خيارات محدودة امام بوش بعد تقرير بيكر ـ هاميلتون

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

حتي العام 2003 كانت الولايات المتحدة تواجه تحديين أساسيين في منطقة الشرق الاوسط: اولهما الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وثانيهما المسألة الديمقراطية الشائكة في عالم تهيمن عليه الديكتاتوريات المدعومة واشنطن. وحتي بعد الحرب الانكلو ـ أمريكية ضد العراق في ذلك العام، بقيت هاتان القضيتان تشغلان بال المهتمين بالسياسة من الامريكيين. يومها لم تكن حماس قد وصلت بعد الي السلطة، فكانت القضية الفلسطينية تبدو أقل حدة، فيما كانت قضية دمقرطة الشرق الاوسط تحديا جديدا أفرزته ظاهرة الارهاب خصوصا بعد حوادث 11 ايلول (سبتمبر). وعلي مدي السنوات الثلاث اللاحقة تطورت الامور بشكل أخطر بعد ان فشلت الولايات المتحدة في التعاطي الجدي مع القضيتين.

ولم تنجح في احتواء اي منهما بشكل حاسم. ونظرا لما تمثله كل منهما من مصدر ضغط علي الولايات المتحدة بسبب تدخلها السافر في شؤون المنطقة طوال العقد السابق (اي بعد أزمة الكويت والحرب الشرسة التي خاضتها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة) بدت واشنطن جادة في البحث عن حلول ومخارج. فجاءت اطروحات الشرق الاوسط الجديد، والشراكة الديمقراطية وعقدت الندوات والمؤتمرات المدعومة من واشنطن في المنطقة، وقامت وفود أمريكية رفيعة المستوي بزيارات مكوكية الي العواصم العربية والاسلامية للبحث في اساليب التعاطي مع تلك التحديات. وعندما اتضح ان الرأي العام العربي والاسلامي يحمل واشنطن مسؤولية تداعي الاوضاع في المنطقة وتصاعد ظاهرة العنف السياسي والارهاب، ويربط بين الموقف الامريكي الداعم لقوات الاحتلال الصهيونية وكافة سياساتها الاخري، طرح بعض الساسة المخضرمين اقتراحات تتسم بشيء من الواقعية والنضج السياسي. ويمكن القول ان ما طرحته مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية السابقة في ادارة بيل كلينتون، بفصل القضيتين، من أوعي الاطروحات الامريكية، لكن احدا لم يأخذ بما قالته. يومها كانت اولبرايت مكلفة بملف التطوير الديمقراطي في المنطقة، فاقترحت فصل المسارين عن بعضهما، قائلة ان من الضروري تحقيق تقدم علي المسار الديمقراطي حتي لو لم يحدث تطور علي مسار الصراع العربي ـ الاسرائيلي، والعكس صحيح ايضا.

ادي تعثر الجهود الامريكية آنذاك لتعميق الازمة، حتي بلغت مداها الحاضر. وبدلا من المسارين المذكورين، اصبحت واشنطن اليوم تواجه اربع قضايا متداخلة يصعب الفصل في ما بينها. فبالاضافة الي التحدي الديمقراطي الذي لم تحقق واشنطن فيه الكثير من الانجازات، والصراع العربي ـ الفلسطيني، الذي أصبح أكثر تعقيدا بعد فوز منظمة حماس، اصبح هناك تحديان آخران يضغطان علي الدبلوماسية الامريكية في الشرق الاوسط، وكلاهما ناجمان عن السياسات الامريكية وتوجهات واشنطن في المنطقة. اولهما أزمة العراق وثانيهما، المشروع النووي الايراني. الولايات المتحدة تبدو المحرك الأساسي لكل منهما، واللاعب الأساسي فيهما. فواشنطن هي القوة الكبري المتورطة بشكل مباشر في المستنقع العراقي، وعليها تقع مسؤولية فشل سياستها في ذلك البلد وما آل اليه من دمار مادي وبشري، وما نجم عنه من تصاعد في ظاهرة الارهاب التي اصبحت تهدد الامن الدولي بعد فشل واشنطن في احتوائها. اما المشروع النووي الايراني فهو الآخر، اصبح عنوانا لأزمة اختلقتها واشنطن، وتصر علي مواصلة السير فيها بالنهج نفسه، خارج الاطر الدولية المعنية بها. هذه القضايا الاربع اصبحت متداخلة بشكل يصعب حلها، ويضع الولايات المتحدة في موقع صعب جدا، كما اصبحت بمجموعها تحديا للمجتمع الدولي المطالب بايجاد حلول عاجلة لها والا انتشرت وتفاقمت وادت الي تولد قضايا اضافية. للوهلة الاولي لا تبدو المسألة الديمقراطية مرتبطة بقضية فلسطين، ولا المشروع النووي الايراني مرتبطا بالديمقراطية، ولا أزمة العراق مرتبطة بفلسطين، غير انها، في المنظور الامريكي، لا تنفك عن بعضها. بل انها بمجموعها اصبحت تحاصر السياسة الخارجية الامريكية بشكل مزعج لادارة البيت الابيض. يزيد من هذا الازعاج تواصل نجاح الرؤساء المناوئين للسياسات الامريكية في عدد من دول أمريكا اللاتينية. فقد صوت شعب فنزويلا لدورة رئاسية ثانية للرئيس هوغو تشافيز، الذي يتزعم الاتجاه المناوئ للسياسات الامريكية في امريكا اللاتينية. كما فاز قبل اسبوعين المرشح اليساري، رفائيل كورييا، في الانتخابات الرئاسية في الاكوادور، الذي كان مشروعه الانتخابي ينص بوضوح علي رفض توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الامريكية.

هذه التحديات الخطيرة الاربعة التي تواجه السياسة الخارجية الامريكية في منطقة الشرق الاوسط تمثل محور الدراسة التي قامت بها مجموعة دراسة العراق المؤلفة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي التي أصدرت الاسبوع الماضي تقريرها الذي طال انتظاره. التقرير اصدرته المجموعة التي تشكلت بتشجيع من الكونغرس تحت مظلة معهد السلام الامريكي تكونت من اعضاء من الحزبين الرئيسيين: الجمهوري والديمقراطي، وأشرف عليها كل من جميس بيكر، وزير الخارجية في عهد الرئيس بوش الأب، ولي هاميلتون، عضو سابق بالكونغرس، ومدير مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين. وقامت المجموعة بدراسة استشرافية وتقييم مستقل للاوضاع في العراقي وانعكاساته علي الجيران، وتبعات ذلك كله علي المصالح الا مريكية. واعتبرت الدراسة موضوعية بدرجة معقولة، ولم تستطع المجموعة النظر الي الوضع العراقي بانفصال عن القضايا الاخري، فجاءت توصياتها شبه شاملة، واقترحت اجراءات تهدف لاحتواء ذلك الوضع في اطار خطة امريكية شاملة تتعاطي مع القضايا الاخري التي تمت الاشارة اليها. ولكن لوحظ عدم اهتمامها الكبير بمسألة الاصلاح السياسي في المنطقة، وهذه أهم نقاط ضعف الدراسة. غير انها اعترفت بضرورة تخلي الولايات المتحدة عن خطابها الاستفزازي في ما يتعلق بالمشروع النووي الايراني، واعتبرته قضية تهم الدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الامن الدولي، وليس الولايات المتحدة وحدها. ولا شك ان تصدر واشنطن لاستهداف ايران قد أثر سلبا علي المصالح الامريكية، اذ دفع الجمهورية الاسلامية لاتخاذ مواقف سلبية حول الوجود الامريكي في العراق، الامر الذي ساهم في تعقيد موقفها ومضاعفة خسائرها. وتعتبر توصية مجموعة دراسة العراق للادارة الامريكية بالنأي عن هذه السياسة التي قد توصلها الي المصير نفسه الذي وصلت اليه بالسياسات الاخري حول العراق، نظرة اكثر واقعية الي الوضع الراهن من توجهات المحافظين الجدد الذين بدأ نجمهم في الافول. كما ان دعوة المجموعة للادارة بالتحاور مع سورية وتشجيعها علي تأمين حدودها مع العراق ومنع اختراقها من قبل المجموعات المسلحة تعتبر جانبا من النظرة الواقعية للامور بعيدا عن اساليب الاستفزاز والتهديد والعسكرة.

الدراسة لم تتجاهل ما تمثله قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي من رمزية محورية لأسباب التشنج الذي ينعكس سلبا بشكل يومي علي الوجود الامريكي في المنطقة. ولذلك رأت مجموعة بيكر ـ هاميلتون انه ينبغي للولايات المتحدة ان تقوم بحملة جديدة لاحلال السلام الشامل بين العرب واسرائيل بما في ذلك التزام الرئيس جورج بوش في عام 2002 بحل يقوم علي دولتين لاسرائيل والفلسطينيين. ويجب ان تعقد اجتماعات بين اسرائيل ولبنان وسورية من ناحية وبين اسرائيل والفلسطينيين من ناحية اخري. هذه التوصية قد تواجه بموقف متعنت من مسؤولي الكيان الصهيوني واصدقائهم في واشنطن، ولكنها مؤشر ايجابي لوجود استيعاب اكبر للانعكاسات السلبية للسياسة الامريكية الداعمة بدون حدود لقوات الاحتلال، خصوصا استعمالها المتكرر لحق النقض لافشال اي مشروع قرار ينتقد سياسات الكيان الصهيوني. وهنا تتداخل القيم الديمقراطية بالموقف السياسي الامريكي بشكل معقد لصناع القرار في واشنطن. فالترويج للديمقراطية ادي، في اغلب البلدان، الي صعود التيارات المناوئة للولايات المتحدة، سواء في امريكا اللاتينية ام الشرق الاوسط. وجاء فوز حركة حماس الفلسطينية في مطلع العام غير منسجم مع الطموحات الامريكية، الامر الذي ادي تدريجيا الي حالة التوتر والشلل الحالية سواء في الحياة المعيشية للمواطنين الفلسطينيين ام في الاوساط السياسية العربية والغربية، خصوصا الامريكية التي تشعر بخيبة الأمل من صعود التيارات المعارضة لسياساتها. غير ان مجموعة دراسة العراق ادركت بشكل واقعي عدم امكان الخروج من حالة الشرنقة في المنطقة ما لم تظهر الولايات المتحدة في موقع صانع السلام المحايد الذي لا ينحاز لأي من الطرفين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية