من يعارض ذلك يكون متمسك بحقيقة وجود اسرائيل كدولة يهودية
لقد خرقت الدول العربية عام 1948 قرار الجمعية العامة للامم المتحدة وهاجمت دولة اسرائيل بهدف تدميرها. ولو أنها تمكنت من ذلك لكانت المنطقة غربي النهر قد قُسمت بين سورية والاردن ومصر، وربما لبنان ايضا. وأن دولة فلسطين لم تكن لتقوم ولا أحد كان قد سمع عن الفلسطينيين.
لكن ذلك الهجوم علي اسرائيل لم ينجح. والمنطقة التي خصصت لفلسطين قُسمت بين الاردن (الضفة الغربية) ومصر (قطاع غزة) واسرائيل. ولا دولة واحدة من هذه الدول هدفت الي اقامة دولة فلسطين. إلا أنها لم تتخل عن حلمها في تدمير دولة اسرائيل، وقد استخدم اللاجئون الفلسطينيون من قبلهم كورقة عسكرية سياسية ودعائية. ووضعوا في مخيمات منفصلة ولم يحصلوا علي الحقوق مثل المواطن العادي في هذه الدول. والـ وضع لهؤلاء اللاجئين بقي علي حاله، وقد انتقل من جيل الي آخر عن طريق الوراثة. ان مئات الآلاف من اللاجئين الذين هربوا في حينه لم يعودوا بين الأحياء، ولكن التكاثر الطبيعي ووراثة هذا الوضع تسببت في زيادة أعداد هؤلاء اللاجئين وزيادة عددهم من جيل لآخر. وعددهم الآن يصل الي نحو المليونين.
لقد احتلت اسرائيل في حرب الايام الستة، من بين ما احتلت، الضفة الغربية وقطاع غزة. والنتيجة كانت ان اغلبية الجمهور الفلسطيني قد أصبحت تحت سلطة دولة واحدة هي اسرائيل، وبذلك زادت فرص تبلوره كشعب. وقد فهم الكثيرون من قادة اسرائيل الخطر الكامن في اقامة دولة فلسطينية، التي ستطلب القدس كعاصمة لها، والعودة الي حدود عام 1948، وكذلك اعادة اللاجئين الي داخل حدود دولة اسرائيل. ليس الي دولة فلسطين، وكان ذلك أساسا في السياسة الاسرائيلية علي مدي سنين طويلة. ولكن استمرار رفض اقامة دولة فلسطينية كان يمكن أن يبقي اذا ما تم قرنه باعادة الضفة الغربية الي الاردن وقطاع غزة الي مصر، وذلك من خلال المطالبة بضرورة حل مشكلة اللاجئين والسكان الفلسطينيين في هذه المناطق.
لم تكن اسرائيل مؤهلة لمثل هذه الخطوات. وضعف القيادة السياسية المعتدلة، بالاضافة الي حسابات ايديولوجية وضغط من المستوطنين، كل هذا تسبب في منع تحقيق امكانية كهذه علي مدي عشرات السنين، التي تبلور خلالها وتجسد وجود الشعب الفلسطيني، الذي كان الملايين من أبنائه تحت السيطرة الاسرائيلية.
وفي عام 1978، أي بعد سنة تقريبا من تولي بيغن الحكم في اسرائيل، تم التوقيع علي اتفاقات كامب ديفيد بين مصر واسرائيل. والسلام التي أُحرز منح اسرائيل الكثير من الأفضليات، ولكنه جر معه ايضا اعادة كل شبه جزيرة سيناء الي مصر وأبقي في أيدي اسرائيل قطاع غزة. لذلك تمت اضافة عدد من النقاط بخصوص الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني و حل القضية الفلسطينية. والخيار الاردني، علي الأقل بالنسبة للضــــفة الغربية، تـــــشوش كثيرا. كـــذلك فان اتفاق السلام مع الاردن أبقي المشكلة الفلسطينية، بما فيها مسألة اللاجئين، في يد اسرائيل وما تقوم به.
حول هذه الاتفاقات السلمية المذكورة، يمكننا القول أنها قد حققت أفكار اليسار في موضوع الارض مقابل السلام، وهو الشعار الذي مكّن مصر والاردن من التنصل من كل مسؤوليتهما بالنسبة لموضوع اللاجئين. وبعد كل ذلك، تم انجاز اتفاقات اوسلو مع الفلسطينيين، التي تعهدت لهم بدولة ومناطق. ولكن، مرة اخري، بقيت مشكلة اللاجئين هي التي تلقي بظلال الخطر علي وجود دولة اسرائيل، وهذه المشكلة بقيت قائمة ومفتوحة، مع أن الاسرائيليين يحاولون تجاهلها ودفعها باستمرار الي زاوية بعيدة.
الآن، الحديث يدور عن امكانية تحقيق اتفاق سلام مع سورية. ومرة ثانية يدور الحديث عن الارض مقابل السلام، ولا أحد يعرف عن أي سلام يتحدثون، وكم من الوقت سيصمد هذا السلام. ومرة ثانية عادت مسألة المفاوضات مع الفلسطينيين الي البروز من جديد. من وجهة نظري يبدو أنه لا بد من فتح موضوع اللاجئين قبل كل شيء، وفي أي مفاوضات قادمة، وأن نفحص ما اذا كان الطرف الثاني مستعد لتسويتها في نطاق مناطقه واراضيه، يكي يُبعد عن اسرائيل طلب استيعابهم من جديد. هذه هي الورقة الحقيقية الأكيدة للسلام الحقيقي. ومن لا يُبدي الاستعداد ذلك، ومن يروي لنا بأن الامور ستكون علي ما يرام وأن الوقت سيحل كل شيء، فانه ما زال لا يوافق علي حقيقة وجود اسرائيل كدولة يهودية.
دانيال فريدمانكاتب في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 11/12/2006