانسياق مع أطروحة الانفصال أو تعمق الثقة في مآل العملية الاستفتائية… وطنيا كانت اخفاقات السياسات الاجتماعية والاضطرابات ذات الطابع السوسيو سياسي تزيد من اعطاء الخصم فرصة لايجاد ثغرات تدعم مطالبه وبالتالي حشد الدعم المادي والمعنوي.

سابعا، الانتقال من المواجهة الميدانية الي ادراك دور الزمن والمفاوضة في انهاء الصراع. تشكل هذا الوعي في المغرب سنة 1981، بينما لم يتشكل لدي الخصم الا سنة 1988 بعد موافقته علي مخطط السلام المقترح من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، وتأكد باتفاق وقف اطلاق النار (6 ايلول/ سبتمبر1991). ان الاتفاق اتجه منذ البداية الي الاختلاف. هكذا أدي تأويل شروط أهلية التصويت الي سعي كل طرف الي فرض شروطه ووجهة نظره مما ساهم في خلق وضعية لاحرب/لاسلم وفي فتح امكانية رفع أو خفض وتيرة النزاع. حينها تبين التشابه في الموقف. قبول الاستفتاء ورهن ذلك بشروط. الخلاصة: كما تفعل أفعل. تأكد ذلك بعد فتح المغرب لنافذة الحل الثالث حيث سارعت الجزائر الي اقتراح تقسيم الصحراء. الخلاصة الأخري: تقليص امكانية الحل الي أدني حد ممكن (تعجيز الخصم، استبعاد الحل المنافس…). وفي كل مرة وكأنهما يقيسان درجة صلابة ارادتيهما: الجزائر تصف المغرب بالقوة المحتلة و المغرب يحدد الخصم في الجزائر. المغرب يقترح حلا سياسيا متمثلا في الحكم الذاتي، الجزائر تدوس الي الخلف وبنبرة حادة تشدد علي حق تقرير المصير. وفي كل مرة تلوح الجبهة بالعودة الي السلاح، ويعاد طرح نفس السؤال: هل هي حريب في الأفق؟.

قرار الحرب صعب جدا لكنه ليس مستبعدا تماما (شبهه أحد الفاعلين مؤخرا بالانتحار). من الممكن أن تتحرك الجزائر في اتجاه اثارة حريب قصيرة الأمد بين المغرب والبوليزاريو لابراز القضية في النقاشات العالمية لعل مزيدا من التزام الأمم المتحدة والأطراف الدولية يسرع في تبني اجراءات قد تكون مناسبة لها، أو كمحاولة لتشتيت التفكير المغربي والتشويش علي تناغم تحركاته، أو لسد الفراغ ولايقاظ الهمم التي تتراخي بسبب الملل وخيبة الأمل. هذا التحرك قد تعمل قوي دولية فاعلة ومؤثرة، كما كان الشأن بصدد جزيرة ليلي، علي الحد منه نظرا لامكانية تأثر مصالحها من حريب ليست بعيدة عن أوروبا ولا من حيث الأهمية الاستراتيجية عن الولايات المتحدة.

علي أي، يبدو أن المغرب في وضع أفضل لربح هذه الحريب ان حدثت، فالبوليزاريو كما هي الآن لا تتوفر لديها القدرة علي انجاز نصر عسكري ميداني علي المغرب. كل ما يمكنها القيام به يتمثل في مناوشات والتزامات محدودة غير مضمونة النتائج (محاولة التحكم في بعض المنافذ، محاولة أسر القوات والانسحاب الي الصحراء الجزائرية التي لا ينازعها عليها أحد، محاولات اقتحام نوعية لدفاعات القوات المغربية…)، و/أو الدفع ببعض العناصر الكامنة في المغرب للتظاهر والقيام بعمليات اثارة الانتباه مستغلة هوامش الانفتاح الديمقراطي في المغرب. لذلك، يجب الوعي بكون زمن السلم ليس الا لحظة لاستعادة الأنفاس والاستعداد وبالتالي تبدو ضرورة اعطاء الأهمية القصوي للاستراتيجية التكوينية في نطاق الممكن اقليميا ودوليا. في حالة تعرض المغرب لهجوم عسكري من التراب الجزائري سيعتبر ذلك عدوانا وحينها يملك المغرب الحق في الرد في عمق التراب الجزائري… وهذا حتي يدرك الخصم الصرامة المغربية وما سيترتب عن أي احتمال للجوئه الي استعمال القوة. ان تورطا جزائريا مباشرا، سيظهر للعالم من جهة نواياها الحقيقية وبأنها الطرف الأساسي في النزاع وليس الذريعة الأخري، ومن جهة أخري سيظهر للشعب الجزائري أن المؤسسة العسكرية رغم الدعاية والتعبئة المبتذلة تخلط بين ما هو جزائري و ما هو غير جزائري، اذ من المستبعد أن يعتبر الشعب الجزائري البوليزاريو شأنا جزائريا.

اذا لم تحدث هذه الحريب واستمرت وضعية لاحرب لاسلم، فالصراع سيرتكز في المستويات المرتبطة باستراتيجية التأثير (التحالفات، التحرك في المنظمات الدولية، مبادرات لمحاصرة الخصم، السعي وراء اعترافات أو سحبها… ) دونما حسم في نتيجة النزاع. والزمن تبعا لحكمة ماو تسي تونغ كفيل بتحويل طبيعة الحرب (الصراع) وكفيل أيضا بارجاع التندوفيين الي بلدهم. بهذا الصدد يبدو أن ادراج المدي البعيد في الاستراتيجية يضمن بدرجة كبيرة ربحا مزدوجا (ربح الصحراء وربح التنمية) بدون خسائر. لقد تبينت محدودية بناء استراتيجية ربح انطلاقا من واقع اللحظة في ظل الظروف الدولية الراهنة (في انتظار ما سيسفر عنه مقترح الحكم الذاتي). هنا من المفيد النظر الي المدي البعيد كيف سيكون المغرب اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وكيف سيكون الخصم؟. ويبدو أن النهاية الضرورية للنزاع بالنسبة للمغرب تمر عبر اجماع وطني علي مشروع سياسي يستهدف بناء مغرب قوي داخليا ومقدر (مهاب) خارجيا.

هذا الطموح يجب أن يدعم بتحالفات وحضور مكثف ومستمر في المنظمات الدولية واقامة استراتيجية علائقية في المجالات التجارية لما لها من أهمية قصوي في هذا البناء. بهذا الصدد، أيضا، تبدو ضرورة فتح الباب أمام المزيد من الاستثمارات الأجنبية الكبري في الصحراء حتي تتكون شبكة مصالح كبري وهذا حتما سيربك الخصم وسيقف أمام أي خطر أو محاولة للايذاء أو الاعتداء. يدرك المغرب أن الخصم يوجد في الجزائر، بل يزداد قناعة بأنه الجزائر. وبكل الطرق عليه أن يجعلها تتراجع عن مشاريعها وطموحاتها باقناعها بعدم جدوي واستحالة تحقيق أهدافها، فلن تربع تلك الدائرة أبدا، وانما عملها في غير معمل: تنفخ في غير فحم وتخط علي الماء. ہ باحث من تونس8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية