قراءات في المشهد السياسي السوري

حجم الخط
0

هيثم المالح

عقب القسم لمنصب رئيس الجمهورية الذي أداه الرئيس بشار الأسد، تفاءل البعض بظهور بوادر تحول في عقلية السلطة الحاكمة، وبدأ حراك سياسي تمثل باجتماعات وندوات لقوي سياسية ومحاولات من بعض الشخصيات لطرح أفكار تصب في الاتجاه لتأسيس أحزاب سياسية. سميت هذه الفترة (ربيع دمشق) مع أنها في نظري لا تعدو أن تكون أيام شتاء بطقس معتدل.

لم يكد الناس يتحركون لاسترداد حقوقهم الطبيعية والدستورية المسلوبة وممارستها حتي بدأت الاعتقالات في صفوف هذا التيار وزج بعشرة من الناشطين السياسيين والحقوقيين في السجون، وجرت محاكمات لثمانية منهم أمام محكمة أمن الدولة التي لا يتوفر فيها أدني معايير المحاكمات العادلة والنزيهة المطلوبة في مثل هذه الحالات، بينما حوكم نائبان أمام محكمة الجنايات في دمشق، وكنت مع زملاء آخرين وكلاء عن هؤلاء المعتقلين، وعبثاً حاولنا التمسك بالقانون وتطبيق أحكامه وممارسة حقوقنا باعتبارنا محامين نسعي لتحقيق العدالة إلا أننا لم نفلح، وجرت المحاكمات بصورة بعيدة عن منطق العدالة، وأغلقت المنتديات بينما أبقي علي منتدي جمال الأتاسي، الذي لحقه الإغلاق منذ نحو سنة. إذا أنعم الواحد منا النظر في المشهد الذي كان في هذه الفترة فانه يري كتاباً يكتبون في الشأن العام، ويغلب علي كتاباتهم الطابع السياسي، ومن تفحص ما يكتب نري أنه يصب في إحدي خانتين: أولاً: إما انتقاد السلطة السياسية وأعمالها. ثانياً: وأما هجوماً علي المعارضة أو علي بعض رموزها وتسفيهاً لها ولجهودها. وأمام هذا المشهد حاولت جاهداً أن ألفت نظر البعض إلي ضرورة التواصل مع المجتمع وذلك عن طريق الدفاع عن همومه وقضاياه، ذلك أنه كما هو معروف أن الناس لا يلتفون إلا حول من يدافع عنهم وعن مصالحهم، أما التنظير السياسي والاجتماعي فقط فليس مكانه قواعد المجتمع بشكل عام وانما مكانه النخبة، وهذه النخبة لا تستطيع القيام بأي شيء سوي الكلام والنقد والتجريح والذي لا يغني ولا يسمن من جوع من وجهة نظر الناس المتضررين من فساد السلطة وضربها عرض الحائط بمصالحهم وقضاياهم!!! وفي الحقيقة لم يكن لملاحظاتي أدني تأثير ولم يعر الأخوة المنظرون اهتماماً لما حاولت لفت نظرهم إليه، و لا أدري لماذا اقتصر المشهد السياسي ـ لما سمي معارضة ـ علي جانب النقد السياسي للنظام، والتجريح والهجوم علي العاملين في الحقل العام!! هل هو من أجل الكسب المادي الذي يعود علي الكتاب بفوائد مجزية من الناحية المالية أم هناك هدف آخر وراء كل ذلك؟

لعله لم يدر في خلد هؤلاء الكتاب والسياسيين أن المرحلة التي نمر فيها تقتضي منا التعاون علي ما نتفق عليه ولو بحدوده الدنيا وعملاً بالحديث القائل (سيروا سير أضعفكم) وأن يعذر بعضنا بعضا فيما نختلف فيه، ونحن كما هو معروف نمر بمرحلة صعبة معقدة بعد طول رقاد انكفأ فيها المجتمع عن ممارسة قضاياه بنفسه وقبل عن ضعف أو أكراه طوال عقود أن يكون مركوناً علي الرف، نتيجة ممارسة القمع والقهر من قبل الأنظمة التي تحكمت في البلاد والعباد، وبالتالي فإعادة المجتمع إلي الشأن العام بعد هذه المدة الطويلة ليس أمراً سهلاً ويحتاج لتعاون كبير، وجهود مضنية وارتفاع فوق الشخصنة والمصالح الذاتية والآنية.

في هذا الجانب الذي يمكن أن يطلق عليه خارج السلطة ـ أو المعارضة السياسية ـ التي تضم بين جنباتها كما ذكرت سابقاً أحزاباً وتنظيمات وشخصيات انقسمت هي الأخري إلي قسمين أو تيارين: أحدهما وجد ضالته في التغيير عن طريق الاستعانة بالخارج، غير عابئ بدروس الماضي والمآسي التي وقعت تاريخياً في الأندلس نتيجة استعانة بعض أمراء المسلمين بالفرنجة، أو ما حصل حالياً في العراق وأفغانستان ومن قبل في الكويت حين هبطت جحافل أمريكية فاستوطنت الخليج وسيطرت علي ثرواته ومقدراته ثم دمرت كل ما شاهدته أمامها من حضارة وتاريخ واستولت علي الثروات في عراقنا وأفغانستاننا!! ومع ذلك يري هذا الفريق أن الاستعانة بالخارج هي السبيل للتغيير، بل لقد ذهب البعض مذهباً أخطر حين رأي بأنه يلزمنا لسورية توافق كالحالة التي حصلت في العراق، أما القسم الآخر من المعارضة أو ممن أسميهم خارج السلطة فقد رأوا ضرورة التغيير من الداخل ولو بالتدريج.

أما السلطة فهي قد عادت القهقري لتلوح من جديد باستعمال القوانين سيئة الصيت كحالة الطوارئ ومرسوم مناهضة أهداف الثورة…. إلخ، وان كانت في اعتقادي لم تترك استعمالها يوماً، فضلاً عن ممارسة الاعتقالات العشوائية والقمع العاري عن الحق والحقيقة والمتمترس بالفساد وبالقوة الغاشمة!! لم تستطع السلطة أن تضع الوطن علي سكة التغيير ولو تدريجياً وانما راحت تقول بان الأولوية هي للأمن ولا ندري ما هو مفهوم الأمن بنظرها؟ هل أمن السلطة، أم أمن المجتمع؟ وعادت لتزج بأعداد كبيرة من الناس في مراكز التوقيف الملحقة بالأجهزة الأمنية السرية التي اكتظت بالمعتقلين دون ذنب ولا جريرة سوي ما تري الأجهزة الأمنية أنه يهدد أمن الدولة، وأطلقت يد الأجهزة لتمارس أعمالها خارج القانون وضد العدالة والحق وأحيل بعض المعتقلين ليحاكموا أمام محكمة أمن الدولة وليحاسبوا علي أفكارهم وآرائهم وليس علي جريمة اقترفوها؟ وألغت كل منبر للحوار ومنعت كل اجتماع، ولوحت مراراً باستعمال حالة الطوارئ، ثم وضعت رأسها بالرمال وأصمت سمعها عن صرخة الحق فلم تعمد إلي انهاء أي من الملفات العالقة منذ عشرات السنين: ملف المهجرين، ملف المفقودين، ملف سجناء الرأي والضمير، ملف تشابك الأجهزة الأمنية، بحيث يعمل الكل في الكل وبلا حدود أو قيود فيساق المدنيون إلي فروع الأمن العسكري، أو الفروع الأخري التي لها أول وليس لها آخر، وحتي الآن لم يجر طي ملف التعذيب فكيف تطالب المجتمع أن يصدق دعواها لجهة الإصلاح أو مكافحة الفساد أو غير ذلك؟ فلو أن أحد الناس صرخ بأعلي صوته طالباً انهاء نهب المال العام، والذي يتمثل في أدناها بوجود طروش من السيارات الفارهة تصطف أمام أبواب المسؤولين وخاصة العسكريين منهم (العاملين والمتقاعدين) ويتحمل المواطن قيمتها ومصاريفها وإصلاح أعطالها وهو يرزح تحت الفقر المدقع؟ فهل هناك من يسمع لهذا الصراخ؟

يلاحظ التلاميذ كيف يتجول رفاقهم بسيارات تحمل لوحات حكومية مدنية أو عسكرية ويطاردون فيها الفتيات عبر الشوارع وكيف أضحي مال الشعب مباحاً لا رقيب ولا حسيب علي صرفه، وبينما يمارس بعض المسؤولين أعمالاً تجارية خارج القانون مستغلين وظائفهم ونفوذهم ويكدسون الأموال لحسابهم في البنوك خارج القطر بينما تجري عمليات غسيلها بأساليب وأفانين مختلفة كافتتاح بنوك أجنبية وتمرير حساباتهم بواسطتها، بينما يرزح كثير من المواطنين تحت خط الفقر!! ، وللعلم فقط فانه منذ مجيء هذه السلطة إلي الحكم لم يجر أن وضعت ميزانية للمحاسبة عن العام الذي انقضي وهو ما يسمي بالحساب الختامي، والذي يظهر حقيقة الوضع المالي للبلاد وما ذا صرف وماذا لم يصرف، وما هي حصيلة عمل الحكومة في السنة الماضية، وبالتالي فالحكومة لا رقيب عليها وهي تعمل خارج الرقابة المالية الفعلية.

سبق أن كتبت كما كتب غيري عن الفساد المستشري في جميع مفاصل السلطة، كما جري الحديث مراراً عن الضرائب غير المشروعة التي ترهق كاهل المواطن العادي وخاصة منها الضرائب غير المباشرة من أمثال ما سمي (طابع اللصيقة) والذي بواسطته يتحمل المواطنون رواتب القضاة الذين عجزت السلطة عن رفع سوية رواتبهم، والذي يعتبر مرحلة من مراحل مكافحة الفساد في القضاء، وأن نظرة خاطفة حول تكاليف الانذار الذي يرسل بواسطة الكاتب بالعدل نراه قد قفز من مائة ليرة سورية، منذ عام تقريباً إلي أكثر من سبعمائة ليرة سورية، كما زادت بصورة كبيرة تكاليف إقامة الدعاوي إلي أضعاف ما كانت عليه في حين أن من المفروض أن تبذل العدالة مجاناً.

عمدت السلطة إلي رفع أسعار المحروقات ومنها وقود السيارات دون أدني حس بالمواطن، ذلك أن العاملين في هذه السلطة لا يدفعون قيمة المحروقات بسبب أنهم يتمتعون هم وأسرهم وأصدقاؤهم كما قلت سابقاً برفاه استعمال السيارات الفخمة والحديثة علي حساب المواطن حتي أنه قد يحصل متقاعد عسكري علي سيارة حديثة بعد تقاعده!! نقول هل لدي السلطة أية نية لرفع سوية معيشة المواطنين ورفع معاناة الفقراء منهم وذلك بإلغاء الامتيازات التي يتمتع بها من هم في السلطة وحول السلطة؟

إذا فان طرفي الدولة السلطة والمعارضة ليس لديهما حتي الآن مشروع لحماية المواطن والدفاع عن همومه وآلامه، ولا هم لكل طرف سوي التعريض بالطرف الآخر أو التعريض بين أطياف الطرف نفسه، فهل أن مشكلات المجتمع ليس لها من يهتم بها أم أن العزف علي الخلافات السياسية هو الأهم؟ أو هو ما يوفر لصاحبه الشهرة؟

وقعّ عدد من التنظيمات السياسية والشخصيات علي إعلان دمشق كما وقعت شخصياً عليه، وقلنا ان هذا الإعلان بحدوده الدنيا هو ما توافق عليه الموقعون من أجل التغيير الديمقراطي والسلمي، وتوقعنا أن يشكل نقلة نوعية لتحقيق مستقبل أفضل، وحراك يدفع بالمجتمع للعودة لممارسة الشأن العام، بعد أن حرم منه عقوداً طويلة بسبب القمع والقهر اللذين مورسا عليه وما زال، وها قد مر علي توقيع إعلان دمشق أكثر من عام دون أن أري في الأفق أية ملامح للنهوض، ومع تسليمي بأن ما تقوم به السلطة من محاولات متكررة لمنع أي اجتماع أو ندوة بين الموقعين علي الإعلان، وملاحقة البعض والزج بهم في السجون، ما يدفع بالعمل إلي الخفاء، ويعرقل مسيرة الإعلان وهو ما ينذر بعواقب غير محمودة، ذلك أن شعبنا ـ كما أعتقد ـ قد بلغ سن الرشد منذ أمدّ بعيد وآن له أن يأخذ أموره بيده، ويمارس رقابة علي أعمال السلطة التي تعمل دون رقابة حتي الآن. لقد ولد إعلان دمشق بعد مخاض طويل وما ان صدر حتي كان الهجوم عليه من أطراف شتي علي أشده، دون أن يفكر أحدهم بالقول المأثور (خير لك أن تشعل شمعة من أن تلعن الظلام)، والذي يبدو لي أن هذه الأمور التي تحصل مردها التراكم السابق الناجم عن غياب الشعب عن ممارسة قضاياه وحل المشكلات التي لا تزال عالقة حتي الآن. حتي ساعة كتابة هذه الكلمات لم يتضح لي أن القوي السياسية العاملة علي الساحة السورية مستعدة لأن تمارس ديمقراطية تبشر بها أو أن تلتمس العذر للآخرين علي مخالفتها، وحتي الآن ما زال البعض يعاود استحضار الماضي الذي تحيط به شوائب كثيرة وهو لا يستطيع الفكاك منه، كما يغلب علي العمل العام الشخصنة، ورغبة الظهور، وجلب الأضواء، ولا رغبة للكثير من الناس فيما يبدو اكتساب الخبرة والمعرفة ممن سبقهم في العمل العام بحيث لا يري البعض في هؤلاء سوي موضة قديمة عفا عليها الزمن، كما يحلو للبعض تصوير العمل العام بأنه صراع بين الأجيال، هكذا دون أن يحاولوا تلمس الواقع ومدي صواب هذا الطرح وما يترتب عليه من آثار، ودون إدراك لما سيجره هذا التمايز من انعكاسات علي مصير العمل العام وانعدام الخبرات، فلو نظر هؤلاء للعالم الذي نسميه متحضراً فانهم سوف يجدون أن العمل عبارة عن سلسلة متواصلة من البشر العاملين في الحقول العامة السياسية وغيرها دون تمييز بين كبير وصغير بل أن الخبرة تأتي في مقام بارز في كل مجال ولا يشعر الناس بوجود هذا الوهم المتمثل في صراع الأجيال.

بعد أن استطاع النظام تفكيك البنية المجتمعية فان من المهم جداً في هذه المرحلة أن نعيد لحمة المجتمع ونمارس في الوقت الحاضر التشبيك المجتمعي وكل مواطن مسؤول هنا أن يدعو رفاقه وجيرانه ومن يلوذ به لترسيخ مفهوم التشبيك علي اعتبار أنه مرحلة أولي من مراحل بداية إعادة المجتمع لممارسة حقوقه، ومـــــن جهة أخري فان من الهام جداً أن يستوعب المواطن حقوقه وأن يدافــع عنهــــا بمواجهة أي تصدي ضمن إطار الدفاع المشروع الملتزم بنصوص القوانين النافذة والحقوق الطبيعية والاتفاقات الدولية، وان في إهمال المواطنين لهاتين النقطتين إضعاف للمجتمع بحيث يكون التغيير ليس قريباً. ان من الأهمية بمكان أن يدرك الناس كل الناس أن الوطن ملك للجميع وأن المرحلة التي نمر بها هي مرحلة تاريخية بالغة الأهمية لا بد فيها من تعاون بين الكل حتي يشكل كل طرف رافعة ترفع المجتمع من جهته وحتي نستطيع تجاوز الأخطار المحدقة بمنطقتنا كلها، وإلا فان ساعة الخلاص جد بعيدة. ان المواطنين سائر المواطنين مدعوون للعمل وترك الكسل والتواكل وإلا فان مستقبل التاريخ لا يرحم والمستقبل غامض. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية