المهرجان الثاني لفن الحلقة والأدب الشفهي: وفاء للذاكرة الشعبية

حجم الخط
0

عزيز الحاكم

ظلت الحلقة لسنوات خلت مدرسة شعبية مفتوحة في وجه عامة الناس، يتوافدون عليها في سائر الأيام، وبشكل مكثف في أيام الجمعة والآحاد وبعض العطل، كي يرفهوا عن أنفسهم ويمتعوا أسماعهم وأبصارهم بألاعيب البهلوانيين وحكايات الرواة والحكواتيين. وكانت الساحات العامة المحاذية لأبواب بعض المدن (فاس، مكناس، سلا، الرباط، مراكش… الخ) هي الفضاءات التي يتمركز فيها أصحاب الحلقة من مختلف الأجيال ويتقاطر عليها الرواد بانتظام بحثا عن مرويات ومشخصات جديدة، حتي أنها تحولت الي مجال خصب للفعل المسرحي واعتبرت بمثابة أقدم شكل مسرحي أو طقس احتفالي مارسه المغاربة بحكم أنها مكان سحري تتكاثر فيه الفرجة مع أكبر قدر من حرية الانجاز كما يؤكد ذلك د. حسن المنيعي، وبفضل طرافة مواضيعها وبساطة أساليبها وقدرتها علي اشراك المتفرجين في نسج عروضها اكتسبت الحلقة شعبية لا مثيل لها.

ومع أنها احتجبت قسريا في معظم المدن المغربية (باستثناء ساحة جامع الفنا في مراكش) الا أن هاجس احيائها ظل يراود أذهان الباحثين والمهتمين والمعنيين بشؤون تنشيط الفضاءات العامة التي عاشت فيها الحلقة عصورها الذهبية الغابرة، وهذا ما عجلت بتحقيقه مقاطعة فاس المدينة، منذ السنة الفارطة، حين أقدمت علي تنظيم المهرجان الأول لفن الحلقة والأدب الشفهي، مستثمرة لهذا الغرض فضاء ساحة أبي الجنود الذي تم تأهيله مؤخرا لاستضافة بعض الحلقات والعروض الموسيقية والغنائية الكبري.

أما الدورة الثانية من هذا المهرجان فقد أضافت الي ساحة أبي الجنود فضاء آخر أكثر حميمية ورونقا (حديقة الأميرة للا أمينة). وبذلك ازدان الفضاءان معا، من 1 الي 3 كانون الاول (ديسمبر) 2006، بمنشطي وجمهور الحلقة خلال مهرجان مفتوح نظمه مجلس مقاطعة فاس المدينة تحت اشراف الجماعة الحضرية لفاس وبتعاون مع جمعية البناة، واختاروا له شعارا لصيقا بهذا الفن العريق: الحلقة أداة لترسيخ التراث الشعبي الشفهي. وقد استدعي للمشاركة في هذه التظاهرة الشعبية نخبة من الحكواتيين والحلايقية القدماء وبعض الطوائف الموسيقية والغنائية الشهيرة أو السائرة في طريق الشهرة. ومن الأهداف الأساسية المتوخاة من تنظيم هذا المهرجان، كما عبر عن ذلك السيد عزيز الفيلالي رئيس مقاطعة فاس المدينة، تأكيد العزم علي احياء كل تراث انساني تتميز به مدينتنا العريقة، بعد ما كاد الزمن والزحف الثقافي الحديث أن يمحوه، خاصة الأدب الشفهي الذي ارتبط دوما بفن الحلقة ورد الاعتبار للحلقة التي شكلت النواة الأولي للمسرح الشعبي، حيث ساهمت بقسط وافر في نبوغ مثقفين وفنانين أبلوا البلاء الحسن في ترسيخ البعد الثقافي والحضاري لدي أجيال ترعرعوا في رحابها وهذا ما يستوجب بالحاح حمايتها من التلاشي و صيانتها من التلف والضياع. وبنفس التعلق والطموح تفتقت قريحة الملحوني النشيط محمد الحضري عن قصيدة طريفة مغناة بعنوان (أم الفنون) صاغها وفق تقاليد النظم الملحوني في شكل مديح متيم بأهل هذا الفن ومكوناته وتلويناته، والسر في هذا الانجذاب أن:

فن الحلقة فن بديع فن سرو رباني فن الحلقة فن بهيج قديم بحرو زاخر فن الحلقة تهتف به الكهول وصبياني فن الفرجة والتشويق فن بسرارو عامرفن الحلقة فن عريق فيه حكمة ومعانيفن أصيل دارك شهرة وضيح واضح بظواهرفن الحلقة نسلا هبه تعود مسرور وهانيبفن الحلقة يهنا البال فن يشرح الخاطروتجسيدا لشعار المهرجان جمع البرنامج بين الحكواتي محمد مخلص والحلايقي المرح خلوق العيش (مجايل للحلايقي الفذ حربا و عايشة بطيط ) الذي أسال دموع الجمهور بمحكياته الساخرة والذكية والقائه المشوق وصوته الدافئ، ومروض الثعابين ميلود المسعودي والقرداتي عبد القادر بوعلي وملتهم الزجاج والأسلاك الحديدية الشاب هشام العملي، الي جانب العروض الغنائية التي قدمهـــا جوق المرحــوم عبد الكريم كنون لطرب الملحـــون برئاسة محمد الحضري، ومجموعة الطقطـوقة الجبلية بقيادة المطرب الشعبي محمد العروسي، وتقاسيم عازف العود السوري أحمد التهامي، ومعزوفات الفرقة الكناوية ومجموعة اهل توات التي تمزج بين ايقاعات الحضرة والتبارز بالعصي في رقص استعراضي. تلك اذن هي أبرز اللحظات الفنية التي انتعش بها فضاء ساحة أبي الجنود وحديقة الأميرة للا أمينة، ولقيت من التجاوب والاستحسان ما يبرز أهمية فن الحلقة، بما هو أدب شعبي جذاب، ويحفز علي الاستمرار في تنظيم هذا المهرجان ببرمجة أغني وترتيبات تنظيمية أدق واخراج فني أشد احكاما وتحرك اعلامي أوسع، مع التفكير في توقيت أنسب (فصل الربيع مثلا) وانتظام الحلقات علي مدار السنة في فضاءات متعددة، ودمج البعد السياحي في هذه التظاهرة الشيقة، في انتظار أن تكتسب الصبغة الدولية اللائقة بها. كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية