امرأة الأقحوان
محمود العزاميامرأة الأقحوانكنت في السادسة من عمري، حافي القدمين، أتسلق الصخور، وأقفز هنا وهناك، والمبهج أنني أتذكرها بدقة، تلك السنوات التي انغمست فيها وتوردت. كنت خلالها مشغوفاً باللعب، اللعب وحده يأخذ معظم وقتي وجل اهتمامي، ما أن أعود من المدرسة حتي أقذف كتبي ودفاتري نحو الأرض، وأملأ جيوبي تمراً وخبزاً وأركض باتجاه الجبل، أتزحلق فوق الصخور المنحدرة، وألاحق الطيور، وأنازع رفاقي وأشاجرهم. نعم.. شعرت بأنني الأقوي آنذاك، فأضرب هذا وأعض ذاك، وغالباً ما ينتهي نهارنا بالشتائم، والمشجع أنني أفوقهم جميعاً في قذف أكبر الشتائم. عويد وسالم وحمدان. هؤلاء أصدقائي وأعدائي. ما أن تتواري الشمس خلف الجبل وينشر الظلام طلاءه الأسود حتي نتبعثر: كل باتجاه بيته. وكم بت أكره الظلام، أكرهه لمجرد أنه ظلام، وربما لأنه يحرمني من اللعب وسط أقراني ويقطع علي ساعات لهوي، أعود للبيت بعدها مكرهاً، والغريب أنني بعد هذا اللعب أبدأ بمشاكسة أمي، وأمي، الله ما أجمل أمي !!، عندما أعرف أنها بلغت ذروة غضبها.. أرتمي في حضنها كجرو صغير، تهدهدني ثم أنام. وما ان أتذكر تلك الهدهدات حتي أشعر بتيار يكاد يعصف جسدي كله. أحس أمي جزءاً من حياتي كاللعب والمدرسة. كثيراً ما أسمعها تقول: يا رب اتركني أعيش لهما .وعندما توفيت تذكرت قولها، وبكيت، نعم ؛ فأنا كبيرها، وأخي الصغير كان مريضاً، كنت ألاحظ أنه أصفر الوجه، ويحب النوم أكثر مني، وأدركت بعدها أن أبي كان يذهب للعمل في الحقل ثم يذهب إلي دار جدي، وأحياناً كثيرة كان ينام هناك، ولا أدري لِمَ ينام هناك، والمحير أنني لم أكن أشاهد أبي كثيراً في البيت كما كنت أشاهد أمي. أبي كان قاسي الملامح، هكذا أذكره الآن، وخاصة مع أمي، أمي.. كانت تخافه وأصبحت أخافه لأنها تخافه، حين يناديني أركض مذعوراً باتجاهه، ويبدأ يحدثني – وقليلاً ما يفعل – لا أستطيع حينها النظر في وجهه، بل كنت أتلافي النظر إليه أحياناً، ولا أدري حتي الآن لماذا افعل هذا !؟ اللعب والمدرسة وأمي هذه الدائرة التي.. أدور فيها آنذاك، وفي إحدي الأيام، وبينما كنت أهم بالخروج للعب، ألفيت ابنة جيراننا مريم مقبلة، وكانت قريبة، فعدت لأخبر أمي بقدومها، وما كدت أن أصل أمي، حتي وصلتنا ضاحكة، وكانت جميلة، وطويلة، علي صدرها قلادة براقة، أذكر أن يدي كادت أن تمتد نحو صدرها، لولا أنني كنت خجولاً، وحتي الآن وبخاصة مع النساء، أشعر أن جمال قلادتها جعلني أتلعثم إحساساً بها. خدها كان متورداً يشبه الأقحوان الذي يطلع بجانب بيتنا في الربيع،وثدياها كانا حنونين مثل ثديي أمي، وجهها في ذلك النهار أنار لنا عتمة بيتنا الذي تلفه الظلال. هكذا كنت أشعر، فقلما تقع عيناي علي فتاة جميلة وباسمة آنذاك، كانت مريم معبرة وأكثر من آسرة، سمعتها تقول لأمي: أهذه سترة يا رب؟! إني أفضل الموت عليها. أنا مستورة بدونه، أكرهه، كم أكرهه ،… ثم قالت: ما الفائدة؟ وافق أبي وقرأوا الفاتحة . ثم سمعتها تقول وهي تسحب نفساً عميقاً: يا موت تعال خذني ، وكنت أتخيل الموت رجلاً فحلاً يركب الناس علي كتفيه القويين، ويأخذهم خلف الجبال، أجل لم أتعرف علي الموت بعد، تصمت أمي حينها وتشبك إبرة الخياطة في الرداء الذي يتكوم في حجرها، كم كان يخيفني صمتها، عندما تصمت أمي، أشعر أني علي وشك البكاء، وعندما تعود إلي الحركة والكلام تنقذني، ويشرق وجهي، فأضج حينها ضاحكاً وأخرج للعب. تقول لي مريم: ما رأيك أن تأخذني أنت؟ وأقول متسائلاً وأنا أضع سبابتي في فمي: إلي أين آخذك ؟ فتنظر بعدها لأمي وتهتز المرأتان من شدة الضحك. نعم. لم أدر لماذا آخذها؟ وإلي أين أذهب بها آنذاك. لكنني لاحظت أن ثمة صفرة في وجهها. إنها صفرة تشبه وجه أخي طاهر، وأخي طاهر كان طاهراً بحق، لا يسمع له صوت، وغالباً ما أشاهده يندس تحت لحافه صامتاً، هكذا أذكره الآن، أما صوت مريم فكان ناعماً وشفيفاً وطاهراً أيضاً، ولم أسمع طوال حياتي أنعم وأجمل منه، بعدها بسنة تقريباً – هكذا أتذكرها الآن – أذكر أنها زارت أمي، وكان بين يديها طفل رضيع، ولاحظت أنه طفل هزيل، نظراته ثابتة، ووجهه شاحب قليلاً، لكن اصفرار وجهها أصبح أكثر من قبل، شاهدتها تبكي، تلتصق بأمي وتبكي، لا أدري ما تقول لها، وكم أرعبني نحولها هذه المرة، كانت ناحلة جداً، فعندما تتلاقي يداها علي خصرها تكاد اليدان تلتقيان، أقول حينها بتأثر: يجب أن تأكل هذه المرأة وتشرب الحليب أيضاً ، اللعنة !! كل ما كان يشغلني الأكل، واللعب !! هذه حياتي ببساطة !!.في هذه الزيارة خطر لي أن أسألها: أين ذهب ذلك الأقحوان؟ ، والمقلق أنه وفي نفس الوقت خطر لي أن أبعدها عن تفكيري فلم أستطع، مجرد أن أشيح بوجهي عنها… لم أفلح في ذلك.لا أدري ما الذي حدث بعدها، لكني فوجئت بها تزور أمي مجدداً، أقول: لولا زيارتها هذه لنسيتها، أذكرها كما لو أنها أمامي الآن، تجلس قبالة أمي يكاد رأسها يصطدم برأس أمي، وفي صدغها الأيمن جرح طويل، قالت بصوت متهدج: لقد ضربني ابن الكلب ، لم أكن أعرف ما تقصد، فتخيلت جرواً صغيراً يعضها، وقلت في نفسي: أنا سأقتل ذلك الجرو اللعين . ومنذ ذلك الحين وأنا أكره الكلاب ولا أحب أن أسمع نباحها. أيامي الصغيرة تعصف بأيامي الكبيرة، وأنا أجر ثمالة ذكراي نحو الأمس، آخر مرة شاهدتها، كانت تركض بين البيوت مطأطئة الرأس، تصرخ بأعلي صوتها وتمزق ثيابها، يا إلهي أين ذهب ذلك الانتصاب الرباني في رأسها؟؟، حتي صوتها تخالطه بحة لم أسمعها من قبل، قذفت الكرة جانباً، واستغرب أندادي، فقلما تفلت الكرة من يدي، وجلست القرفصاء أرقبها. شاهدت رجلاً قصير القامة شعره أبيض لكنه قوي البنية، يلبس ثوباً مشمراً حتي الركبتين، بيده عصا تفوق طوله. كان بين الفينة والأخري يوجه الضربات للمرأة، حين تتعب كانت تجلس، تدفن رأسها في التراب وتعول، لم أفهم كلمة مما تقول، كان الرجل يقف إلي جانبها واضعاً يده علي خاصرته الغليظة، ثم ما يلبث أن يجرها من شعرها. وقال عندما لاحظ وجودي: فضحتيني يا بنت الشيطان . تحدث الناس عنها بعد ذلك كلاماً لم يعجبني، ولم أعد أميل إلي اللعب كما كنت، قالوا: إنها جنت في آخر أيامها ثم ماتت. والغريب أنني ما زلت أذكرها، وكثيراً ما أتسلل في الليل نحو المقبرة، وأجلس بجوارها صامتاً، أتذكرها، أشعر أنها ترتاح لزيارتي، كما أنني متأكد أنها تنعم الآن بالهدوء والسكينة اكثر مني، لكنني بعد أن أعود من زيارتها، وأجلس في بيتي أشعر بشيء يحيط برقبتي، ويضغط عليها، حينها، لا أستطيع أن أتمالك نفسي وأجهش في البكاءكاتب أردني0