المحرقة والقدسية والخروج من التاريخ

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو

هل يجوز القبول بأن تنقلب أحداث تاريخية، مهما كانت بشعة ومأساوية، إلي أحداث مقدُّسة لاتخضع للمناقشة ولا للتساؤل؟ كيف يستطيع ابتزازُ بارعُ تقوم به جماعة دينية نافذة أن يوصل مجتمعات غربية علمانية وعقلية وديمقراطية إلي قبول مثل هذه المفارقة المحيٍّرة؟ بل ثمً يصل الحال بذلك الغرب، المثقل بتأنيب الضمير والخَجلُ ممًّا فعل، إلي أن يحاول فرض ورطته وفقدان إرادته علي مجتمعات الآخرين، الذين لا ناقة لهم ولا جمل في الأمر كلٍّه، مثلما يفعل الآن مع إيران حيث يناقش موضوع الهولوكوست.

تلك أسئلة يجب أن تطرح عندما ينظر إلي موضوع الهولوكوست (المحرقة اليهودية) الذي تصُّر الصهيونية علي جعله خارج قوانين التاريخ وحدثاًّ بشرياً فريداً، وتنصيبه كتمثال فوق منصًّة عالية لا تسمح لأحد بلمسه أو النظر إليه أوشمٍّ رائحته. فالصهيونية ترفض أن يتحدث أحد عن عدد ضحايا المحرقة الحقيقي أو أن يناقش طرق القتل التي استعملت أو أن يجري مقارنة بين هذا الحدث وبين غيره من أحداث الإبادة التي تزيد عنه بشاعة وحجماً وعدداً في الضحايا. وبداية فانً قتل يهودي واحد دون وجه حق، كما فعل النازيون باليهود ويغيرهم، هو جريمة إنسانية بشعة وبالتالي لا يقبله عاقل. لكن إصرار الصهيونية علي رقم سحري مقدُّس لايقبل المناقشة لعدد الضحايا، وهو ستة ملايين، هو الذي يمثل ابتزازاً سياسياً للإنسانية كلٍّها. ذلك أن العديد من التحريات قد أظهرت أن معسكر أوشويتز ـ بركنو الشهير الذي تصر الادعاءات الصهيونية ـ علي فناء أربعة ملايين يهودي فيه لم يتعدًّ عدد كل معتقليه المليون شخص. كما بيُّنه بوضوح المفكر روجيه غارودي. وهذا بديهياً سيعني إنقاص العدد السٍّحري إلي ثلاثة ملايين، الأمر الذي ترفضه الصهيونية بهستيريا الأطفال، إذ أنها تعلم أن استدرارها لدموع البشر اعتمد في الأساس علي تضخيم عدد الضحايا الأبرياء.

والأمر نفسه ينطبق علي إجراء أية مقارنة لأعداد ضحايا الهمجية النازية. فليس بمسموح لك أن تقارن ماجري في الاتحاد السوفييتي، حيث مات علي يد النازيُّة حوالي عشرين مليون، أو ما جري في بلدان أوروبا الشرقية، حيث مات بضعة ملايين، أو حتي ما جري من قتل ستين مليون هندي أحمر في القارة الامريكية علي يد المستوطنين البيض الأوائل، لتبرز حدوث مجازر أبشع وأكبر دموية. فالصهيونية عند ذاك ستثور وتعتبر أنك تمسُّ بهالة القدسيًّة التي أحاطت به الحدث وبالتالي فأنت تعادي السامية.

لقد كتبت كتب كثيرة عن هذا الموضوع الذي يصعب الدخول في كثير من تفاصيله، ونكتفي بالمثلين اللذين ذكرنا. لكن من حقٍّنا أن نتساءل باستغراب عن الخضوع المحزن الذي وصلت إليه مجتمعات الغرب تحت الضغوط الهائلة للصهيونية العالمية. وإلاُ فما الذي يفسٍٍّر قبول بعض برلمانات أوروبا إصدار قوانين تحرٍّم حتي البحث الموضوعي لموضوع الهولوكوست تحت طائلة ممارسة العداء للسامية؟ وما الذي يفسٍّر أن تستطيع القوي الصهيونية تدمير أو تهميش كل كاتب غربي غامر وتجُّرأ بالكتابة عن هذا الموضوع؟ واليوم تعلن الدول، طائعة منصاعة، عن رفضها لأي مناقشة للموضوع في أي مكان في العالم.

ليس فينا من ينكر الجرائم النازية بحق اليهود والسلوفاك والروس والغجر. ولا نستطيع أن ننسي بأننا، كعرب قد صُنفنا مع اليهود من قبل النازيين في أسفل سٌلًّم الأعراق البشرية. لكننا، يجب أن نضع أيدينا في أيدي الشًّرفاء من كتاب ومفكري الغرب الذين طالبوا بأن تنزع القدسية الأسطورية عن مأساة اليهود مع النازية وأن تعتبر كحدث تاريخي، مثله مثل غيره من أحداث التاريخ البشري المأساوية، قابلاً للنقاش والأخذ والعطاء. وإذا كان الغرب يريد أن يعرف مأساة مماثلة للتي تعًّرض لها يهود أوروبا فليرسل رسله إلي فلسطين ليشاهد كيف يذبح أطفالها ونساؤها وشيوخها علي يد الصهيونية النازية الجديدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية