الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. حديث خرافة وكذب!

حجم الخط
0

جواد البشيتي

في العاشر من كانون الأوَّل من كل عام، تحتفل البشرية بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أصدرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في مثل هذا اليوم من عام 1948. وإذا كان من شيء يتأكّد كل سنة عبر هذا الاحتفال العالمي فإنَّ هذا الشيء هو أنَّ هذا الإعلان ظلَّ حبرا علي ورق، وأنَّ المحتفلين الرسميين به (وهُمْ كل المحتفلين تقريبا) هُمْ العباءة التي يلبسها كل مَنْ له مصلحة في الانتهاك المستمر والمتزايد والمنظَّم للحقوق الأساسية للإنسان، الذي لا وجود حقيقيا له في أي مكان وفي أي زمان؛ لأنَّهم لم يعترفوا بحقوقه الأساسية إلا بعدما أخرجوه من التاريخ، ونظروا إليه وعاملوه علي أنَّه إنسان عام!

لقد استهلُّوا إعلانهم بما هو أقرب إلي الخرافة والكذبة منه إلي الحقيقة والصدق إذ قالوا في المادة الأولي: يُولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق.. ! وإضافة إلي هذا القول البليغ، نقول: ثمَّ تشرع تلك المساواة (الربَّانية أو الفطرية) تتلاشي وتختفي، فبعضهم (أي غالبية المواليد من البشر) يفقد تلك الحقوق في سبيل أنْ يمتلكها ويتمتع بها غيرهم (أي الأقلِّية التي بوحي من مصالحها كُتِب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) . إنَّ هؤلاء الكتبة والمشرِّعين قد أقرُّوا أوَّلا وصراحة (عبر تلك الكذبة الكبري) بأنَّ جميع الناس يولدون أحرارا متساوين في الحقوق؛ ثمُّ أقروا، ضمنا، بأنَّ هذه المساواة تصبح أثرا بعد عــــين ما أنْ ينمو المولود ويكبر؛ ولكنَّهم لم يفسِّروا لنا هذا الانـــقلاب، كما لم يكلِّفوا أنفسهم عناء البحث عن السبل الكفيلة بدرء هذه الكارثة عن البشرية، فكل ما توصَّلوا إليه، في هذا الصدد، لا يعدو القول بضرورة نشر وتعميم ثقافة حقوق الإنسان، وكأنَّ المشكلة تضرب جذورها عميقا في هذا النقص الثقافي!

كلا، إنَّ الإنسان، وبخلاف ما يُعتقَد عن جهل وتضليل وخداع، لا يُولد حرا، متساويا مع غيره في الكرامة والحقوق، فهــــو لا يُولد إلا نسخة، في المعني الاجتماعي والتاريخي، مــــن والديه، وإنْ تمكَّن، في مجـــري حياته الشخصية، من إدخال شيء من التغيــــير علي وضعه العـــام الموروث أساسا؛ أمَّا الاستـــثناء فيجــــب أنْ نفهمـــه الفهم الصحيح، أي أنَّه تأكيد للقاعدة وليس إلغاءً لها.

أين هي الحرِّية الوهمية تلك إذا ما كان المولود يُصنع اجتماعيا في بيئة اجتماعية وتاريخية، وفي تربية، لم يخترهما اختيارا، ولا يمكنه ذلك، في طفولته علي وجه الخصوص. هذا المولود إنَّما يشبه سائلا يتشكَّل بما يتفق وشكل الإناء الذي يُسكب فيه؟!

وأين هي الفرص المتكافئة في سباق ينطلق فيه كل المواليد انطلاقا غير متكافئ في قواهم الاجتماعية؟!

لو أنَّ الفرص كانت متكافئة حقا، ولو أنَّ السباق كان عادلا حقا، لما كانت النتيجة هي أنَّ الذي يعمل ويجد ويتعلَّم ويُبدِع لا يملك، والذي يملك هو الذي لا يعمل ولا يجد ولا يتعلم ولا يُبدع.. ولما كانت أنَّ الملايين من أمثال آينشتاين وبيتهوفن وبيكاسو وشكسبير.. قد خنقهم الفقر والظلم والقمع فلم يتمكنوا من الظهور.. ولما كانت أنَّ الحُكَّام يجيئون دائما من تلك السلالة التي يجتمع فيها ثراء الجيب وفقر العقل.

في تعداده وشرحه للحقوق الأساسية للإنسان، قال لنا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إنَّ لنا مِنْ الحقوق ما لغيرنا، الذي لا يختلف عنَّا إلا في شيء لا أهمية تُذكر له، وهو القدرة والاستطاعة، فكل البشر يولدون ولهم الحق في اجتياز وعبور هذا النهر؛ ولكنَّ قلَّة منهم تعلَّموا السباحة وتدرَّبوا عليها، وامتلكوا القوارب وكل ما يلزمهم لعبور آمن، فنجحوا في اجتياز النهر وعبوره؛ أمَّا الغالبية، فبعضهم لم يحاول؛ لعلمه أنَّ المحاولة فاشلة، وبعضهم حاول ففشل، فانتهت المساواة القانونية في الحقوق إلي اللامساواة في الواقع. ولو سُئل المنافحون عن حقوق الإنسان (السرمدية) عن السبب لأجابوا علي البديهة قائلين: النقص في ثقافة حقوق الإنسان لدي غالبية البشر هو السبب الرجيم؛ أمَّا الحل فيكمن في عقد مزيد من الندوات والمؤتمرات والمهرجانات توصُّلا إلي نشر وتعميم هذه الثقافة، وكأنَّ الإنسان يكفي أنْ يعي حقوقه (علي أهمية هذا الأمر) حتي يملكها ويستخدمها ويستفيد منها!

إنَّ غالبية البشر لا يتمتَّعون بتلك الحقوق التي عدَّدها وشرحها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإنَّ مِن الظلم للحقيقة أنْ نعزو ذلك إلي نقص في الوعي والثقافة، أو إلي عيب أخلاقي لدي الدول والحكومات، فالسبب الملعون يكمن في تلك المصالح الواقعية الفئوية الضيِّقة التي تفرض علي أصحابها وعلي ممثِّليهم السياسيين والإيديولوجيين منع غالبية الناس والمواطنين من التمتُّع بحقوق الإنسان الأساسية، وممارستها في حرية، وتحويلها، بالتالي، من حرف ميِّت إلي حرف نابض بالحياة، فهؤلاء هُمْ وحدهم الذين يملكون القدرة علي التمتُّع بتلك الحقوق وممارستها في حرية تامة، وهؤلاء هُمْ وحدهم المستفيدون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية