محمد منصور
دار جدل واسع مؤخرا حول مسلسل (غزلان في وادي الذئاب) الذي كتبه فؤاد حميرة، وأخرجته رشا شربتجي وعرض علي شاشة التلفزيون السوري في رمضان الماضي وعلي شاشة (الشام) قبل إغلاقها، في حين تعيد قناة (إم.
بي.
سي) عرضه حاليا.. ذلك أن المسلسل المذكور، يتناول بقوة وجرأة قضايا الفساد الحكومي في سورية، من خلال قصة ابن مسؤول كبير يعيث فسادا في البلاد والعباد. والمسلسل لا يركز علي عقد الصفقات المشبوهة فقط، ولا علي التجاوزات وإساءة استخدام السلطة وحسب، بل يركز علي تفاصيل العلاقات الإنسانية التي تحيط بابن المسؤول هذا، والتي ينجح في أن يحولها بخوائه الإنساني والفكري، وبوقاحته اللامتناهية إلي مستنقع آسن تفوح منه مشاعر الكراهية والنفور والإحساس العميق بانهيار كل القيم الأخلاقية.
والحق أن العمل يبدو صادماً للمشاهد، فهو مكتوب بتركيز ومحاولة استنباط عميقة لقيم الفساد التي انتشرت في سورية في العقود الثلاثة الأخيرة، ويحسب للكاتب هنا سعيه لربط كل هذه التفاصيل بحالة البلد عموما… حيث تتكرر عبارة (شو مالكن عايشين بالبلد) علي لسان إحدي الشخصيات لتبرير انقياده الأعمي لأوامر وطلبات ابن المسؤول الفاسد.
كذلك يحسب للكاتب، ربط فساد الشخصية المحورية ببيئته العائلية المفككة، والتي تضم أما متطفلة علي الأدب تستفيد من تعميمات زوجها للمؤسسات الرسمية بشراء عدد كبير من نسخ رواياتها بما يسمي عملية (الاقتناء)، وشقيقة متخلفة عقليا يتزوجها دكتور في الجامعة لا يلبث أن يصبح رمزا من رموز فساد العائلة وعنوانا من عناوين صفقاتها المشبوهة.
أما علاقة ابن المسؤول بكبار التجار، فهي علاقة تظهر كيف أن الوسط التجاري أرغم علي الفساد بسبب تسلط أجهزة الدولة علي الاقتصاد وتقييد العمل التجاري الحر من جهة، ورغبة أولاد المسؤولين في مقاسمة التجار أرباحهم وأرزاقهم علي اعتبار أنهم يستطيعون بنفوذهم عرقلة أي عمل تجاري مهما كان سليما وقانونيا… بل حصرا حين يكون سليما وقانونيا… ناهيك عن استعداد التاجر التاريخي لحماية تجارته حين يراها مهددة بأي شكل كان.
طبعا هذه التفاصيل وغيرها، والكثير من الإشارات والتفاصيل الأخري التي تنخر جسد الوطن، والتي عبرت عنها إحدي شخصيات العمل بالقول: (كنا مفتكرين زمن البيك والباشا راح) تدين طبقة بكاملها صنعتها آلية نظام بسط نفوذه وسيطرته علي المجتمع والاقتصاد والصحافة والثقافة وليس علي آلية العمل السياسي وحسب… ومن واقع معرفتي بآلية العقل الرقابي السائد في التلفزيون السوري الذي يراقب نصوص المسلسلات التي تنتجها الشركات الخاصة، وليس ما ينتجه هو فقط، فليس سرا أن أقول، إن هذه الرقابة أبعد ما تكون عن قبول مثل هذه الطروحات، وعن تشريع الأبواب أمام الكتاب ليتناولوا بصراحة ووضوح كل هذا الفساد، الذي قد يظن بعضهم أنه ينطوي علي بعض المبالغة الدرامية… في حين يعرف كثير من السوريين أنه أشبه بالجزء الظاهر من جبل الجليد العائم.
ما يدعو للتساؤل من جهة أخري أن الشركة المنتجة للعمل (الشرق للإنتاج الفني) لصاحبها المهندس نبيل طعمة، هي نفس الشركة التي أنتجت العام الماضي مسلسلا للشاعر نزار قباني دون موافقة ورثته، والتي استطاعت تجاوز كل القوانين، وعرض العمل بدعم سلطوي لم تنفع معه كل النداءات التي وجهتها أسرته لأعلي القيادات السياسية للمساعدة في حفظ حقوق الورثة واحترام تراثه وإيقاف تنفيذ العمل ثم عرضه… مما يعني أن إنتاج شركة كهذه أبعد ما تكون في توجهاتها عن إزعاج السلطة أو محاولة التمرد علي قيم الرقابة العليا والدنيا معا.
ومن المعروف أنه حين كان يتم تنفيذ (غزلان في وادي الذئاب) كان يسوق في الأوساط الفنية علي أنه المسلسل الذي يصور فساد مفلح الزعبي، ابن رئيس الوزراء المنتحر محمود الزعبي… وقد نفهم هنا أن العمل أراد أن يعري ظاهرة تلصق بشخص تخلت عنه الدولة منذ زمن وأعلنت فساده بقرار رسمي… ناهيك عن أن العمل قد يمس بطريقة غير مباشرة أولاد النائب السابق عبد الحليم خدام، الذين كانت لهم الكثير من المشاريع التجارية، وهؤلاء صاروا من المغضوب عليهم أيضا… فما المانع أن يتم اختزال ظاهرة فساد أولاد المسؤولين في نموذجين، صار مسموحا حتي لرجل الشارع العادي البسيط أن يشتمهم ويحملهم كل المصائب… وهو أمر قد يغري شخصا مثل نبيل طعمة، وشركته.
؟ طبعا بعيدا عن هذه الاعتبارات، لا بد أن أسجل تحية تقدير لكاتب العمل، لأنه قدم نصا متماسكا فنيا، ويتحلي بجرأة جوهرية رغم محاولاته أحيانا، عزل الظاهرة عن كامل المحيط الحكومي… ولا بد أن أنوه بجهد المخرجة رشا شربتجي، التي تقدم أداء إخراجيا متقنا ومتوازنا، وهي تخطو خطوة ناجحة مرة أخري بعد مسلسلها السابق (أشواك ناعمة) فضلا عن الحضور الخاص لقصي خولي، الذي جسد دور ابن المسؤول بصفاقة استفزازية ربما كرست البعد الدرامي الحقيقي لهذا النموذج الذي أفرزته مرحلة بأكملها، ومن الخطأ الجسيم قراءته علي أنه نتاج حالة فساد شخصي.
أخيرا فقد قرأت مثلما قرأ غيري عن إلغاء التلفزيون السوري للندوة التي كان من المقرر أن تناقش المسلسل عقب عرضه في رمضان، وعن حذف أجزاء منه في العرض المحلي، وعن التوجيه إلي جميع البرامج بعدم الحديث عنه… وشخصيا لا أستغرب كل هذه الإجراءات، فلطــالما حدثت في التلــــــفزيون ضد أشخاص وأعمال وحتي مطربين وأغنيات… أما إذا سألنا عن تبرير كل ذلك، بعدما أخذ النص موافقة علي التصوير، ثم علي العرض، وعرض بالفــــعل… فإن الجواب يعكس آلية العقل الإعلامي الســــــــــــوري دائما، فحتي (لو) أنجز هذا العمل بناء علي توجيه أو ضـوء أخضر ما، فلا مانع من أن يقف أحدهم ضده رقابيا، وأن يؤخذ برأيه وتحفظاته مشكورا، فالرقيب المتشدد خير وأنفع من رقيب متساهل، لا يدرك أن أصغر قرار انفتاح يمكن أن يطوي بلمح البصر ودون أي توضيح أو اعتذار لأحد.
الإعلام التلقيني… والإعلام المنحاز! من خلال متابعة القنوات التلفزيونية اللبنانية، في الأحداث الأخيرة التي شهدت خطاب السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله، ثم رد رئيس الحكومة فؤاد السنيورة عليه، يمكن للمتابع والناقد أن يكتشف الفرق بين قناة مثل (المنار) وقناة مثل (المستقبل). فقناة (المنار) تنتمي للإعلام التلقيني الموجه… أي القناة التي لا تلتزم الأجندة السياسية للجهة التي تتبع لها بحذافيرها وحسب، بل تحول هذا الالتزام إلي عملية تلقين سياسي سافر، ينطوي علي حكم قيمة يصادر رأي المتلقي سلفا، من قبيل (رئيس الحكومة الفاقدة للشرعية) وهي الصفة التي تكتب تحت اسم فؤاد السنيورة لدي التعريف به، وهي تبث رسائلها باتجاه واحد: الفئة المؤمنة بخطابها وخطاب الحزب الذي يمولها.
أما قناة (المستقبل) فهي تنتمي للإعلام المنحاز، الذي رغم مهنيته، لا تستطيع أن تؤمن بموضوعيته وحياديته التامتين، لكنك تستطيع مثلا أن تطمئن إلي أن أحكام القيمة ملغاة في توصيف الأشخاص، وهو إعلام يستطيع المتابع أن يلمس عدم موضوعيته… لكن ميزته أنه لا يبث رسائله باتجاه واحد، بل يحاول أن يقنع المشاهد الحيادي (اللامنتمي لتياره أو لتيار أعدائه) بأنه إعلام يستحق أن يشاهد، وأن يكون مصدرا من مصادر الخبر. ال.
بي.
سي: التفريط بالهوية! أستغرب تسمية (الفضائية اللبنانية) التي تطلقها قناة (إل.
بي.
سي) علي نفسها، فالقناة تحاول اليوم اللحاق بركب القنوات التي تهتم بإرضاء المشاهد السعودي، وتقديم البرامج والمسلــــسلات الخاصـــــــة به، وهي تكاد تفقد هويتها شيئا فشيئا، من خلال الكثير من البرامــــج التي تهتم بأدق تفاصيل المزاج السعودي العام والخاص… ومنها برنامــــج يومي تقدمه مذيعة سعــــودية محجبة مع زميل لها.. ناهيك عن استخدام توقيت السعودية في الإعلان عن البرامج، إلي جانب توقيت بيروت.. وهي لا تفعل ذلك بالتأكيد حبا بقبلة المـسلمين، مكة المكرمة كما تفعل الجزيرة مثلا.
ناقد فني سوري[email protected]